
الدفاع عن تاريخ الثورة
عندما نتصفح التاريخ نجد فيه الكثير من الأحداث والوقائع والحروب والمواقف والخلافات والإتفاقيات والمعاهدات والمصالحات، بعضها يستحق التأمل لأنه مورد فائدة للقارئ، وبعضها الآخر مضيعة للوقت لخلوه من الفائدة وتجرده عن القيمة العلمية أو التاريخية أو الدينية، ومع التأمل البسيط في بعض الأحداث التي شهدها البشر عبر تاريخهم نجد في تدوينها شيئاً من المبالغة التي صوّرها المؤرخ على مزاجه وبحسب فهمه أو بحسب عقيدته أو انتماءاته السياسية والمذهبية فيقدمها للناس على أنها محطة جديرة بالإهتمام ومملوءة بالمنافع بل يقدمها لهم على أنها مدرسة يستفيد منها الأجيال، وهو باتباعه لهذا السلوك وباستعماله لتلك الطريقة عبر هذا المنطلق المتزلزل من الأساس يُحدث خللاً في موازين التأريخ ومعايير التدوين المتفق عليها بين أهل الشرق والغرب.
فلكي يكون المؤرخ مصدر ثقة للآخرين يجب عليه أن يتمتع بحرية الضمير ونظافة القلم وأن يكون حائزاً على شهادة التجرد في تأريخه للوقائع وتدوينه للأحداث، أما إذا أمال الدفة لجهة خاصة من دون أن يكون لهذا الميل وجهٌ شرعي أو جهة منطقية فلا يكون حينئذٍ مؤرخاً موثوقاً بل إنه سوف يتحول بهذا الإنحراف في تصوير الأحداث وسرد الوقائع إلى طرف غير موثوق به، وإلى جهة لا يستفاد منها عند الجميع بل يستفيد منها من كان انحراف هذا المؤرخ منسجماً مع أهوائه وانتماءاته.
وبناءاً عليه فإننا نعتقد أن كثيراً من المؤرخين قديماً وحديثاً قد باعوا ضمائرهم للحكام والسلاطين وتحولوا إلى أدوات تحركها أيدي القيمين عليها كيفما شاءت.
وهذا ما حصل بالفعل لدى بعض المؤرخين الذين دفعهم تعصبهم الأعمى إلى تحريف الوقائع وتزوير الأحداث بغية اكتساب رضا الحكام ونيل الجوائز منهم، ومهما كانت الجوائز كبيرة فإنهم قد باعوا ضمائرهم بأثمان بخْسة لأن الكلمة الحرة لا تُقدّر بثمن والضمير الحر لا يُشترى بالمال والكنوز.
لقد تحوّل أكثر المؤرخين تجاه واقعة كربلاء إلى أعوان للظلم ووسائل إعلام لجهات الشر والجور، وقد ادعى بعضهم بأنه كان خائفاً على نفسه من جور الحاكم فكتب ما يرضي الحاكم ونسي الحَكَم الأكبر الذي إليه يرجع الأمر كله، فخوفه على نفسه أو على جيبه أو على معيشته أو على مكانته بين الناس دفعه إلى قتل الأمم والأخلاق والمبادئ وبيع الضمائر والنفوس فجعل الجزار مظلوماً والمظلوم معتدياً ووضع الشيطان في منزلة الرحمن بتلك الحجج الواهية التي يقدمها.
ففي عهد يزيد بن معاوية ومن أتى بعده من خلفاء الجور كان السلاح الأقوى الإعلام المحرَّف والدعايات الكاذبة والأضاليل الكبرى التي بثها أعوان الظالمين بين أفراد الأمة كيلا يثور الناس عليهم عقب تلك الجريمة التي ارتكبوها في حق الرسالات السماوية بل في حق الإنسانية، ولهذا نجد بأن كثيراً من الناس قد وجّهوا السب والشتم لموكب السبايا نتيجةً لتلك الأكاذيب المختلقة التي خلّفت وراءها الويلات للأمة والتشتت الفكري والعقائدي والتبعاد عن الأخلاق والإنسانية بل عن الدين الحنيف.
وأمام هذا الواقع المرير والسلوك الخطير لا يسعنا سوى أن نكون منتبهين وواعين ومتأملين كيلا تمر على أذهاننا أكذوبة نخسر بها ديننا خصوصاً وأن هذه الأكاذيب تطال العمق من تاريخنا المشرق وديننا الحنيف، فعندما يكذب الإنسان في حادثة تخص الإسلام وتعني كل الأمة معنى ذلك أن الأمر خطير للغاية لا يُسكَت عنه بل لا يجوز السكوت عنه، لأننا إذا جلسنا مكتوفي الأيدي تجاه هذا الطعن بثوابتنا ومعتقداتنا وعظمائنا فهذا يعني أننا تخلينا عن تلك القيم والمبادئ ورضينا بما يفعله هؤلاء المجرمون بحق الإسلام وبحق الأمة بل بحق الإنسان لأن ما قام به قائدنا الحسين(ع) في ساحة كربلاء لم يكن منحصراً في بني هاشم أو آل أبي طالب أو حتى بأهل العراق وإنما كان من أجل الأمة بالدرجة الأولى ومن أجل البشرية بالدرجة الثانية.
فعندما يُكذَب على ديننا وأئمتنا ولا نُبرز الحقيقة ولا نقف في وجه الكاذب معنى ذلك أننا لم نقتد بالحسين الذي ثار من أجل أن يُظهر الحقيقة للجميع ويضع النقاط على الحروف ويزلزل صورة الحكام الظالمين في نظر الناس ويكشف تلك الأقنعة المزيفة عن وجوه الذي استعملوا الإسلام مطية لأغراضٍ شخصية لا يعود نفعها إلا إلى الأشخاص، ومن هنا يظهر الفرق بين نوايا الطرفين في العاشر من المحرم فنوايا الطرف اليزيدي كانت محدودة بأطر شخصية ومنحصرة في مصالح الحكام المتغطرسين، أما نوايا الطرف الحسيني فلقد كانت نزيهة ونظيفة لأن الحسين ومن كان معه قاتلوا من أجل المصلحة العامة للأمة بما هي أمة مسلمة.
وهذا ما يؤكد لنا أحد أبرز الأهداف الحسينية وهي إصلاح ما فسد من أمور الدين الذي كان الهم الأكبر لدى الإمام الحسين(ع) وما يزيدنا يقيناً وتأكيداً هو أن الحسين قاتل وهو يعلم بأنه مقتول من دون شك، وعندما نعلم بأن الإنسان يريد أن يضحي بنفسه ندرك صدقه ونزاهته وندرك أيضاً عظمة الأمر الذي بذل روحه من أجله، وما كان أثمن من روح الحسين في نظره هو الإسلام والمسلمون.
ولذا كان الدفاع عن تاريخ هذا القائد وأحداث ثورته المباركة مسؤولية شرعية في عنق كل مسلم، وكل مسلم يقف موقف المتفرج أو كل مسلم يُضمر ذرة من البغض لإنسان كان سبباً في بقاء الإسلام فهو عند الله ليس من المسلمين فكيف تدعي أنك مسلم وأنت تعادي رمز الإسلام وسبب بقائه…
إن الحفاظ على عاشوراء ليس منحصراً في طائفة واحدة بل هو واجب كل إنسان لأن الجميع من دون استثناء استفادوا من عاشوراء.
الشيخ علي فقيه



