الفكر الكربلائي

منطلق الثورة الحسينية(الإسلام)

مُحَاضَرَاتٌ مِنْ وَحْيِ عَاشُوْرَاء

 

منطلق الثورة الحسينية(الإسلام)

 

إذا أراد الإنسان أن يقوم بأمر معين لا بد له من تعيين أهدافه وتحديد خططه والمنطلق الذي يجب الإنطلاق منه نحو هذا الأمر أو ذاك.

وقد عين الإمام الحسين أهدافه في ثورة كربلاء، وحدد المنطلق الأساس الذي تدور حوله جميع أحداث الثورة من بدايتها وإلى ما شاء الله.

إن المحور الأساسي الذي انطلق منه الحسين وعمل لأجله هو الإسلام الذي يجب اتباعه والحفاظ عليه بكل وسيلة ممكنة لأنه الرسالة التي أحيت الظمائر الميتة والنفوس الدنية فحولتها إلى أنفس زكية وأنقذت البشرية من الهاوية والعادات السيئة والأخلاق الرذيلة فلا يمكن لمثل الحسين أن يسكت عن الجرائم التي كانت ترتكب ضد الإسلام والمسلمين باسم الإسلام والمسلمين.

لا يمكن لأي صاحب دين وضمير حي أن يقف مكتوف الأيدي أو يتخذ موقف المتفرج أمام الخردقات التي افتعلها الحكام الظلمة ضد هذا الدين الحنيف الذي لولاه لما كان لوجودنا أي معنى.

لقد مس الحكام العرب دين الإسلام من جوانب عديدة فغيروا بعض الأحكام التي لا تنسجم مع أهوائهم ولا تتفق مع رغباتهم وعملوا على خلاف ما ورد في هذه الشريعة وهم ينتمون ظاهراً إليها.

إن هذه الممارسات وما أشبهها تدفع بصاحب الضمير إلى القيام بثورة تصحيحية تضمن بقاء الدين على حالته التي وجد عليها.

وقد اعتدنا عبر سنوات طويلة أن نحدث الناس عن وقائع ثورة كربلاء وأحداثها التي باتت معلومة للقاصي والداني وللمسلم وغير المسلم وبينا للناس كل التفاصيل المتعلقة بتلك الثورة المباركة ولكن هذا لا يكفي لمواجهة الأفكار التي نمت على الخطأ والتعصب الأعمى فهم لا يأخذون بهذه التفاصيل إلا ما ثبت منها بالأدلة العقلية والعلمية.

ونحن نملك الأدلة القاطعة على كل ما ورد في شأن الثورة الحسينية لأننا درسنا كل جوانب الثورة ومفاهيمها وتفاصيلها وأهدافها ونتائجها فأصبح لدينا سلاح يعتبر الأقوى في عالم الفكر الإسلامي لأننا تعلمنا من مدرسة الفكر وغرفنا من ينابيع العلم الصحيح التي غرف منها المحب والمبغض على حد سواء.

ونحن نتحدى كل من يدعي وجود مفكر تفوق بفكره على فكر محمد وآل محمد.

لقد اكتفى المسلمون في الماضي بمعرفة أحداث الثورة الحسينية ونتائجها لأنهم لم يكونوا بحاجة إلى أكثر من ذلك، أما اليوم فإننا كمسلمين حسينيين نواجَه بأفكار غريبة ومعتقدات فاسدة اعتنقها ملايين البشر في مختلف المجتمعات الشرقية والغربية وهي في الواقع من صنع الغرب الذي علم بحجم الخطر الذي يهدده فيما لو فهم المسلم فكر الإسلام وطبق المسلمون تعاليم إسلامهم على أنفسهم.

كان المسلم قبل خمسين سنة يسأل عن حكم المسألة فقط هل هي حلال أو حرام إلى أن انخرط في عالم المادة فأصبح يسأل عن العلة وهو يريد بذلك أن يعترض على ربه فيما فرض عليه من الأحكام.

يحاول بعض حملة الأفكار الغربية أن يجرؤوا الناس على دينهم وربهم ليفصلوا بذلك بين الرب والعباد.

فلو فكرنا قليلاً في أهداف هؤلاء لوجدناها أهدافاً قبيحة للغاية.

ماذا يريدون من عبد آمن بربه وعبده وأخلص له؟

وما يضرهم لو لجأ العباد إلى الخالق في جميع أمورهم؟

ما هي حقيقة المهمة التي يريد هؤلاء أن ينفذوها في المجتمعات الإسلامية؟

نحن نقول إن الأمر لا يتعلق بمسألة العقيدة فقط بل إن هناك أهدافاً سياسية هي التي دفعتهم إلى ارتكاب تلك الجرائم البشعة في حق الناس ومعتقداتهم.

ونسأل سؤالاً آخر: لماذا لا يتعرض هؤلاء لأصحاب المعتقدات الفاسدة الذين قام اعتقادهم على الوهم؟ لماذا لم يستهدفوا سوى دين الحق؟

الجواب هو أن المستهدف هو الحق وأهله لأنه يشكل خطراً كبيراً عليهم فلا يمكن لهم أن يحكموا العالم بأمزجتهم مع وجود مسلمين شكل عددهم ربع عدد البشر على الأرض وما زال العدد يرتفع يوماً بعد يوم بفضل المخلصين لربهم الذين يعملون على بيان حقيقة الإسلام الذي أسسه النبي وحافظ عليه الحسين بثورته في كربلاء.

منذ زمن بعيد وأعداء الإسلام يخططون لقتل الإسلام ويعرقلون مسيرة هذا الدين الحنيف الذي كان المنطلق للنبي وآله ولجميع الشرفاء والمجاهدين.

هل فكرنا يوماً بالأحداث التي جرت في زماننا والتي خطط لها أعداء الإسلام عبر عقود من الزمن؟

هل فكرنا لماذا نفي الإمام الخميني من إيران؟

هل فكرنا لماذا زرغ الغرب تلك الفتنة الكبرى بين إيران والعراق والتي ذهب ضحيتها الملايين بين قتيل وجريح ومنكوب؟

هل سألنا أنفسنا يوماً لماذا قتل السيد محمد باقر الصدر؟ وغيره من المراجع والمفكرين من آل الصدر وآل الحكيم وغيرهم من العوائل الكريمة.

هل فكرنا في الهدف الأساسي من تغييب الإمام القائد السيد موسى الصدر؟

هل فكرنا لماذا استهدف النجف الأشرف حتى لم يبق عالم إلا واعتقل أو قتل أو نفي؟

إن لهذه التساؤلات تفسيراً واحداً وهو أن أعداء الدين لا يريدون للإسلام أن يرتفع شأنه على الأرض لأنه لو تمكن المسلمون من السيطرة على الأرض لملؤوها قسطاً وعدلاً وهذا لا يتناسب مع أوضاع الحكام الذين علت عروشهم على ظلم الناس ودماء الأبرياء.

لقد استهدف أعداء الإسلام في الماضي والحاضر كل من يرون أنه يؤثر سلباً عليهم. وكل من يزرع الفهم والعلم والجرأة في قلوب الناس كالإمام المغيب السيد موسى الصدر الذي أراد أن يوحد المسلمين والعرب في أقطار العالم فكانت النتيجة أنهم غيبوه على أيدي أعوانهم من زعماء العرب.

أما المسلمون الذين لا يشكلون أدنى خطر على مناصب الحكام فإنهم غير مستهدفين.

والشواهد على هذا الأمر كثيرة، منها ما حصل في أوائل القرن العشرين عندما سمع أحد الحكام البريطانيين الأذان من أحد المساجد فسأل عن الأمر فقيل له هذا علامة للمسلمين حتى يتجمعوا في المسجد ويصلوا، فقال لهم وهل تؤثر صلاتهم على أوضاعنا فقيل له لا فقال دعوهم يصلون متى شاؤوا.

إن لهذا الأمر علاقة مباشرة في التآمر على الحسين وقتله وإلا لو لم يؤثر الحسين على مصالح الحكام لما أجمعوا على قتله.

كان حكام بني أمية يرغبون في السيطرة الكاملة والحكم الشامل دون أن يكون هناك معارض لهم في شيء، ولم يلقوا معارضة سوى من الحسين الذي فهم اللعبة من أولها إلى آخرها وعرف حجم الخطر الذي يشكله الأمويون على الرسالة الإسلامية حيث أنهم جيروا الأحكام لمصالحم ولعبوا في المسائل الدينية بما يناسب أوضاعهم، وإن أخطر خطر هدد المسلمين آنذاك هو مسألة الخلافة التي اغتصبها يزيد لنفسه، فإذا كانت واجهة المسلمين يزيد ابن معاوية فعلى الإسلام السلام.

ويمكن لنا القول بأن الصراع بين الحسين ويزيد تمحور في الإسلام فالحسين أراد الإسلام الدين، ويزيد أراد الإسلام الحكم، فلو لم يكن ليزيد مصالح خاصة من الإنتساب إلى هذا الدين الحنيف لما انتسب إليه من الأساس إذ كيف ينتمي إلى شيء يوجد بينه وبينه تنافر وتناحر وعداوة لا حدود لها.

ولو لم يطمع يزيد بالحصول على الزعامة من خلال الإنتماء الظاهري لهذا الدين لأعلن براءته منه.

لا شرف للإسلام في انتماء يزيد إليه، ولا مصلحة للمسلمين في تنصيب هذا الشخص خليفة بل وجوده في الحكم مصيبة كبرى ووباء وداء خطير لا دواء له سوى الموت .

نفهم من ذلك أن للحسين منطلقاً دفعه إلى تفجير ثورة ضد الحكم الظالم، وليزيد ابن معاوية منطلقاً مغايراً لمنطلق الحسين.

فالحسين انطلق من حبه للإسلام، وانطلق يزيد من كرهه للإسلام والمسلمين.

لقد قام الحسين بالثورة من أجل الإسلام وليس من أجل الحكم كما ادعى بعض المعادين لمذهب أهل البيت لأنه لو أراد الحصول على الحكم لوصل إليه عن طريق السياسة والحوار وقد عرض عليه ذلك فرفضه لأن الهدف الذي حمله كان أعظم من تلك العروضات.

إن الهدف الأبرز من خوض تلك المعركة هو الحفاظ على الإسلام الذي شوه يزيد سمعته ولعب بأحكامه حسب ما فرض عليه مزاجه المحكوم لأثر الخمور.

لقد عمل النبي ربع قرن من أجل تفهيم الناس معنى الإسلام وبيّن لهم السبب في تثبيت هذا الدين الذي كان المنقذ للبشرية من العادات السيئة والممارسات الظالمة والعقائد الفاسدة والعادات القبيحة والتقاليد التي نبذها الإسلام

لقد استهدف الحسين قبل الثورة وبعدها.

استهدف لأنه كان مصدر الخير والرحمة والفكر السليم والظرف الذي حوى تعاليم الإسلام والقرآن، كما استهدف قبله جده وأبوه وأخوه وأمه الصدّيقة.

أيها الأخوة..

لم يستهدف الحسين الشخص بل الحسين النهج

استهدف في حياته حتى قتلوه واستهدف بعد موته بتشويه سمعته ومنعوا الناس من زيارة قبره لأنه يمثل الإسلام فالمستهدف الأول والأخير هو الإسلام وليس الأشخاص لأنه لو لم يمثل النبي نهجاً قويماً لما استهدفه الناس، وكذلك علي وكذلك الحسن والحسين وكذلك كل الأئمة والشرفاء.

وها نحن اليوم نستهدف كما استهدف أئمتنا.. نستهدف لأننا نشكل على أعداء اليوم ما شكّله الحسين على الأعداء في عهده، ولأجل ذلك ينبغي أن نستمر ونضحي ونسهر ونعمل بكل إخلاص على حفظ آثار الثورة الحسينية لأنها عزنا وشرفنا وكرامتنا في الدنيا والآخرة.

ولولا عاشوراء لم يكن للإسلام وجود ولا للحق أثر، لولا عاشوراء لكنا ممن يعيشون من أجل أن يأكلوا ويشربوا فقط.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى