ضَرُوْرَةُ التَعَمُقِ فِي مَعَانِي وَأَبْعَادِ خُطْبَةِ الزهْرَاءِ
أَسْرَارُ الخُطْبَة الفَدَكية

ضَرُوْرَةُ التَعَمُقِ فِي مَعَانِي وَأَبْعَادِ خُطْبَةِ الزهْرَاءِ
في هذا البحث وما يليه سوف نلقي الضوء على أبعاد ومعاني خطبة السيدة الزهراء(ع)، وهذا لا يعني أن نقف على شرح المفردات العامة والمعاني الكلية لها، بل ينبغي أن نستفيد من كل ما يمكن أن يوافق هذه الخطبة أو يشبهها ولو من بعيد، ونحن نرى بأن الوقوف على المعاني السطحية لا يفي بالمطلوب ولا يليق بشأن فاطمة(ع)، وهذا ما يدفعنا إلى التأمل بكلماتها، والتفكر في فقرات خطبتها لندخل إلى جوهر الأمر قدر المستطاع، ونحكي لكم ما في ضمير الزهراء(ع) ولو بشكل إجمالي وسريع، وكلنا نعتقد بأن الزهراء(ع) كانت تعني مقصودها من كل كلمة نطقت بها، ومن كل ما كان يدور في داخلها حول كل كلمة صدرت عنها، وبمعنى آخر فإننا نحاول بيان المراد كما لو كنا نحن أصحاب كلامها، فالإنسان منا يطرح فكرة معيّنة ثم يبين جوهرها ويكشف عن أسرارها وأسبابها ليوصل الفكرة للآخرين تامة، وذلك من باب إتمام الحجة على الآخَرين، ولم يكن لدى الزهراء مجال للشرح والتوسعة كما تلاحظون عند قراءة كلماتها المضغوطة.
أَسْبَابُ إِيْجَازِ الكَلام
ولعل السبب في ضغط الكلام بهذه الطريقة يعود إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن الطريقة التي تحدثت بها فاطمة(ع) كانت هي المتبعة آنذاك، لأن من سمعوا كلامها كانوا من أهل الفصاحة والبلاغة نوعاً ما، فلم يكن هناك من داع للشرح والتفصيل، لأن الهم الأكبر لدى الزهراء كان إيصال الفكرة العامة متكلةً بذلك على من يأتي بعدها ويتكفل ببيان المراد لمن لا يفقهون هذه الطريقة الموجزة.
الأمر الثاني: وهو أن المعصومين سلام الله عليهم كانوا يعملون على قاعدة خير الكلام ما قل ودل، وهذه الطريقة في البيان من شأنها أن تدعو الناس إلى السؤال والإستفسار من باب حب الإستطلاع على الأقل.
الأمر الثالث: هو أن الزهراء(ع) لم يكن همها فقط أن توصل المراد إلى الذين كانوا حاضرين حولها، وإنما أرادت أن توصل مرادها إلى العالم كله ليعلم الجميع بأن القوم ظلموها،فقد أرادت أن تثبّت الدين الحق في قلوب الناس، ولذلك استعملت تلك الطريقة الجذابة التي تأنس بها الآذان والقلوب كيلا يشعر أحد بالملل فلا يهتم الناس بكلامها بعد ذلك، ونحن عندما نتحدث عن الزهراء ينبغي أن لا ننسى بأنها ليست امرأة عادية، ولا يمكن أن ننظر إلى كلامها كما ننظر إلى كلام بعضنا البعض، بل يجب أن نأخذ كل كلمة من كلامها بعين الإعتبار لأنها معصومة لا تنطق إلا بالصواب ولا يصدر عنها سوى الجميل كأبيها وبعلها وبنيها صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
سَبَبُ الإِطَالَةِ فِيْ شَرْحِنَا لِكَلامِ الزهْرَاءِ(ع)
قد يتساءل البعض حول موضوع الإطالة في شرح كلمات الزهراء والتأمل الدقيق في فقرات خطبتها خصوصاً وأن بحثنا هذا هو الثالث حول كلمة(الحمد لله على ما أنعم) وهذا ما بَدَأَتْ به الزهراء خطبتها، فهل أن واقع الأمر يفرض علينا التأمل بهذه الطريقة أم أننا نبالغ في الأمر؟
وأنا شخصياً أعتبر بأن هذا السؤال في محله، وأدعو كل مؤمن ومؤمنة إلى الإستفسار دائماً، وأن لا يستحوا من السؤال لأنه مفتاح العلم.
أنا أقول: إذا حمل هذا الإستفسار استنكاراً فإن الإستنكار هنا غير صحيح وليس له أي وجه أو مبرر، لأن هذا الإستنكار يصح فيما إذا كان الكلام فارغاً لا قيمة له ولا منفعة منه، أما إذا كان الكلام كلام الزهراء أو غيرها من المعصومين فإنه من اللازم علينا أن نتأمل بهذا الشكل أو أكثر، وهناك عدة أسباب تدفعنا للإطالة:
السبب الأول: أننا قد تصدينا لبيان مراد الزهراء، وهذا العمل لا يمكن أن يصيب تمام الأمر لأننا قاصرون عن إدراك كل ما كانت تضمره هذه المرأة الجليلة، وبما أننا تصدينا لهذه المهمة فنحن إذاً مسؤولون شرعاً عن كل كلمة تصدر عنا أو عن كل تقصير يمكن أن نقع فيه تجاه مراد مولاتنا وسيدتنا الزهراء، والخطأ فيه يكلفنا كثيراً، فكلما استطعنا بيان أمر استجد لدينا أمر آخر له وظيفة في هذه المهمة، وكثيراً ما يتعبنا التردد في بعض الأفكار، ولأجل أن نبرئ ذمتنا تجاه هذه المسؤولية فإننا نضع جميع الإحتمالات مع ترجيح لبعضها، وهذا الترجيح ليس أمراً ذوقياً أو استنسابياً، فإنه لا يجوز لنا أن نستنسب رأياً في كلام أحد المعصومين(ع) وإنما نرجح هذا الأمر أو ذاك بسبب وجود بعض القرائن الدالة على رجحان هذا الأمر دون غيره، ولو لم يكن هناك غير هذا السبب لكفى دليلاً على ضرورة الإطالة والدقة في التأمل والتفكر.
السبب الثاني: وهو حبنا وشوقنا للإستفادة والتعلم من كل ما ورد على ألسنة أهل العصمة(ع) ولا أحد ينكر وجود المنفعة الكبرى في كلام سيدة نساء العالمين إن على مستوى الدنيا أو على مستوى الآخرة، وإذا كنا من طلاب المعرفة ورواد الحقيقة ومحبي الحق وأهله ومبغضي الظلم بجميع أنواعه ومصادره وجب علينا التأمل بهدف الإستفادة واستخراج تلك الكنوز واللآلئ من أعماق بحرها الزاخر، كما يفعل الغطاس عندما يسعى للوصول إلى أبعد قعرٍ في البحر بهدف التعرف على الحياة فيه واستخراج كنوزه.
السبب الثالث: وهو سبب ديني محض، وهو كسب الأجر والثواب لأن العمل في سبيل أهل البيت(ع) وبيان مرادهم ونشر علمهم هو عمل في سبيل الله عز وجل من دون أدنى شك، فنفس ذكر أهل البيت عبادة، والدفاع عنهم وعن حقهم كذلك، ونحن في كلامنا عن الزهراء(ع) نضرب عصفورين بحجر واحد، أولاً نذكرها لأن ذكرها ذكرٌ لله، وثانياً لكي ندافع عن حقها ونظهر للعالم مظلوميتها.
الشيخ علي فقيه


