
كيف كان المجتمع العربي قبل المبعث الشريف
لقد أتم الله أمره ببعثه له وأمضى حكمه بإرساله إلى الناس كافة،(فَرَأَى الأُمَمَ فِرَقاً فِي أَدْيَانِهَا، عُكَّفاً عَلَى نِيْرَانِهَا)
فعندما بعث الله رسوله بالهدى ودين الحق كان المجتمع العربي غارقاً في ظلمات الوثنية تحكمه العادات القبلية السيئة، وتسيطر عليه أنظمة الغاب والإفتراس، فلقد كانت كل قبيلة منهم تتخذ لنفسها ديناً خاصاً بها حسب ما يراه القيمون مناسباً لهم أو غير مناسب، لقد كان المجتمع العربي آنذاك أسوأ مجتمع شهدته الأرض حيث كانت الإنسانية فيه معدومة، فضلاً عن الدين، إذ كان همهم جمع المال والحصول على السلطة والوجاهة وإن كان ذلك على حساب الدماء والأعراض والكرامات، ولقد ارتكبوا من الجرائم البشعة ما لم يرتكبه أحد قبلهم حيث كانوا يدفنون البنات يوم ولادتهن لأن البنات لا يشكّلن مصدر رزق للآباء، وقد كانوا يصنعون ذلك بحجة أن البنت مصدر للعار، وقد استشرست فيهم المعاملات الربوية والسرقة والنهب وكل صفات الجور والظلم حتى أصبحت الحياة لا تطاق، وراح الناس فيما بينهم وبين أنفسهم يطلبون الخلاص من هذا الظلم الذي لم يعد محتملاً، ففي خضم هذه الظروف القاسية أراد الله سبحانه أن يرحم تلك المجتمعات ويلقي فيها الرحمة والعدالة والمساواة فأرسل إليهم رسوله الأكرم بدين الحق، وفي ذلك قال سبحانه(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) وقال سبحانه(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)
وقد وصفت الزهراء هذا الوضع الخطير بقولها(فَرَأَى الأُمَمَ فِرَقاً فِي أَدْيَانِهَا، عُكَّفاً عَلَى نِيْرَانِهَا ، عَابِدَةً لأَوْثَانِهَا ، مُنْكِرَةً للهِ مَعْ عِرْفَانِها)
ففي ذلك الوقت كانت عبادة الأوثان هي الرائجة والمسيطرة على الساحة لأنها كانت تشكل مصدر رزق وافر للتجار الذين كانوا على علم ببطلانها وصحة ما جاء به رسول الله(ص) من عند ربه، ولكنهم لم يقروا بالحق خوفاً على ثرواتهم وتجاراتهم التي كانت قائمة على الوثنية.
لقد أنكروا رسالة الحق وجحدوا بالله تعالى وهم يعلمون بأن الله هو الخالق الواحد الذي لا شريك له، ولكنهم أنكروا الإيمان حيث لمسوا المصلحة الخاصة في رفض الحق، وهو معنى قولها(ع) (مُنْكِرَةً للهِ مَعْ عِرْفَانِها) أي مع معرفتهم بصدق ما جاء به النبي من عند ربه.
بَعْضٌ مِن بركاتِ النبِي الخاتَم(ص)
ثم زادت الزهراء الأمر إيضاحاً فقالت(فأَنارَ اللهُ بأبي محمّد (ص) ظُلَمَها ، وكَشَفَ عن القلوب بُهَمَها، وجَلى عن الأبصارِ غُمَمَها ، وقام في النّاس بالهداية ، فأنقذهم من الغِواية ، وبَصّرَهُم من العَماية ، وهَداهُم إلى الدين القَويم ، ودعاهم إلى الصراطِ المستقيم)
لقد كشف الله ظلمات الأرض والقلوب بأنوار محمد الذي بعثه رحمة للناس، وبه انجلت البهم والشكوك والأوهام عن القلوب، ففتح لهم بصائرهم على الحق والمعرفة، وانتشلهم من حفر الغواية وأعماقها المظلمة، وبلّغ رسالة ربه، فقام في الناس بالهداية، فدلهم على طرق الدين القويم، وأنار لهم الصراط المستقيم ليسلكوها وهم على بصيرة من أمرهم.
وقد ركزت سيدة نساء العالمين في خطبتها المباركة على أهم المرتكزات التي يقوم عليها الإسلام ويتقوم بها، فبعد أن ذكرت أموراً عقائدية حول صفات الله عز وجل راحت تذكر أباها الأعظم وتذكّر الناس بفضله عليهم وأن الله تعالى أنقذهم برسول الله من الغواية والضلالة والجهالة حيث أرسله إليهم لينقلهم من الظلمات إلى النور، وإلى هذه الأمور أشارت بقولها (فأَنارَ اللهُ بأبي محمّد (ص) ظُلَمَها ، وكَشَفَ عن القلوب بُهَمَها، وجَلى عن الأبصارِ غُمَمَها ، وقام في النّاس بالهداية ، فأنقذهم من الغواية ، وبَصّرَهُم من العَماية ، وهَداهُم إلى الدين القويم ، ودعاهم إلى الطريق المستقيم)
أولاً أنقذهم من الغواية التي كانت مصدر الشر لهم في الدنيا والآخرة، وشرّفهم بالدين والعلم، وأخرجهم من العمى، ففتح لهم بصائرهم التي كانت مظلمة ومغلقة بسبب الكفر والعناد، وهداهم إلى دين الله الذي به يكسب الإنسان سعادة الدنيا والآخرة، وقد أمرهم بالسير في طريق الهدى التي هي الصراط المستقيم، فإذا استجابوا له والتزموا بكلامه فقد ربحوا الدنيا والآخرة، ولكن كثيراً ممن عاصروه ورأوا معجزاته ولمسوا بركته قد انقضُّوا على الإسلام من بعده كما ينقض الذئب على فريسته، فبدل أن يبادلوه بالأحسن راحوا يبادلونه بالسوء ويؤلمونه بظلم فاطمة التي كان يقول فيها :فاطمة روحي التي بين جنبي، وفاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله: فلم يبالوا بالله ولا برسول الله ولا بأية حدود وخطوط حمراء.
الشيخ علي فقيه


