
إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ {البقرة/131}
يذكرنا الله هنا بصفة عالية من صفات خليله إبراهيم مبيناً لنا سبب اصطفائه في هذه الدنيا فإنه تعالى عندما أمره بالإسلام أسلم من فوره وراح يحارب الأصنام وعبدتها ولم ير في حياته سوى الله عز وجل تلك الحياة التي كانت مليئة بالبطولات والمكرمات ولا يمكن أن تكتمل شخصية الإنسان إلا من خلال إسلامه لرب العالمين، وهذا أول شيء قام به إبراهيم الذي كانت جميع مواقفه مميزة في هذه الحياة لأنه أول من بادر في زمانه إلى الإسلام لعلمه بأنه طريق التكامل والسمو.
وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ {البقرة/132}
إن أبرز وصية أوصى بها إبراهيم أبناءه في أواخر حياته الشريفة كانت التمسك بالإسلام مهما كان الثمن غالياً حيث علم هذا النبي بأنه لا طعم للحياة من دون إسلام ولا قيمة للمرء إذا لم يُسلم وجهه لرب العالمين، وكذلك فعل أولاده وحفيده يعقوب الذي خصته الآية بالذكر فقد أوصى هو الآخر أولاده بدين الإسلام لأنه طريق السعادة مؤكداً على أن تختتم الحياة بالإسلام لأن من اختتمت حياته بغير هذا الدين فقد خسر الدنيا والآخرة.
أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ {البقرة/133}
كان اليهود يعتقدون بأن يعقوب أوصى أولاده باليهودية المحرفة، وقد نزلت هذه الآية رداً على ما يزعمون، فهل كنتم حاضرين عندما حضر الموت ليعقوب أم أنكم تفترون عليه الكذب، فلقد جمع يعقوب أولاده وسألهم من تعبدون من بعدي فأجابوه نعبد إلهك وإله آبائك فعندها اختتمت حياته الشريفة بالسرور لما سمعه من أولاده الذين اعتنقوا دين الإسلام.
ونلاحظ بأنه قال لأولاده(ما تعبدون من بعدي) ولم يقل لهم(من تعبدون) لأن الوثنية آنذاك كانت مستفحلة بمجتمعه، ولعله طرح السؤال عليهم بهذه الصيغة ليطمئن قبل موته وعندها أجابوه بما ذكره الله فاطمأنت نفسه وفارق هذه الدنيا.
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ {البقرة/134}
كانت أوهام اليهود مستفحلة بهم فكانوا يظنون بأن آباءهم وأجدادهم سوف يشفعون لهم كفرهم وانحرافهم فأخبرهم الله تعالى بأن تلك الأمة قد رحلت عن هذه الدنيا فلها نتيجة أعمالها ولكم أنتم نتيجة أعمالكم، وإن ادعاءكم أنكم من تلك الأمة التي خلت لن يغير من موقفكم يوم القيامة شيئاً.
وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ{البقرة/135}
كان اليهود يدعون بأن نبيهم موسى أفضل الأنبياء والتوراة أفضل الكتب، وكانوا يقولون للمسلمين كونوا يهوداً حتى تهتدوا إلى الحق، وكانت نصارى نجران تدعي أن عيسى أفضل الأنبياء وأن الإنجيل أفضل الكتب، وكانوا يقولون للمسلمين كونوا نصارى تهتدوا، فأنزل الله هذه الآية وأمر نبيه بأن يخبرهم بأن ملة إبراهيم هي أفضل الملل لأنه كان مسلماً حنيفاً ولم يكن من المشركين، أما اليهود والنصارى فهم مشركون.
قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ{البقرة/136}
لا يكون المؤمن مؤمناً إلا إذا ساوى بين الرسل وآمن بهم وبكونهم يؤدون رسالة الله في المجتمع البشري، فعليكم أيها اليهود والنصارى أن تتخلوا عن عنصريتكم التي أغرقتكم في الكفر والعناد، فاليهود لا يؤمنون إلا بموسى ويا ليتهم آمنوا به حقاً بل راحوا يترفعون به وهم الذين ملؤوا صدره غيظاً بسبب كفرهم وعنادهم، فرفضوا أن يسوى بينه وبين باقي الأنبياء، وكذلك فعل نصارى نجران في موضوع عيسى، وهنا يأمرهم رب العالمين بأن يؤمنوا بإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب وجميع الأنبياء قبلهم وبعدهم، وأن يؤمنوا بما أوتي موسى وعيسى التوراة والإنجيل وبكل ما أنزل الله على رسله وأسلموا وجوهم لله، وبغير ذلك لن تكونوا مؤمنين.
فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{البقرة/137}
فلو آمن اليهود والنصارى بما آمنتم به أيها المسلمون فقد سلكوا طريق الهدى، وإذا أصروا على كفرهم فقد أعلنوا الحرب عليكم وعلى الله والرسل والكتب السماوية وكل ما أنزل الله سبحانه، ولا تخافوا منهم لأن الله سوف يكفيكم أمرهم ولن يظهروا عليكم ولن ينتصروا بل سوف يذلهم رب العالمين بسبب ما هم عليه.
صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ {البقرة/138}
الصبغة هي الدين وهنا يأمرهم الله بأن يتخذوا صبغة الله ويتخلوا عن كل صبغة أخرى فهل يوجد أحسن من دين الله في هذا الوجود الذي نحن له عابدون، وبهذا أمر القرآن بالتخلي عن الصبغات العنصرية والطائفية والذاتية وعن كل الصّبغات المفرّقة، والإِتّجاه نحو صبغة الله، وقد ذكر المفسرون أن النصارى دأبوا على غسل أبنائهم بعد ولادتهم في ماء أصفر اللون، ويسمونه غسل التعميد، ويجعلون ذلك تطهيراً للمولود من الذنب الذاتي الموروث من آدم، القرآن يرفض هذا المنطق الخاوي، ويقول: من الأفضل أن تتركوا هذه الصبغات الظاهرية الخرافية المفرقة، وتصطبغوا بصبغة الله، لتطهر روحكم.
قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ{البقرة/139}
كان اليهود يحاجون المسلمين دائماً بهدف التشكيك فكانوا يقولون لهم إن جميع الأنبياء منا وإن ديننا أقدم الأديان وكتابنا أعرق الكتب، هذا بالإضافة إلى أنهم ادعوا أنهم أبناء الله وأن الجنة لهم ويعتبرون أن عنصر اليهود أرقى وأفضل من عنصر العرب لأن العرب أهل أوثان ولهذا كانوا يعتبرون أنفسهم هم المؤهلون لحمل الرسالة دون غيرهم، فرد الله عليهم بهذه الآية الكريمة مبيناً أن الله ليس رب فئة دون فئة فهو رب العالمين ولا يمكن أن يتميز شخص عن آخر إلا بالتقوى والعمل الصالح فلنا أعمالنا ولكم أعمالكم، ولكننا بأعمالنا نخلص لله دونكم.
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ {البقرة/140}
بهذه الآية يرد الله على زعم آخر من مزاعم اليهود الذين اعتبروا إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط منهم أي أنهم كانوا يهوداً، فهل أنتم أيها اليهود أعلم من الله بما كان عليه هؤلاء، فلقد أخبركم بأنهم كانوا مسلمين لرب العالمين ولم يكونوا يهوداً ولا نصارى، وأنتم تعلمون بأن هؤلاء الأنبياء قد أدوا رسالاتهم قبل موسى وعيسى إنكم بذلك تظلمون أنفسكم لأنكم تكتمون شهادة هامة تتعلق بهوية الأنبياء العقائدية، ثم يهددهم رب العالمين بأنه ليس غافلاً عما يعملون وأنه سوف يعاقبهم على ذلك أشد عقاب.
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ{البقرة/141}
يكرر الله تعالى حقيقة هامة وهي أن الأنبياء ليسوا مثلكم فلقد كانوا عباداً مخلصين لله أدوا ما عليهم من واجبات وتحملوا الكثير من أذى الناس في سبيل تبليغ الرسالة، فلهم ما كسبوا من أعمالهم وسوف يجزيهم ربهم خير جزاء، ولكم ما كسبتم أنتم وسوف تنالون بما كسبت أيديكم شر عقاب، ولا علاقة لكم بهم ولن يسألكم الله عما كانوا يفعلون بل سوف يسألكم عما فعلتم أنتم في الحياة الدنيا.
ثم إن الأمة العظيمة تعتمد على أعمالها وإنجازاتها ولا تعتمد على تاريخها وذكرياتها، وهذا هو الفرق بينكم وبين المسلمين.
سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {البقرة/142}
تشير هذه الآية إلى أهم الأحداث التاريخية التي جرت في الإسلام وهي مسألة تغيير القبلة، فلقد صلى رسول الله(ص) نحو بيت المقدس ثلاثة عشر عاماً في مكة قبل الهجرة وبضعة أشهر في المدينة بعدما هاجر إليها ثم بعد ذلك أمر الله رسوله بأن يتوجه في صلاته نحو الكعبة المشرفة.
وكان اليهود يستفزون المسلمين دائماً حيث كان المسلمون في صلاتهم يتجهون نحو بيت المقدس وبسبب ذلك كان اليهود يدعون بأنهم على حق وإلا فلماذ يتوجه المسلمون في صلاتهم نحو قبلتهم، فكان كلام اليهود يؤلم رسول الله وأصحابه، وكان(ص) يقلب وجهه في السماء منتظراً الوحي الإلهي في هذا الشأن، وذات مرة كان رسول الله يصلي صلاة الظهر في مسجد بني سالم وما إن تم ركعتين حتى هبط عليه جبرائيل وأخذ بيده ووجهه نحو الكعبة، ومنذ ذلك الحين راح المسلمون يتجهون في صلاتهم نحو الكعبة مما أثار ضغينة اليهود وغضبهم فلقد كانوا بالأمس يعيرون المسلمين في توجههم نحو بيت المقدس فبماذا يعيرونهم اليوم.
طبعاً إن وساوس الشيطان كثيرة وطرق الشر بعدد وساوس الشيطان ولا تخلو جعبة الباطل من الثرثرة، فلقد راحوا يبثون التشكيك في المجتمع الإسلام حول هذا التغيير المفاجئ مَا وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، لو كانت القبلة الاُولى هي الصحيحة فَلِمَ هذا التغيير؟ وإن كانت الثانية صحيحة فلماذا صلى المسلمون أكثر من ثلاثة عشر عاماً تجاه بيت المقدس؟ عند ذلك أجابهم رب العالمين(قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلى صِراط مُسْتَقِيم) فلو أمرنا الله بالتوجه في الصلاة نحو حجر أو شجر أو بشر لفعلنا ذلك دون تردد لأن المشرق والمغرب وما بينهما لله يتصرف في خلقه كيفما يشاء ويحب أن نعبده بالطريقة التي يريد فهو يمحو ما يشاء ويثبت ولكن حكمته اقتضت أن يكون اللاحق أفضل من الماضي أو مثله إن كان هناك مصلحة في المثلية.
وهذا التغيير إنما هو مرحلة من مراحل الإمتحانات الإلهية للناس وإلا فإن الكعبة مجرد أحجار امتحن الله بها إيمان عباده به ونحن نعظم تلك الأحجار لأن الله أمر بتعظيمها وأعطاها تلك القدسية وإلا لكانت مجرد أحجار كغيرها، وهذا ما أشار إليه علي(ع) بقوله: ألاَ تَرَوْنَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ، اخْتَبَرَ الْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ، إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، بَأَحْجَارٍ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلاَ تُبْصِرُ وَلاَ تَسْمَعُ، فَعَجَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ (الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً):
ولأجل هذا كله استحق اليهود وصف الله لهم بالسفهاء لأنهم كذلك فعلاً وإلا لو لم يكونوا سفهاء لآمنوا كما آمن المسلمون.
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ {البقرة/143}
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا أي كما جعلنا القبلة في موضع وسط من الأرض فكذلك جعلناكم أيها المسلمون أمة وسطاً أي أمة معتدلة لا يوجد في إفراط ولا تفريط فهي لا تسلك طريق الغلو ولا طريق الشرك والضلال.
وأما كون قبلة المسلمين وسطاً فذلك لأن أغلبية النصارى كانوا يقطنون غرب الكرة الأرضية، وكانوا يتوجهون إلى قبلتهم في بيت المقدس أي نحو الشرق، وإن أغلبية اليهود سكنوا شرق الأرض فهم يتوجهون نحو الغرب في صلاتهم أي نحو قبلتهم التي تقع في الغرب، أما الكعبة فكانت بالنسبة للمسلمين تقع في الجنوب بالنسبة للمدينة.
جعلنا قبلتكم وسطاً وجعلناكم أمة معتدلة لتكونوا شهداء على الناس أي لتكونوا أسوة وقدوة للناس ويكون الرسول أسوة وقدوة لكم.
ثم تشير الآية إلى أحد أسرار تغيير القبلة وهي اختبار الناس حيث قال سبحانه(وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) أي لنميز بين من يتبع الرسول كونه صاحب الرسالة السماوية ممن يتجه في الإتجاه المعاكس والله يعلم ذلك ولكنه يريد أن يحتج على المنكرين بإنكارهم.
واعلموا أيها المسلمون أن الله تعالى لن يضيع ثواب إيمانكم وهذا ما يكبر في نفوس القوم الذين يرون الهداية كبيرة عليهم.
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ {البقرة/144}
إن الله يعلم ما يدور في صدرك يا رسول الله ويعلم أن كلام اليهود يؤذيك ولكنه سوف يوجهك نحو قبلة ترضاها، ولذا فقد أمر الله النبي والمسلمين أن يتوجهوا في صلاتهم نحو الكعبة أينما تواجدوا على الكرة الأرضية، ومهما حاول اليهود وغيرهم أن يستفزونكم في ذلك فهم يعلمون بأن هذا هو الحق من الله ولكنهم سوف تسول لهم أنفسهم زرع التشكيك في نفوس المسلمين حسداً لهم، ولكن أطمئن يا محمد وليطمئن كل مسلم أن الله يرى ويسمع كل شيء وأنه سوف يعاقب المستهزئين بكم أشد عقاب.
والسؤال هنا لماذا أمرنا الله بالتوجه إلى شطر المسجد وليس إلى جهة الكعبة؟
الجواب لأن دائرة المسجد أوسع وقد يصعب على البعيدين التوجه نحو الكعبة، فجعل الله تعالى التوجه شطر المسجد توجهاً لجهة الكعبة، فالشطر هو جهة المكان وليس نفس المكان حيث
يتعذر التوجه إلى نفس المكان على كثيرين، وهذا يسر ولطف من رب العالمين.
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ {البقرة/145
لو أعطيتهم الدليل القاطع على أن الله تعالى هو الذي أمرك بذلك لما توجهوا نحو قبلتك ولا أنت ستتوجه نحو قبلتهم، ولا اليهود يتوجهون نحو قبلة النصارى ولا النصارى يتوجهون نحو قبلة اليهود فإذا اتبع أحد المسلمين أهواء اليهود والنصارى وتوجه نحو قبلتهم فسوف يكتبه الله تعالى من الظالمين لأنك يا رسول الله أثبت لهم الحق وأعطيتهم الدليل القاطع.
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{البقرة/146}
لو قرأنا التاريخ الصحيح جيداً لأدركنا أن كثيراً من أهل الكتاب اليهود والنصارى كانوا على علم تفصيلي باسم رسول الله محمد وعلاماته وصفاته وأكبر دليل على معرفته له ما حدث بين بحيرا الراهب وأبي طالب في شأن محمد عندما كان صغيراً وقد رافق عمه أبا طالب في بعض أسفاره فرآه الراهب بحيرا، وبمجرد أن رآه قارن بين شخصه وتلك المعلومات التي كونت صورة واضحة عن رسول الله عرفه وأخبر أبا طالب بشأنه وحذره من اليهود فرجع به أبو طالب من فوره إلى مكة.
ولشدة معرفة علماء اليهود والنصارة بأوصاف رسول الله فقد عبّر القرآن عن معرفتهم بأنها كمعرفة أبنائهم بمعنى أنه بمجرد أن يروا وجه رسول الله فسوف يعرفونه كما يعرفون أولادهم بمجرد النظر إليه.
ولكن فريقاً من اليهود والنصارة كتموا تلك الحقيقة لأطماع خاصة وأهداف رخيصة بينما نجد بعضهم قد سارعوا إلى الإيمان بمجرد أن رأوا رسول الله كعبد الله بن سلام وكان من علماء اليهود.
الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ{البقرة/147}
إن ما أنزله الله عليك يا محمد إنما هو الحق فإياك أن تكون من المترددين، وهذا الخطاب وإن كان ظاهره لرسول الله ولكنه يعني جميع الذين آمنوا بالله حيث علم الله تعالى أن منهم من يُحتمل ارداده عن الإسلام بسبب افتراءات علماء اليهود وكذبهم وخصوصاً في موضوع تغيير القبلة الذي اتخذ منه اليهود ذريعة لتشكيك المسلمين برسول الله وأنه هو الذي فعل ذلك وليس الله عز وجل، وقد ثبّت الله تعالى الإيمان في قلوبهم حين أنزل عليهم هذه الآية.
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{البقرة/148}
أحدث كلام اليهود حول تغيير القبلة ضجة كبيرة في المدينة خصوصاً بحيث كاد الوضع يخرج عن السيطرة بسبب وجود أصحاب إيمان ضعيف ضمن المسلمين فليس كل من أسلم في عهد رسول الله بقي على الإسلام فإن كثيراً منهم ارتدوا عن هذا الدين حيث لم يكن الإسلام راسخاً في قلوبهم فلربما أسلم بعضهم أو تظاهر بالإسلام طمعاً بدولة الإسلام ليس أكثر، والله تعالى في هذه الآية يخبرنا أنه لكل أمة من الناس قبلة.
صحيح أن الكعبة أول بيت وُضع للناس ولكن هذا البيت المعظّم مر بمراحل خفي أمره على الناس لأسباب كثيرة منها ما يتصل بالله ومنها ما يختص بالناس، ولهذا كان لكل نبي قبلة يتوجه إليها بدليل أن الله تعالى في بعض المراحل أمر الناس بالتوجه إلى بيت المقدس وكان منهم خاتم الأنبياء محمد الذي صلى أكثر من ثلاثة عشر عاماً وهو يتوجه في صلاته نحو بيت المقدس، فبدل أن تضيعوا أوقاتكم بهذا الموضوع الذي هو بيد الله عز وجل وتتكلموا في مسألة الوجهات إفعلوا الخير الذي ينفعكم في يوم القيامة وسابقوا إلى فعل الخيرات بدل أن تتكلموا بما حسم الله أمره فإن المعيار الحقيقي للعبادة عو عمل البر وليس الكلام فيما لا ينفع وقد أشار الله تعالى إلى هذه الحقيقة في هذه السورة حيث قال(لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيّينَ) هذا هو جوهر العبادة الحقيقية فمن صلى وهو غير متوجه نحو القبلة جهلاً أو نسياناً فإن صلاته صحيحة لأن العبرة تكمن خلف توجه قلبه نحو الله وليس خلف توجه جسمه نحو الأمكنة.
ثم إنكم أينما تكونون سواء كنتم في الأرض أم في السماء فسوف يقبضكم الله إليه ثم يبعثكم في يوم القيامة ليحاسبكم على أعمالكم فهو على كل شيء قدير، وإذا كانوا اليهود والنصارى قد نسوا الله ويوم الحساب وأعرضوا عن الإيمان والخشية من الله فلا ينبغي للمسلم الذي ذاق طعم الإيمان وحلاوة الإسلام أن يتخلى عنهما وينسى ربه.
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ{البقرة/149}
ما زال القرآن الكريم يحدثنا عن موضوع تغيير القبلة لأنه كان موضوعاً أساسياً في تلك الحقبة الزمنية، وهنا يأمر الله رسوله بأن يتوجه في صلاته شطر المسجد الحرام في أية بقعة كان من الأرض، واعلم يا محمد بأن هذا هو الحق من الله، وهو يعلم كل ما تقولون وتفعلون وسوف يحاسب الناس في يوم القيامة على كل شيء.
ويوجد في الآية تأكيدان على كون ذلك هو الحق الأول هو إن والثاني هو اللام في قوله للحق.
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ{البقرة/150}
تكرر الآية الحكم الذي ورد في الآية السابقة ولكن في هذه الآية شمل الحكم جميع المسلمين كيلا يظن أحد بأن الحكم خاص برسول الله، وقد أنزل الله هذا الحكم كيلا يكون لليهود وغيرهم حجة على المسلمين حيث ورد في كتبهم بأن النبي الموعود يصلي نحو القبلتين وهذا الأمر بتغيير القبلة صدق ما جاء في كتبهم، وبذلك لن يبقى لليهود والنصارة حجة على المسلمين، ورغم أن الله تعالى حسم الأمر بهذا الحكم إلا أن بعض المعاندين سوف يتابعون مسيرة اللجاج والتشكيك، فلا تخشوا الناس فإن الله أحق بالخشية منهم، وقد أتم الله نعمته على المسلمين حيث أنزل عليهم ما أنزل من الحق، ووجه النعمة في تغيير القبلة هو أن الله تعالى خلصهم من التقليد الأعمى والتعصب ووحد صفوفهم في توجههم نحو أعظم وأول بيت للتوحيد وهذا لا شك نعمة كبرى سوف يسألنا الله عنها في يوم القيامة.
الشيخ علي فقيه



