الفكر الكربلائي

الإلتزام بمنهج أهل البيت(ع)

مُحَاضَرَاتٌ مِنْ وَحْيِ عَاشُوْرَاء

 

الإلتزام بمنهج أهل البيت(ع)

 

لقد من الله على البشرية ببعث الأنبياء الذين بلغّوا الرسالات السماوية وأرشدوا الناس إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا وفلاحهم في الآخرة، وبينوا لهم موازين كل شيء وقوانين كل أمر.

وقد لعب كل نبي دوره في هذه الحياة، وأدى ما حمّله ربه إلى العباد على أكمل وجه حتى شمل التبليغ كل بقعة من الأرض، ودخلت الرسالات كل مجتمع فيها بحيث لم يحرم واحد من تلك النعمة الإلهية ولم يُعف منهم أحد من تلك المسؤولية.

وتوالى بعث الرسل إلى الأمم والشعوب حتى تجاوز عددهم المئة ألف، وذلك منذ أن بعث الله آدم وحتى عهد النبي الأعظم محمد(ص) الذي ختم الله به تلك المرحلة وجعل شريعته خاتمة الشرائع السماوية.

لقد شهدت الأرض في آن واحد آلاف الأنبياء حيث تولى كل نبي منهم مهمة التبليغ في منطقة أو قرية في حين أن غيره من الأنبياء في نفس الوقت كان يتولى مهمة التبليغ في المناطق الأخرى.

ففي الوقت الذي بعث فيه موسى(ع) كان هناك الكثير من الأنبياء يمارسون مهامهم في مناطق مختلفة كنبي الله شعيب الذي تزوج موسى إحدى بناته.

وقد حصر التاريخ أسماء كثيرين منهم ولا حاجة الآن إلى ذكر تلك التواريخ لأنها ليست موضع كلامنا.

واستمر الوضع على تلك الحالة حتى انتهاء دور عيسى(ع) الذي رفعه الله إليه عندما حاول اليهود قتله، وفرغت الأرض من الأنبياء مدة طويلة وهي المدة الفاصلة بين عهد عيسى وعهد النبي الأعظم(ص).

وقد كان لفراغ الأرض من الأنبياء في تلك المدة الطويلة التي تجاوزت الخمسمئة سنة دور فعّال في دخول الإسلام إلى العقول والقلوب.

وقد بعث النبي الأكرم في زمن كانت توجهات الناس فيه مختلفة:

منهم من استغل غياب الأنبياء عن الساحة فراح يستغل جهل الناس وضعفهم فأسس لهم ديانات لا واقع لها ولا أساس ليتسلط عليهم من خلال زرع الأوهام بداخلهم، وقد عرف الجميع تلك النوايا والأهداف التي كان يسعى أولئك المغرضون إلى تحقيقها.

ومنهم من كان ينتظر الفرج الإلهي بفارغ الصبر ويدعو ربه بالخلاص من الظلم والإستعباد والقرارات الظالمة والقوانين الجائرة التي كانت تُفرض عليهم من قبل الحكام الظالمين أمثال قادة قريش الذين أفسدوا البلاد وظلموا العباد.

في تلك المرحلة تهيأت النفوس لاستقبال المخلص، ولم ينحصر هذا الشعور في المظلوم فقط وإنما شمل الظالم أيضاً، فإن الشعور الذي راود قلب المظلوم قد راود قلوب الظالمين الذين حاولوا أن يؤسسوا لأنفسهم قاعدة كبرى على الأرض ليواجهوا بها النبي الموعود.

ويدلنا على ذلك محاولات الإغتيال التي تعرض لها النبي(ص) في صغره، وخصوصاً من قبل اليهود الذين كانوا على علم بظهور نبي من العرب يرسله الله تعالى لإفشاء الرحمة والسلام بين الناس، وذلك من خلال ما قرؤوه في كتبهم.

وقد تهيأت لرسالة السماء أجواء مناسبة أعطت القوة والدفع لرسالة الإسلام في عملية الإنتشار والتوسع.

ظهر هذا الدين الحنيف في مجتمع ظالم للبشر وحاقد على الأديان لأنها تتعارض مع مصالحهم الخاصة وتضع حداً لتجاوزاتهم وممارساتهم الخاطئة، فهم لا يرضون بهذا الوضع لأنه يعني نهاية ظلمهم وترفهم على الناس واستعبادهم للخلق.

ولم تكن مواجهتهم للإسلام نابعة من جهلهم، بل كان مصدرها علمهم بصدق ما جاء به النبي(ص) فهم عرفوا الحق قبل غيرهم من ضعاف الناس، ولأجل ذلك عرضوا على النبي مالاً وجاهاً وسلطة وزعامة، فلو أنهم ملكوا دليلاً واحداً ضد النبي لاستعملوه بدل تلك العروض المغرية.

لقد ولد الإسلام في تلك البقعة من الجزيرة العربية وأخذ يمتد في القرى والمجتمعات شيئاً فشيئاً حتى اقتحم العالم بأسره ووصل إلى كل بلد ومدينة وبيت فعلم الجميع بظهور هذا النبي الذي بعثه الله تعالى رحمة للعالمين.

وقد لمس الجميع تلك النعمة عندما أنقذهم من الظلم والعادات السيئة والتقاليد القبيحة والأنظمة الجائرة التي كانت تحكمهم وتسيطر عليهم، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه النقطة حيث قال(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)

ورغم كل ما قدمه النبي(ص) للبشر وخصوصاً لمن أنعم الله عليهم بنعمة الإسلام لم يُعمَل بوصاياه ولم يُحفَظ في عترته التي خلّفها فيهم.

