محاضرات

خَلْقُ السّمَواتِ والأَرْض(البحث الثاني)

أَصْلُ الوُجُوْدِ وَأُصُوْلُ المَوْجُوْدَات

لكل مخلوق أصلٌ يرجع إليه، ولكل أصل أصلٌ لم يسبقه شيء، وهو الله تبارك وتعالى الذي خلق الخلائق بقدرته الباهرة، والذي كان ولا شيء قبله، والذي ليس شيء بعده، فهو أصل الأصول وموجدها من العدم ومُخرجها إلى مرحلة الظهور والوجود.
هذا الخالق العظيم الذي أخفى حقيقة نفسه عن العقول، ووجّهها إلى الخلق ليكون النظر إلى الخلق دالاً عليه، ولذا فلا ينبغي للمخلوق أن يفكر في حقيقة الخالق، لأنه مهما حاول وكرر وحلّق بعقله وتأمل بفكره فلن يصل إلى غايته لأنها محجوبة عنه بالتكوين، فلا الإنسان ولا الجن ولا الملائكة يعرفون تلك الحقيقة، ولذا ورد في الحديث”فكروا في خلق الله ولا تفكروا فيه إن التفكر في الله لا يزيد صاحبه إلا تحيراً”
وقد أعجبتني أبيات من الشعر تحكي حواراً دار بين شخصين حول موضوع التفكر في ذات الله عز وجل، وإليكم تلك الأبيات الرائعة:
سعى ليدرك كنه الله خالقه *** فأوغل السير في سهل وفي جبل
حتى إذا لم ينل من بحثه أملاً *** وأوشك العقل أن يخْتل من كلل
رأى غلاماً بشط البحر مجتهداً *** في حفر بئر بلا يأس ولا مللِ
فقال: ويحك ماذا تبتغي؟ فرنى *** اليه في ثقة كبرى وفي أملِ
فقال: اني اريد البحر انقله *** لهذه البئر ! هلا زدت في عملي؟
فقال: ويحك! هذا البحر تنقله *** لهذه البئر هذا منتهى الخبل !
فقال: حسبك يا من جئت ترشدني *** لقد تماديت في نصحي وفي جدلي
أأنت أكبر أم رب الوجود مدى *** حتى ترى نقله في عقلك الثمل؟
وقد كشف القرآن الكريم عن عجز البشر عن إدراك ذاته المقدسة ليوفر عليهم جهداً وعناءاً ووقتاً لا طائل منه ولا فائدة من ورائه، فقال سبحانه(ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ){الأنعام102/103} وقال تعالى متحدثاً عن بعض صفاته(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ){الحشر22/24} وقد حدثنا الله تعالى عن النتيجة التي وصل إليها اليهود الذين طلبوا من نبيهم أن يريهم الله تعالى بالعين فانظروا ماذا كانت النتيجة(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ){البقرة55/56} وهذا ردٌ حاسم على تلك الفكرة التي لا يمكن أن تتحقق بشكل من الأشكال، وقد كثر الحديث في القرآن الكريم عن النظر إلى الخلق دون الخالق لأن المهم هو أن تعرف بأن الله تعالى موجود، والطريق إلى معرفة الخالق منحصر بالنظر إلى المخلوق، ولذا ورد وصفٌ للمؤمنين في كتاب الله العزيز بأنهم يتفكرون في خلق السموات والأرض وليس أكثر من ذلك لأن طلب ما هو أكبر قد يوصل الإنسان إلى مرحلة سيئة يعقبها شقاء أبدي.
والأدلة على وجود الله عز وجل كثيرة جداً، فقد عمل البشر منذ البداية وحتى اليوم على إثبات الصانع عن طريق الدليل العقلي والعلمي والفطري والنقلي وغير ذلك، وقد ثبت للقاصي والداني وجوده تعالى الذي لا ينكره إلا المعاند الذي فيما بينه وبين نفسه يقر بوجود الله عز وجل، وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ما يخبئه هؤلاء في صدورهم حيث قال(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ){العنكبوت61/63}
إن الإنسان يدرك وجود خالقه من تلقاء نفسه ومن دون أي دليل خارجي، وإن أكثر الذين طلبوا الأدلة من الأنبياء كانوا معاندين ليس أكثر، لأنهم يعرفونه بقوة الفطرة التي أودعها بهم والتي هي صلة الوصل بينه تعالى وبينهم، قال سبحانه(قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ){إبراهيم/10}
الله تعالى صاحب الأسماء الحسنى والصفات العليا والذي يسجد له من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً، قال تعالى(لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى){طه6/8}
وقال عز وجل(وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ){الرعد/15} وقال سبحانه(وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا){الإسراء/44}
وهناك مئات الآيات التي تتحدث عن قدرة الله تعالى وعن صفاته الجلالية والجمالية والكمالية وغير ذلك مما يتعلق بالذات المقدسة.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى