
آثار الغلو وآفاته
الغلو سلوك قبيح وصفة وضيعة تنقل الإنسان من مرحلة النور إلى مرحلة الظلام، ومن حالة الإيمان إلى حالة الكفر، ومن مستوى العلم إلى مستوى الجهل، أي أنها تؤثر في الإنسان بشكل يحوّله من شيء إلى شيء آخر وذلك من دون أن يشعر في البداية بهذا الإستدراج فلا يصحو من تلك الغفلة إلا وهو نادم حيث لا ينفع الندم ومتحسر حيث لا تنفعه حسرته بشيء.
فالغلو في نظر أهله حسنٌ ولكنه في نظر العقلاء من أهل الإيمان سيء للغاية وذلك بسبب نتيجته المشابهة لنتيجة العداء، فحكم المغالي عند الله تعالى هو حكم المبغض، وهذا ما ظهر جلياً على ألسنة المعصومين(ع) ومن تلك العبارات الواردة عنهم قول علي(ع) هلك فيّ رجلان محب غال ومبغض قال: وللوقوف على قبح الغلو وضرورة الإقلاع عن ممارسته نذكر لكم بعض الأحاديث الواردة عن رسول الله(ص) وآله الأطهار(ع) فهي الحجة علينا والكفيلة بإخراجنا من هذه الدائرة الضيقة إلى عالَم واسع من النور والمعرفة والإيمان، فالهدف من ذكر هذه الأحاديث هو التصحيح تصحيح المعتقَد قبل أن يفوت الأوان.
نقل العلامة المجلسي في المجلد الخامس والعشرين من بحار الأنوار صفحة 264 أن رسول الله(ص) قال لعلي(ع): يا علي مثلُك في أمتي مثل المسيح عيسى بن مريم، افترق قومه ثلاثَ فرق، فرقة مؤمنون وهم الحواريون، وفرقة عادَوه وهم اليهود، وفرقة غلَوا فيه فخرجوا عن الإيمان، وإن أمتي ستفترق فيك ثلاث فرق: ففرقةٌ شيعتك وهم المؤمنون، وفرقةٌ عدوك وهم الشاكّون، وفرقة تغلو فيك وهم الجاحدون، وأنت في الجنة يا علي وشيعتُك… وعدوك والغالي في النار: وقبل تسليط الضوء على عمق هذا الحديث ودلالاته الهامة في مرحلة الإيمان نذكر مجموعة من الأحاديث التي تبين لنا عاقبة الغلو الوخيمة.
ورد عن الرسول(ص) أنه قال: رجلان لا تنالهما شفاعتي: صاحبُ سلطان عَسوفٌ غَشوم، وغالٍ في الدين مارق: وقال علي(ع) يهلِك فيّ اثنان ولا ذنب لي محب مفْرط ومبغض مفرِّط:
وقد تبرأ الإمام من الغلاة، وهذه البراءة تعني عدم الشفاعة لهم وأنهم من أهل النار، فقال(ع) اللهم إني بريء من الغلاة كبراءة عيسى بن مريم من النصارى اللهم اخذُلهم أبداً ولا تنصر منهم أحداً: وهناك طائفة أخرى من الأحاديث التي وردت لبيان هذا الشأن سوف نتعرض إلى ذكر بعضها عند الحاجة إليها.
والآن أقف على كلام رسول الله(ص) الذي جعل فيه ابن عمه علياً كمثل عيسى ابن مريم الذي اختلف الناس فيه ثلاثَ فرق.
فإنه مما لا شك فيه أن الله تعالى قد أطلع رسوله على مسائل من المستقبل وعرّفه على ما سوف يقول الناس في حق علي الذي سوف يستغل بعض الفرق إسمه لتمرير مصالحهم وللتغطية على نواياهم وأهدافهم، فالمغالون لا يحبون علياً لأنهم لو أحبوه حقاً لما غالَوا فيه بل هم أعداء له بصورة أحباء لأن أثر الغلو في الشخص المغالى فيه أكبر من أثر البغض له، وللتوضيح نضرب لكم مثالاً: فلو فرضنا أن بيننا شخصين أحدهما عدو لعلي وثانيهما مغالي، فشتم العدو علياً وقال المغالي في علي أنه فوق الخلق أو فوق خصوصيات البشرية أو أنه أفضل من محمد كما نسمع وتسمعون تلك الأكاذيب التي يلعنها علي(ع) وينهى عنها، فهنا ما الذي يؤثر سلباً برأيكم على المعتقد وعلى الدين أو على سمعة العظماء هل هو شتمُ علي أو ادعاء كونه أفضل من رسول الله؟ نقول إن الشاتم مخطئ في نظر مجموعة من الناس فهو مبغوض من قبل محبي علي ومن قبل بعض أعدائه ممن يتمتعون بشيء من الوعي المحدود أو من الشعور بجانب من جوانب الإنسانية، أما المغالي فهو مخطئ في نظر جميع أعداء علي وفي نظر جميع محبيه، فهو عدو لبعض أعداء علي ولكل أحبائه أيضاً فهو مرفوض من قبل جميع الفئات والجهات، لأنه يتعاطى بمنطق أجنبي عن المنطق السليم.
فعلي(ع) أعظم مما يتصور أعداؤه والمغالون فيه فإن المغالي مهما تغنى بحبه لعلي فلن يصل حبهم له إلى ذرة من حبنا له لأننا أحببناه عن معرفة أما هم فقد أحبوه عن جهل وهناك فارق كبير بين هذين النوعين من الحب فهما يختلفان بالمنشأ والأسلوب والنتيجة، أما اختلافهما بالمنشأ فهو أن حب المغالي له يصدر عن جهل أو عن نية خبيثة كما هو حال أكثر المغالين، وأما اختلافهما بالأسلوب فإن الطريقة التي يستعملها المغالي عند حديثه عن علي هي من الأساليب المنفّرة للقلوب قبل المسامع والضارة في المعتقد، وأما اختلافهما في النتيجة فإن نتيجة حب المغالي هي نفسها نتيجة العداء والبغض أما نتيجة حب المؤمن الواعي لعلي فنتيجتها الجنة وهذا ما صرح به رسول الله(ص) عندما قال لعلي: أنت وشيعتك في الجنة، وشيعته هم أحباؤه والموالون له والسالكون نفس طريق وطريقته، ولا شك بأن الغلو ليس من طريق علي ولا من طريقته، فلي(ع) أعظم خلق الله بعد رسول الله وهذا ما اعترف به القاصي والداني فهو أول المؤمنين بالله ورسوله وأعلم الناس بعد رسول الله، وهو الخليفة الحق الذي نزل فيه العديد من الآيات الكريمة، وهو الذي حفظ الرسول والرسالة في ليلة المبيت، وهو الذي حفظ الرسول والرسالة والمسلمين في كل المعارك التي خاضها الرسول وفي مقدمة تلك المعارك بدر وأحد والأحزاب، فعلي مع الحق والحق مع علي، وعلي مولى المؤمنين بعد رسول الله وهو أول الأئمة وأبو الأئمة وهو صاحب صفات الكمال البشري، وهو الذي لم يستطع أحد بعد أن يصل إلى مستواه الروحي والقلبي والعقلي والنفسي، فهو الذي عبد الله لا خوفاً من ناره ولا طمعاً بجنته، وهو الساقي على الحوض غداً، وهو قسيم الجنة والنار، وهذا لوحده يكفي للدلالة على كونه أعظم خلق الله بعد رسول الله في الدنيا وفي الآخرة، فهو قائد المؤمنين في هذه الحياة وفي يوم الحساب لأن له خصوصية خاصة عند رب العالمين، عندما يتخلى الحبيب عن حبيبه والأم عند ولدها والصديق عن صديقه والأخ عن أخيه، فهناك لا يتبرأ علي من المؤمنين بل سوف يقودهم خلفه إلى أعلى الدرجات في جنة الخلد.
إذاً الناس تجاه علي بن أبي طالب ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: وهم المؤمنون بالله ورسوله والموالون للرسول وآله حق الولاية وأعني بحق الولاية صحة الموالاة البعيدة عن أيدي الغلو والمغالين، فهناك فرقة من الناس آمنت بالله ورسوله وكل ما يجب الإيمان به وعملت صالحاً كما أمر الله ورسوله، ووالت علياً لأن اله ورسوله هما اللذان أمرا بذلك، فهؤلاء هم أهل الإيمان الصحيح وأهل الوعي والحكمة الذين سلكوا الطريق بأنوار الإيمان والمعرفة، وخافوا من الله خوفاً منعهم من اتباع الهوى، وإن الإيمان الناتج عن الجهل قد يكون حكمه حكم العدم حيث يكون حينئذ تعصباً أعمى.
الصنف الثاني: وهم الشاكّون بأمير المؤمنين علي(ع) وهذا الشك إما أن يكون بإيمانه أو بكونه خليفة رسول الله المنصوب بأمرٍ مباشر من الله تعالى، وإما أن يكون شكاً بعظمة علي وشأنه في الدنيا والآخرة، وإما أن يكون شكاً بأية خصوصية من خصوصياته الثابتة أو صفاته المعلومة أو أفعاله البيّنة الواضحة، وأياً يكن نوع الشك بعلي فهو كفر بالله تعالى لأن الله عز وجل هو الذي عيّن علياً وليس الرسول، فما الرسول سوى مبلّغٍ للوحي الإلهي، وبناءاً عليه يكون الشك بعلي شكاً بالله ورسوله، وما هذا سوى الكفر والضلال والإلحاد، وهذا ما وصف به رسول الله الشاكين بعلي حيث قال(ص) وفرقةٌ عدوك وهم الشاكّون، وعدو علي كافر وملحد، وقد قال(ص) في موضع آخر يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق، والمنافق ألعن من المشرك عند الله تعالى الذي أخبرنا بمصير المنافقين حيث يقول(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) ويقول سبحانه(إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) فلا داعي لأي نوع من أنواع الشك بعلي حيث قامت عليه الحجج ووردت فيه النصوص الصحيحة الثابتة التي لا ينكرها إلا معاند.
الصنف الثالث: وهم المغالون بعلي الذين أخرجوه من دائرة العبودية إلى دائرة الربوبية بطريق مباشر أو غير مباشر، وهذا أمرٌ ميزانه الإعتقاد فإن المغالي بعلي حتى لو لم يفصح عن مغالاته فإن حكمه عند الله تعالى حكم المغالي المترجم لغلوه لأن الحساب في هذا الأمر يتم على أساس الإعتقاد المجرد أو الإعتقاد مع العمل وتطبيق الأثر.
من ضروب الغلو
قال تعالى(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) وقال سبحانه(قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)
عندما بدأت الكلام عن الغلو وآثاره خِلتُ أنني سأنهي البحث في بضع صفحات وعشرات السطور والقليل من العبارات، ولكن الكلام يجر الكلام، والفكرة تأتي بعد الفكرة، والشيء بالشيء يُذكر، ولم أكن أظن بأنني سوف استطرد بالحديث وأسهب بالكلام ولكن كثرة ضروب الغلو وشدة تمسك المغالين بآرائهم وعقائدهم دفعت بنا المسؤولية إلى إلقاء الضوء على مجموعة من الأفكار والآراء والأحداث التي تتعلق بموضوع الغلو وأهله، ولم يكن الغرض من كلامنا تشهيراً بهم إذ ليس ذلك من أخلاق ديننا الحنيف، وإنما ذكرت ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن باب الشعور بالمسؤولية تجاه هذه التجاوزات التي لا تنحصر بفئة ولا تُحصر بمكان بل هي تأخذ بالتفشي يوماً بعد يوم ويزداد انتشارها بين الحين والآخر، ولا أعني بالغلو نوعاً خاصاً منه فإن الغلو إما أن يكون عاماً وإما أن يكون خاصاً، أما الغلو العام المتعارف عليه بين أكثر الناس إنما هو تأليه الأشخاص وذلك عبر إخراجهم عن دائرة العبودية إلى مستوى الربوبية، وأما الغلو الخاص فقد عنيت به ما هو أوسع دائرة من الغلو العام لأنه لا يختص بتأليه الأشخاص بل بنسب صفات لهم وهي في الحقيقة ليست فيهم.
هناك كثير ممن شاء الزمان الغادر أن يصعدوا المنابر ويظهروا على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وبثوا في عقول الناس أفكاراً خاطئة لا يقبل بها الله ورسوله وقد خوّفوا الناس تجاهها وأمروهم بالعمل على طبقها مستدلين على ضلالهم بروايات موضوعة وأحاديث كاذبة وأكاذيب مختلقة بهدف زرع الفتنة بين الناس وشق عصا المسلمين وذلك عن سابق إصرار أو عن جهل، وفي كلتا الحالتين هم يرتكبون جرائم عقائدية في حق الناس، أما إذا كانوا متعمدين ذلك فهم مجرمون من دون شك، وأما إذا كانوا جاهلين فلا يحق لهم أن يتكلموا حتى يسألوا أهل الذكر، وهذا ما أمر به القرآن الكريم، بل هذا ما جعله طريقاً إلى الحق.
أرجع إلى الآية الكريمة التي تتحدث عن رسول الله(ص) وغيره من الرسل فالآية تخبر عن كون الرسول بشراً مثلنا، فلفظ البشر يدل على كونه بشراً تجتمع فيه كل خصوصيات البشرية، وقوله مثلكم تأكيد على هذه الحقيقة التي لا يجوز اللعب بها وتزوير حقائقها.
فلو أننا سألنا أي إنسان عن خاتم الأنبياء فقلنا له: ما هو محمد؟ فسوف يقول هو إنسان له أب وأم خرج من صلب أبيه ودخل إلى بطن أمه بنفس الطريقة التي يتكون منها كل الناس حملت به أمه تسعة أشهر وولدته كما تلد النساء وأرضعته حليمة السعدية كما يرتضع كل مولود وتغذى على ذلك ونشأ كما ينشأ كل الأولاد ودخل في مرحلة تكوينية تلو مرحلة أخرى حتى أصبح يافعاً ثم كهلاً ثم التحق بالرفيق الأعلى ودُفن تحت التراب كما يُصنع بكل من يموت من الناس، ولو أننا طرحنا سؤالاً ثانياً على هذا الشخص الأمي وسألناه عن الدليل الذي اعتمد عليه في إثبات هذه الحقيقة لأجابنا بقوله إن الدليل على ذلك واضح وصريح ومحكم ليس له أكثر من وجه للتفسير وهو قوله تعالى(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) الفارق الوحيد الذي ظهر من الآية هو أن النبي يختلف عن باقي الناس بأنه يوحى إليه، هذا بالإضافة إلى الفوارق التي ظهرت من خلال روح النبي وقلبه وأخلاقه التي مدحها الله تعالى فهي فوارق عملية وليست فوارق تكوينية، فعلى مستوى التكوين إن جميع الناس متشابهون في أصل خلقتهم، وأما على مستوى العمل والقلب والنفس فهنا يمكن أن يفترق الواحد عن الآخر، وقد أكد القرآن في موضع آخر على كون النبي مثلنا بالتكوين حيث قال تعالى(قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً) وهذا رد على الذين طلبوا من الرسول أن يأتيهم بشيء لا يتلاءم مع وضعه كإنسان مخلوق لا حول له ولا قوة إلا بالله العلي القدير.
أحد الذين نعرفهم ونعرف مستواهم العلمي والنفسي والعقائدي يحدث الناس عن رسول الله بما لم يرد في القرآن ولم يأت عبر رواية صحيحة فاعتمد تلك الآراء لأنه يستذوقها ويرى أن فيه مصلحة للدين مع أن المفسدة منها لا يختلف فيها شخصان، ادعى هذا الفيلسوف العبقري أن رسول الله لم يتكون كما تكون الناس وكأن هذا الفاهم كان مع النبي عندما كان نطفة، وادعى أنه لم يكن طفلاً كما هو حال كل الأطفال حيث يرى هذا العبقري أن كون الرسول طفلاً فيه نقص لشأن الرسول وهذا كلام أوهن من بيت العنكبوت، وادعى أيضاً أن الرسول محمداً تكلم في المهد مستدلاً هذا الذكي بأن محمداً أفضل من عيسى وعيسى تكلم في المهد فلا بد أن يكون محمد قد تكلم في المهد أيضاً، يعني في الواقع نحن نستحي أن نرد على أمثال هؤلاء حيث لا مجال لإقناعهم أو محادثتهم بالعلم والفكر والعقيدة الحقة لأنهم بعيدون عن العلم ومعادون للفهم ويعتقدون بغير الصحيح، ولكنني أقول له لا ينبغي أن يأتي محمد بكل المعجزات التي جاء بها الأنبياء لعدم الحاجة إلى ذلك فإن الله تعالى يعلم المصلحة ويأمر بالشيء طبقاً لتلك المصلحة، فمحمد لم يحول عصاه إلى ثعبان ولم تخرج يده بيضاء للناظرين ولم يُبرئ الأكمه والأبرص، ولم يُخرج من الجبل ناقة، فلو كان وضع النبي محتاجاً لذلك لصنع الله ذلك دون أن يسأله أحد، الله تعالى يصف العلاج المناسب بالطريقة المناسبة، كان وضع العرب بحاجة إلى معجزة القرآن فأنزل الله القرآن الذي هو أكبر من كل المعجزات التي حصلت على أيدي أنبياء الله، ومحمد لم يطلب ذلك من ربه لأنه يعرف أنه ليس بحاجة إلى تلك المعجزات التي لم تقنع من هم أقل قبحاً من عرب شبه الجزيرة فإذا كان اليهود لم يتأثروا بمعجزات موسى وعيسى فبشكل أولى لن تؤثر في عقول سكان الجزيرة المتحجرة والرجعية.
لا ينبغي أن نملي آراءنا على الله تعالى فهو العالم وهو الذي يعرف ما ينفع وما يضر وهو الذي يحدد الوظائف والمسؤوليات.
لقد غالى كثير من الناس برسول الله الذي أعلن براءته من المغالين، فقالوا إنه لم يرتضع وهذا فيه إخراج له عن البشرية بل عن التكوين الذي خضع النبي لأنظمته كباقي الناس، وفي هذا الإدعاء يوجد تكذيب مباشر لشخص رسول الله(ص) الذي كان ينادي حليمة بلفظ أمي ومن ارتضع معهم بلفظ أخوتي وأشقائي وربما كان يصافح أخواته من الرضاعة، وهذا الإدعاء يعني أيضاً أن ما صنعه عبد المطلب كان تمثيلية، وهذا هراء وافتراء على شخص الرسول لأنه قال شيئاً وهم قالوا شيئاً آخر، وقد جعلوا رسول الله في نظر غيرنا إنساناً غير متوازن نفسياً وفكرياً وعقائدياً فنحن نرتكب أفظع أنواع الجرائم في حق أعظم إنسان في هذا الوجود والذي جعله خالقه رحمة للعالمين فلا يليق بنا فضلاً عن رسول الله أن نلصق به تلك الإدعاءات الكاذبة التي لا تعود علينا إلا بالخسارات المتنوعة.
ثم وصلت النوبة إلى أمير المؤمنين علي(ع) الذي غالى فيه المغالون أكثر من غيره من الأنبياء والأوصياء فقالوا فيه ما لا يقبل به شرع وما لا يقر به عقل، وطالما حذرنا رسول الله من ذلك، وقد احتاط النبي كثيراً في بيان كل ما يتعلق بعلي خوفاً على الناس من الكفر، وقد أشار النبي إلى هذه الحالة التي يجب التحرز منها حيث قال لعلي: والذي نفسي بيده لولا أني أُشفق أن يقول طوائف من أمتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم لقلتُ اليومَ فيك مَقالاً لا تمر بملأٍ من الناس إلا أخذوا التراب من تحتِ قدميك للبركة:
وقد تمادى المغالون في الغي فقالوا بأن علياً أفضل من الرسول وأن أهل البيت يعلمون الغيب أي أنهم جعلوهم في مستوى لا يصح إلا للخالق تعالى، وأهل البيت يرفضون هذا المنطق الشيطاني، ولن أطيل الشرح في المقام كيلا نصل إلى وضع مع هؤلاء لا نُحسد عليه ولكنني أنفي هذه المقولة بدليلين لا يمكن لأحد أن يعارضهما أحدهما آية قرآنية وثانيهما قولٌ للصادق(ع) وإذا استطعنا أن ننفي علمهم للغيب إلا ما علّمهم الله تعالى فقد أحبطنا كل مؤامرات المغالين وأقوالهم الباطلة.
قال تعالى في سورة الأعراف(قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)
ونقل صاحب البحار العلامة المجلسي رحمه الله أن أبا بصير قال للإمام الصادق(ع) : إنهم يقولون، قال: وما يقولون؟ قلت: يقولون: يعلم قَطْر المطر وعدد النجوم وورق الشجر ووزنَ ما في البحر وعدد التراب، فرفع الإمام يده إلى السماء وقال: سبحان الله سبحان الله لا والله ما يغلم هذا إلا الله:
وهذا أيها الأخوة من صفات الله التي لم يشاركه فيها أحد من خلقه، وهذا ما وصف الله به نفسه في سورة الأنعام(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)
ولم يسلم الإمام الحسين(ع) من سهام المغالين الذين يعملون على تزوير الحقائق بقصد أو بغير قصد وإن ادعاءاتهم الباطلة أثرت كثيراً على عقول الناس في فهم واقع الثورة المجيدة التي قام بها في كربلاء، وهذا ما استعمله أعداء الحسين سلاحاً في وجوهنا وحججاً علينا حيث لا يمكن أن تكون تلك الخرافات حجة.
الشيخ علي فقيه