لقد دعا رسول الله كل المسلمين إلى التمسك بأهل بيته لأنهم القدوة بعده والأئمة للناس في هذه الحياة وهم الذين فهموا القرآن كما يجب والتزموا بما فيه حتى كانوا القرآن الناطق للبشر.

قال(ص)”إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبدا”

نفهم من هذا الحديث الصحيح أن الإسلام لا يدرك إلا من خلال تلك العصبة الكريمة التي عصمها الله عن الخطأ وطهرها من الذنوب ونزهها عن العيوب، وأن عمل المسلم لا يكون صحيحاً إلا عن طريقهم الذي هو طريق القرآن.

إن النبي(ص) لا ينطق عن النفس والهوى والعاطفة حيث لا يخضع بفعل العصمة إلى تلك المؤثرات التكوينية التي إذا خضع لها الفرد منا أخرجته عن الحق والصواب في أكثر الأحيان.

وقد أشار الله تعالى إلى هذه النقطة بالذات حيث قال(وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحي يوحى)

وقد رد الله تعالى على الذين اتهموا النبي بخضوعه للعاطفة فأشار إلى أنّ كل فعل أو قول يصدر عن النبي إنما يصدر عنه بوحي من الله تبارك وتعالى.

إن الذين اتهموا النبي بذلك لم يتهموه إلا بعد أن عيّن علي ابن أبي طالب خليفة على المسلمين، ولم يتفوهوا بشيء من ذلك قبلاً لأنهم صبروا حتى يحصلوا على منصب من النبي لظنهم بأن الأمر بيده من دون الله تعالى.

وعندما علموا بأنهم بعيدون عن ساحة الخلافة راحوا يخترعون الأقاويل الباطلة ويختلقون الأكاذيب في حق النبي الذي لم يقم إلا بما أمره الله به.

إن الله سبحانه هو الذي يهيء الأشخاص ويؤهلهم بالعصمة لتولي منصب الخلافة بعد النبي(ص) وقد اختار الله علياً لهذه المهمة حيث اجتمعت فيه مؤهلات الخلافة، وأهمها (العصمة ) حيث لا يحسن أن يقوم بمهمة النبي شخص عادي قابل للخطأ والنسيان والوقوع في الباطل.

ومن أجل ذلك كان لا بد من التمسك بولاية أهل البيت(ع) لأنهم حازوا على جميع الصفات المطلوبة التي تؤهلهم لتولي شؤون الخلافة.

ونحن عندما ندعو إلى التمسك بولايتهم فإننا لا ندعو إلى أشخاص بل إلى ما يمثله هؤلاء الكرام في ساحة الدين والعلم والعقيدة.

إننا ندعو إلى التمسك بمنهج أهل البيت لأن النبي(ص) عندما اختارهم للخلافة اختارهم مناهج للبشر، ولا علاقة لقرابته منهم في هذا الإختيار، ثم إن الله تعالى هو الذي أمره بذلك حيث لم تشهد البشرية أشخاصاً مثل أهل بيت النبي عليهم السلام في الكمال والثبات على الحق.

وقد كان لا بد من اختيار تلك العصبة التي حفظت الدين وأهله عبر قرون من الزمن ووضعت لهم مناهج الحياة على جميع الأصعدة والمستويات.

ويمكن القول بأنهم ذابوا في حب الله والإخلاص للإسلام والمسلمين، ولولا همتهم العالية لما وصل إلينا شيء من الإسلام بل لما وصل إلينا سورة صحيحة من القرآن.

وبدل أن يتبعهم الناس ويرجعون إليهم في شؤون الدين ويقتدون بهم في هذه الحياة راحوا يوجهون لهم التهم الكاذبة حتى حرضوا الناس عليهم وآذوهم بكل وسيلة ممكنة وشوهوا صورهم لدى كثير من البشر واستطاعوا أن يلفوا حولهم أعداداً هائلة من البغاة من أجل القضاء على الدين الحق المتمثل بالنبي وآله(ص).

لذلك لم يمت واحد من الأئمة ميتة طبيعية فلم يكن منهم إلا مقتول بالسيف أو بالسم.

وأكبر شاهد على ما نقوله هنا هو ما صنعه المسلمون المزيفون بالإمام الحسين(ع) في كربلاء وقبل كربلاء بزمن طويل.

إن ما حصل للحسين في تلك البقعة لم يكن نتيجة خطأ أو صدفة كما ادعى بعض الجاهلين بحقيقة الأمر لأننا لو رجعنا قليلاً إلى الوراء لأدركنا أن ما حصل في كربلاء كان مخططاً له من سنوات، ولكن شاءت الحكمة الإلهية وحنكة الأئمة أن تؤجل تلك الثورة إلى عهد الإمام الحسين(ع).

اقرؤوا خصوصيات كربلاء  عند ولادة الحسين وما دار بين النبي وابنته فاطمة في شأن شهادته وتآمر القوم عليه في زمن خال من النبي وفاطمة وعلي والحسن.

وارجعوا بالذاكرة إلى دعوة النبي(ص) إلى نصرة الحسين لمن يدركه في تلك البقعة التي انتصر فيها الإسلام انتصاراً مبيناً.

وارجعوا إلى صلح الحسن وتأملوا قليلاً في مضمونه فستعلمون أن الحسن كان يمهد الطريق أمام أخيه الحسين لمواجهة الظلم وأهله.

وارجعوا إلى عهد الإمام الحسين وخصوصاً قبيل استشهاده بأشهر أي عندما عزم على الهجرة من المدينة ما الذي دفع به إلى الهجرة، وما الذي جعله يقول لأقاربه:شاء الله أن يراني قتيلاً:

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى