مَفَاهِيْمُ الْصيَامِ

مَفَاهيمُ الصِيَام

وُجُوبُ القَضَاءِ عَلَى المَرِيضِ وَالمُسَافِرِ

 

 

وُجُوبُ القَضَاءِ عَلَى المَرِيضِ وَالمُسَافِرِ

 

الفقرة الرابعة: وهي قوله تعالى(فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)

وفي هذه الفقرة تتجلى لنا روعة التعابير القرآنية التي أدهشت أهل الفصاحة والبلاغة، حيث وردت بهذا الأسلوب الخاص من البيان الذي لا خلل فيه، ولا شَوبَ يَعتريه، وهذا الأسلوب الخاص في التعبير عن الوقائع والأحداث كان له الدور الأبرز في إثبات كون القرآن معجزة من الخالق القدير جل شأنه وعز إسمه.

إن القرآن الكريم معجزة كبرى لا يمكن أن يدخلها الباطل من أي جهة ومكان وعبر أي أسلوب مهما كان فعالاً، فهو معجزة لا تُعارَض ولا تُواجَه، ولا يمكن لأي إنسان أن ينكرها أو ينقض شيئاً منها مهما تبحّر في علم الفصاحة والبلاغة والبيان، وإن أكبر شاهد على ثبوت هذه الحقيقة عجز فصحاء العرب عن مواجهتها وهم أهل اللغة العربية الفصيحة وهم المشهورون بعلم المعاني والبيان والشعر.

نعود إلى قوله تعالى(فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) فنلاحظ بأن القرآن لم يعبّر عن هذا الحكم بطريقة ركيكة قابلة للنقض أو الإنتقاص، فلم يقل فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعليه أن يقضي ما فاته في هاتين الحالتين، فإنه إذا أورد هذا الحكم بهذه الكيفية من التعبير فقد ذهبت منه الروعة القرآنية الخاصة والأسلوب الإعجازي المميز.

ولأجل ذلك عبّر القرآن عن هذا الحكم بطريقة إعجازية جذابة موجزة تدل على صدور الأمر من العالي إلى الداني حيث قال(فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)

ثم تتجلى لنا الروعة القرآنية مرة أخرى ومن جهة ثانية وهي التعبير بوجوب القضاء عن وجوب الإفطار في المرض والسفر، وبمعنى آخر لقد ضربت هذه الآية عصفورين بحجر واحد.

وبمعنى أوضح، فقد أشار قوله تعالى(فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) إلى حكمين:

الحكم الأول: وهو وجوب الإفطار على المريض والمسافر، لأن نفس صدور الأمر بالقضاء يدل على كون الصوم في تلك الحالتين غير واجب.

الحكم الثاني: وهو المنطوق في الآية، وهو وجوب القضاء، ولو أردنا أن نتوسع في هذا البحث أكثر لظهر لنا أن للآية الكريمة منطوقاً ومفهوماً، أما المنطوق وهو ما عبّر عنه ظاهر الآية، وأما المفهوم فهو ما فهمناه من دون كلام وهو وجوب الإفطار.

لقد اتكل القرآن الكريم في مسألة التوضيح على صاحب الرسالة(ص) وعلى فهم العقول حينما سكت عن بيان وجوب الإفطار، حيث لا قضاء إلا إذا لم يكن هناك صوم، وقد حكانا القرآن عن هذا الحكم بطريق ليّن وبعيد عن لسان التهديد والوعيد.

وفي هذه المسألة حكمان: حكم أولي وحكم ثانوي:

أما الحكم الأولي الذي دلت عليه الآية الكريمة فهو وجوب القضاء على المريض والمسافر، أما المسافر فيبقى مشمولاً بالحكم الأولي وهو وجوب القضاء في جميع الأحوال.

وأما الحكم الثانوي فيختص بالمريض الذي يجب عليه القضاء إذا شفي من مرضه أثناء السنة أي ما بين رمضان ورمضان، ولكن إذا استمر به المرض إلى قابل فيسقط عنه وجوب الصيام وإن برئ في السنة الثانية من المرض المانع.

وهذا تخفيف من الله تعالى على هذا العبد الضعيف فإن الله عز وجل يريد بنا اليسر، وهذا ضرب من ضروب الرحمة الإلهية بعباده المفتقرين إلى رحمته في الدنيا والآخرة.

والقضاء دين في ذمة الإنسان فلا يجوز له الإستهتار بهذا الحق الرباني، ولا عذر له في عدم القضاء إلا إذا كانت ظروفه الجسدية الصحية مانعة له من القضاء، أما في الحالات العادية فلا عذر له من عدم القضاء ولا يسقط هذا الحق من ذمته ولو مرّ عليه عشرات السنين.

إن الله سبحانه وتعالى غني عن طاعاتنا فلا تضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه، غير أننا أمام حقوق الله نشعر بالإطمئنان لأنه رحيم بنا فهو يتساهل معنا إذا وقعنا في القصور على عكس حقوق الناس التي قد لا يسامحونا بها وإن كنا قاصرين بالفعل.

ألله عز وجل رحيم وغفور وعفو وقد سبقت رحمته غضبه ووسعت كل شيء، ولكن هذه الرحمة الواسعة لا ينبغي أن تستدرجنا نحو التقصير بل لا بد من اتخاذها دافعاً لنا نحو الإكثار من الطاعة والعمل الصالح فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.

وينبغي أن تدفع بنا هذه الرحمة إلى الإجتهاد في تأدية هذا الحق حتى إذا ما أدركنا الموت فنكون بريئي الذمة من كل سؤال وتبعة.

قد لا يسألنا الله عن حقه إذا كنا مؤمنين به مخلصين له، ولكن من الذي يضمن لنا عدم المسؤولية عنده تجاه حقوقه علينا والتي ضيعناها، فبما أننا نخشى الله ونرجوا ثوابه ونخاف عقابه فلا بد لنا من المحافظة على حقوقه وتبرئة ذمتنا منها قبل يوم الحساب.

إن لله حق الطاعة على جميع العباد، وحق الطاعة يستلزم منا الإلتزام التام بجميع التكاليف الموجهة إلينا، فيجب علينا أن نلتزم بكل واجب فلا ندع منه شيئاً على الإطلاق كبيراً كان أو صغيراً، كما يجب علينا النظر في النواهي فلا يجوز لنا أن نرتكب المخالفات الشرعية وإن كان البعض يحسبها صغيرة.

بهذه الكيفية من الإلتزام تتحق الطاعة المطلوبة ويكتمل الإيمان المفروض.

ولو طبقنا هذه القاعدة على فريضة الصوم ظهر لنا وجوب القضاء فيما فاتنا عمداً أو جهلاً أو بعذر شرعي.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى