الفكر الكربلائي

البكاء على مصيبة الحسين(ع)

مُحَاضَرَاتٌ مِنْ وَحْيِ عَاشُوْرَاء

 

البكاء على مصيبة الحسين(ع)

 

لقد تميز المؤمنون الحسينيون بصفات إنسانية راقية مستمدة من أرقى الناس شأناً وأرفعهم منزلة وأشدهم إيماناً وأزكاهم عملاً وأحسنهم منطقاً وأجملهم سلوكاً  وهم محمد وآله(ص)

فقد تميز الموالون لهم  بالمشاعر الراقية والأحاسيس الشفافة وسخاء الدمعة عند ذكر الله وأهل الحق وتميزوا بقلوبهم الرقيقة التي تخشع أمام أي حدث محزن.

وفي مقابل هذه الصفات فإن المؤمنين بالحسين يمتلكون صبر رسول الله وجرأة علي وبسالة الحسن وشجاعة الحسين ووفاء الأصحاب ونفسية الأنصار ولأجل ذلك كان النصر حليفهم والدين شعارهم والحسين قائدهم وكربلاء منطلقهم.

البكاء شعور تكويني خلقه الله مع الإنسان من البداية وهو من جملة المشاعر الإعجازية الكبرى التي إن دلت على أمر فإنما تدل على عظمة الخالق ودقة الإتقان في صنع الإنسان.

وليس الخلل في أن يبكي الإنسان وإنما الخلل في قساوة القلب وجمود العين وعدم التأثر بالفاجعة والنازلة والمصيبة.

وهذه الأيام العظيمة هي الأيام الأليمة المقرونة بالحزن والمأساة المتوجة بالدموع والعبرات لأنها تحكي لنا فاجعة حقيقية حدثت على أرض الطف في مثل هذه الأيام وكان من شأنها أن تخرج من العيون  بدل الدموع دماً.

تلك الحادثة التي أبكت ملائكة السماء وأدمت قلوب الأنبياء الذين أطلعهم الله على تفاصيلها كنوح الذي بكى هذا المصاب قبل حدوثه بآلاف السنين، فليس من الخلل التكويني والإنحراف الإنساني أن نبكي على تلك الحادثة بعد وقوعها.

ولا أريد أن تفهموا المقصد من وجه واحد لأننا لا ندعوا إلى الحزن والبكاء مع إهمال النقاط الأساسية في تلك الثورة المباركة.

إننا نريد بهذا الكلام أن نحافظ على وقائع كربلاء وأهدافها وجميع خصوصياتها بما فيها البكاء الخاص، وأقيد البكاء بلفظ الخاص لأن البكاء على الحسين يختلف بمعانيه وأبعاده عن كل أنواع البكاء.

ولأول مرة أركز على موضوع البكاء بهذا الشكل من أجل أن أدافع عن هذا الأثر الكبير الذي كان له دور بارز في استمرار الفكر الحسيني والنهج الكربلائي.

ولا شك بأن البكاء على الحسين هو من المعتقدات الثابتة التي لا يمكن أن نتخلى عنها أبداً لأنها النافذة الأولى التي عبرنا من خلالها إلى كل المجتمعات لأنها كانت الباب الأوسع الذي أدخلنا منه الفكر الحسيني إلى قلوب الناس وعقولهم.

البكاء ليس المعتقد الأوحد في سيرة كربلاء وتاريخ عاشوراء وإنما هو واحد من بين عشرات المعتقدات حول النهج الحسيني العظيم.

لقد لعب البكاء دوراً مهماً في تثبيت العقديدة الحسينية واستمرار هذا النهج الكبير لأنها نقطة تتصل بأعماق المشاهر الإنسانية التي لا يمكن أن تزول آثارها من الروح مدى الحياة.

فإذا تخلى الإنسان عن هذا الإحساس فقد تخلى عن جزء كبير من مشاعره الإنسانية والإنسان من دون رأفة ورحمة وعطف لا قيمة له في الموازين التكوينية التي هي الركيزة المتينة للروح البشرية.

الحسين عزيز على كل مؤمن ومؤمنة، الحسين عظيم العظماء وقائد الأتقياء وسيد الشهداء، وليس من المهم أن نبكي عليه بقدر ما يهمنا هو أن نسلك الطريق التي شقها بدمه الزكي وثورته المباركة فإن البكاء المجرد عن العمل والعقيدة لا ينفع صاحبه بشيئ.

إذا أردتم أن يحمل بكاؤكم على الحسين أجراً وثواباً، وإذا أردتم أن يكون هذا البكاء نافعاً ومثمراً وجب عليكم أن تجعلوا له معنى سامياً وإن أعظم معنى يمكن أن يحمله البكاء على الحسين هو رفض الظلم الذي حل به والذي يمكن أن يحل بمؤمن عبر الزمن.

إن كثيراً من الناس ينظرون إلى عاشوراء من منظار أجنبي عن معتقداتنا، إنهم ينظرون إلى عاشوراء من زاوية ضيقة، من زاوية الحزن فقط، ونحن بدورنا يجب علينا أن نعالج تلك النظرة ونوضح الصورة الحقيقية لنجعل العالم كله ينظر إلى عاشوراء من بابها الواسع الذي يكشف لهم عن أبعادها ومعانيها وأسبابها لينظروا إليها كما نظر إليها صاحبها من زاوية الفكر والمعنى والأثر والنتيجة.

وهناك موضوع آخر ينبغي أن أطرحه في هذا المجال، وهو يتمحور حول قوله تعالى:

(وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ  سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ  وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)

شهد التاريخ حروباً ضارية ومعارك دامية ومناورات كثيرة وفجّر الرجال آلاف الثورات التي لا يحصى لها عدد، ومرّ على البشرية قادة وملوك وحكام ورؤساء وزعماء ووزراء عجز المؤرخون عن إحصاء أحوالهم وتدوين أحداثهم، منهم من كان على خير وكثير منهم كانوا عناوين الشر ورموز الظلم.

ورغم كثرة الحروب والمعارك وزيادة عدد الثورات التي شارك فيها ملايين الناس لم يحققوا منها جميع أهدافهم ولم يصلوا إلى تحقيق مرادهم بسبب الظروف النفسية والأوضاع المادية التي أحاطت بثوراتهم من حيث نوعية الأهداف وحجمها ومدى طلب الناس لها أو من حيث التوقيت الزمني وشخصية القائد.

أما ثورة كربلاء فلقد أدت المطلوب منها وحققت الأهداف كلها وأثمرت ثمارها في وقت وجيز وعدد قليل كان خارجاً عن المألوف وبسلاح شبه بدائي وبجيش جائع وظمآن، ويعود السبب في ذلك إلى المميزات التي امتازت بها وإلى نزاهة الأهداف التي سعى القائد الحكيم إلى تحقيقها، فهناك إذن عدة مميزات لهذه الثورة هي التي جعلتها بهذا المستوى الرفيع والنادر والخاص جداً.

الميزة الأولى: وهي الرعاية الإلهية، ولا يمكن أن تصيب هذه الرعاية إلا من كان ناصراً لربه كالإمام الحسين(ع) فقد نصره الله لأنه نصر الله، ولا نشك لحظة بأن المشيئة الإلهية كان لها دور في حصول ما جرى وحدوث ما حدث في تلك البقعة من أرض العراق فلا نقول شاءت القدرة الإلهية أن يموت الحسين وإنما نقول شاءت القدرة أن يحيا الإسلام والإنسان باستشهاد الإمام الحسين.

نحن نؤمن بأن الرعاية الإلهية واكبت الثورة يوماً بيوم ولحظة بلحظة وسوف تبقى هذه الثورة متوجة برعاية الله إلى يوم القيامة لأنها ثورة الإنسان كما كانت ثورة الإسلام بل هي ثورة العالم كله لأن بركاتها عمّت الأرجاء من أقصاها إلى أقصاها، ولا يمكن لأحد بل ولا يحق لأحد أن ينكر هذه الحقيقة التي باتت واضحة للقاصي والداني على حد سواء، ونقول لمن يريد أن يفصل بين ثورة الحسين والإسلام أن يوفر كلامه وجهوده لأمر يمكن أن يزور ويبدل أما ثورة الحسين بجميع تفاصيلها أصبحت نوراً في سجلات التاريخ حيث خطها بحروف من نور يراه الأعمى والبصير ويلهج بعظمته الناطق والأبكم.

الميزة الثانية: وهي قائد تلك الثورة فلقد كان قائدها مميزاً بروحه الطاهرة ونفسه الزكية وشأنه الرفيع عند العلي الأعلى وعقله النيّر وأفقه الواسع وتطلعاته للمستقبل، لم يكن قائداً عادياً بل كان إنساناً معصوماً ومسدداً من قبل الله عز وجل في جميع حركاته وسكناته.

وأكبر شاهد على ذلك هو التاريخ المشرق للإمام الحسين(ع) حيث قضى كل حياته في خدمة الإسلام والمسلمين. ولم يصدر منه خطأ طيلة حياته.

ثم إن قائد هذه الثورة لم يكن شخصاً واحداً كما هو المتصور لدى كثير من الناس، لقد كان القائد لها أكثر من شخص كلهم عظماء وحكماء ومعصومون وهذا ما يكشف لنا أكثر عن قيمة هذه الثورة.

وهنا يمكن لنا أن نمحور قادة الثورة إلى أربعة محاور لكل محور دوره ووظيفته:

المحور الأول: وهم القادة الممهدون الذين خططوا للثورة ومهدوا طريقها أمام القائد المباشر والمنفذ، وأول القادة الممهدين هو النبي الأكرم محمد(ص) الذي مهد للثورة بطريقين:

الطريق الأول: وهو بيان شخصية الإمام الحسين حيث أظهر النبي ذلك مراراً وعلى مسمع كثير من الصحابة والتابعين كبيانه لإمامة الحسين حيث قال: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا: وكبيانه أيضاً لعلاقة الحسين به حيث لم توجد مثل هذه العلاقة مع غيره حيث قال: حسين مني وأنا من حسين: أي أن نهجي هو نهج الحسين، وكقوله الشهير: إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة: وهذا أكبر حجة ألقاها رسول الله على الأمة الإسلامية.

فمن خلال بيانه لشأن الحسين وشخصيته لفت أنظار الناس نحوه أو نحو الشأن الذي سوف يكون عليه في المستقبل.

الطريق الثاني: وهو الدعوة الواضحة والمباشرة لنصرة الحسين في كربلاء وقد وردت تلك الدعوة قبل ثورة كربلاء بما يزيد على خمسين سنة وذلك عندما وقف النبي على منبره وبيّن للناس ما سوف يجري على الحسين في تلك البقعة ودعا كل من يعاصره إلى نصرته مبيناً أن الحسين بثورته يمثل الرسالة الإسلامية والنهج القويم.

ومن جملة القادة الممهدين للثورة هو الإمام الأكبر علي بن أبي طالب(ع) الذي مر يوماً بأرض كربلاء ومكث فيها قليلاً ثم أخبر أصحابه بأن ولده الحسين سوف يقتل في هذه البقعة وقد دعا أصحابه إلى نصرة الحسين كما صنع النبي الأعظم(ص).

وأقرب قائد ممهد للقائد المنفذ هو الإمام الحسن المجتبى الذي مهد للثورة بالصلح الذي أجراه مع معاوية بهدف بقاء الإسلام الذي أراد معاوية أن يمحوه من الوجود لولا حكمة الإمام الحسن، فلولا الصلح الذي أجراه لقتل هو وأخوه الحسين وجميع المؤمنين في عهد معاوية.

المحور الثاني: وهو يتمثل بالقائد المباشر والمنفذ وهو أبو عبد الله الحسين(ع) فإنه بعد أن قتل معاوية الإمام الحسن أهلك الله معاوية وحل محله ولده يزيد رمز الظلم وعنوان الجور والطغيان، أراد يزيد أن يكمل نهج أبيه وينفذ وصيته الحاقدة ضد مذهب الحق المتمثل بالشجرة الطيبة بمحمد وآله(ص) فقد شاءت الظروف أن تحصل تلك المعركة بتلك السرية التي فرضها الأمويون ولم تكن تلك السرية من مصلحتهم لأنهم سرعان ما دفعوا الثمن غالياً…..

المحور الثالث: وهو يتمثل بالإمام السجاد وعمته زينب بالدرجة الأولى وبالأئمة المعصومين(ع) بالدرجة الثانية لأن الجميع سلكوا ذات النهج وحافظوا على نتائج الثورة….

المحور الرابع: وهو الإمام المنتظر الذي يتصل بتلك الثورة وسوف يخرج لنفس الهدف الذي خرج له جده الحسين(ع)….

الميزة الثالثة: التخطيط القديم للثورة فقد يخطط الثائر لثورته سنة أو سنتين أو عشر سنوات على أبعد الحدود وأكثر التقادير، أما ثورة كربلاء فقد خطط لها قبل حدوثها بما يناهز الستين عاماً لأن هذا التخطيط بدأ في عهد الرسول الأعظم(ص)

الميزة الرابعة: نوعية الإنتصار الذي حققته ثورة الحسين فلقد كان انتصاراً على خلاف العادة فإن موت القائد يعني الهزيمة للجيش والفشل للمعركة أو الثورة أما ثورة الحسين فقد انتصرت رغم استشهاد القائد وجميع أفراد جيشه وهذا أهم ميزة لثورة كربلاء.

الميزة الخامسة: دوام الإنتصار، فإن كثيراً من رجالات الإصلاح نجحوا في معاركهم العسكرية والسياسية ولكن انتصاراتهم لم تدم طويلاً، أما انتصار الحسين فما زال قائماً حتى اليوم والدليل عليه وجودكم في بيوت الحسين وسيركم في هذا النهج الذي لن ينتهي ولن يزول إلى يوم القيامة.

الميزة السادسة: كثرة المعادين للنهج الحسيني، فإنهم رغم حقدهم وعملهم الدائم على محو آثار تلك الثورة نراها تتجاوز تلك الحواجز لتخرج من مكان آخر بثوب أجمل وطريقة أوضح وبمفاهيم أكثر، ففي زمن العباسيين حوربت الثورة واستمرت، وفي زمن العثمانيين منعت مجالس عاشوراء فانتفض الناس من أجلها واستمرت، وهكذا في جميع الأزمان، ولو كان الأمر بأيديهم لما سمحوا لنا بإقامة مجلس واحد أو ذكر إسم الحسين الذي زلزل عروشهم التي قامت على الظلم والعدوان، وإن كثرة المعادين لهذا النهج لدليل واضح على نزاهته لأن أكثر الناس فاسقون وكافرون وظالمون ومنافقون كما يصرح القرآن الكريم في العديد من آياته.

الميزة السابعة: وهي انتصار القلة على الكثرة وهي أبرز مصداق لقوله تعالى(كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) لم تكن قلة عادية بل فوق مستوى العادة حتى أصبحت القلة أحد أكبر عناوين النصر في تلك الثورة، القرآن الكريم يقول: إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ) لقد أشار القرآن إلى عشرة أضعاف، أما عدد الجيش المعادي لنهج الحسين فلقد تجاوز ثلاثمئة ضعف لأنهم أكثر من ثلاثين ألفاً أما جيش الحسين المكون منه ومن أخوته وأهل بيته وأصحابه لم يصل عدده إلى المئة.

الميزة الثامنة: تفاني جميع الأفراد في سبيل إنجاح الثورة وقل ما تجد هذه الميزة في غيرها من المعارك والثورات التي كان هدف أكثر أفرادها الحصول على غنائم الحرب أما أهداف أصحاب الحسين فلقد كانت الشهادة في سبيل الله عز وجل…

الميزة التاسعة: قيمة ونوعية الأهداف فإن الأهداف التي حملتها ثورة كربلاء لم تكن مخصوصة بطائفة ولا محدودة الأطر بل كانت من أجل المصلحة العامة….

منها: إصلاح ما فسد من أمور الناس، إني لم أخرج..

الميزة العاشرة: النتائج ونعني بها ما نتج من نفع عن تلك الثورة وليس النتائج في العاشر من محرم فلقد ظن الناس بأن نتائجها كانت وخيمة حتى ظهر لهم بعد أيام أن نتائجها كانت عظيمة بل هي غاية في العظمة، والنتائج هي الأهداف التي حققتها الثورة.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى