
كَيْفِيَةُ التعَاطِي مَع العُظَمَاءِ
من أولويات التعامل مع أهل العظمة أن نولي الإهتمام لجميع جوانب حياتهم إِنْ على الصعيد الديني أو الأخلاقي أو الإجتماعي أو السياسي أو على أي صعيد آخر، وذلك كيلا يفوتنا من المنفعة الناجمة عنهم شيء، هذا ونحن نعتقد بأن كل جوانب حياتهم مليئة بالمنفعة والخير والعلم، وأن كل حركاتهم وسكناتهم تحمل خلفها الفائدة، لأن العظيم لا يرشح منه سوى العظمة.
وهذه الطريقة متبَعة لدى كثير من الناس الذين يتابعون أخبار أهل السياسة والمال والشهرة، فهم يلحقون بهم من مكان إلى آخر ويسجلون كل ما يصدر عنهم كصفقات إعلامية يسبقون الغير عليها، وهذا ما كان يصنعه الرواة الذين عاصروا النبي وآله(ص) فاستطاعوا أن يدونوا لهم الكثير وينقلوا عنهم الكرامات والفضائل والمواقف الكريمة والتعاليم الكبرى.
لقد قام أولئك الرواة والمؤرخون بوظائفهم فنقلوا إلينا الوقائع والأحداث، وهنا تأتي وظيفتنا تجاه ما نُقل إلينا، فيجب علينا أن نتتبع كل أثر، ونقف على كل كلمة وردت عنهم من أجل أن ندرسها جيداً لنفهم المراد منها، وذلك عبر دراسة الظروف والقرائن المتعلقة بها، كيلا نخسر أمراً يحمل لنا الفائدة على مستوى الدنيا أو على مستوى الآخرة، وهذا ما يجعلنا نتعامل مع نصوص المعصومين وآثارهم بتلك الأهمية البالغة، فواجبنا نحن هو الحفاظ على تلك الآثار، والعمل بمضامينها، وكشف النقاب عن الأمور الخفية، فلا يجوز أن نتعاطى مع نصوص النبي وآله كما نتعامل مع النصوص الأخرى الفاقدة للمنفعة، بل يجب أن ندقق ونبحث ونتأمل ونجتهد حتى نصل إلى المراد.
وخطبة السيدة الزهراء(ع) أهم وثيقة إسلامية وعقائدية، فهي ليست مجرد نص تاريخي عادي أو كلام خرج أثناء حدث معين، فلا ينبغي التعامل مع هذا الأثر بالشكل العادي، بل لا بد من أن ننظر إليه من زواياه الواسعة الأفق، لأنه في الواقع يمتاز عن غيره من الآثار والنصوص من جهات عديدة:
منها: أنه أثر وارد عن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(ع) تلك المرأة الجليلة التي خُلقت بشكل خاص، وعاشت بطريقة خاصة، والتحقت بالرفيق الأعلى في ظروف تُعتبر من أخص وأدق الظروف.
ومنها: أن هذه الخطبة تُعتبر دليل إدانة لكل من تجرأ على حرمة الزهراء وغصب حقها أو تعاون مع الذين اغتصبوا حقها أو رضي بهذا الفعل الشنيع الذي أغضب الله ورسوله، لأن النبي(ص) قال من أغضب فاطمة فقد أغضبني ومن أغضبني فقد أغضب الله، وهذه الخطبة كانت كتاباً جامعاً للعديد من الأحكام الإلهية وبيان بعض علل الأوامر والنواهي الإلهية، وما زال كثير من الناس يرجعون إلى هذه الخطبة المباركة في إثبات بعض الأمور الدينية أو نفي أمور أخرى، لأنها تشكّل بالنسبة لهم مرجعاً يثقون بصحته ومضمونه.
ومنها: أن أموراً كثيرة كانت متوقفة على سماع هذا الكلام الذي غيّر كثيراً من المعادلات، وقلب العديد من الموازين، وأقام انحراف الأمة التي كانت تسلك طريق الهاوية بعد أن منّ الله عليها بخاتم الأنبياء الذي قال الله فيه(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) وقال تعالى فيه(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فقد مثَّلت تلك الخطبة منعطفاً تاريخياً مهماً في حياة المسلمين الذين كانوا على شفا حفرة من النار لولا تلك الوقفة الجريئة من قِبل الزهراء(ع) في وجوه الظالمين وتوجيه إصبع التهمة إليهم.
لأجل ذلك كان لا بد من تعظيم هذا النص وملاحظة جميع أبعاده ومقاصده ومعانيه حيث قد يتوقف الحق على كلمة واحدة من الكلمات التي وردت فيه.
فمن العار علينا أن نهمل حرفاً من حروفه أو نتجاهل بنداً من بنوده، فحرام علينا أن نقتل الزهراء مرة أخرى في دفن هذا الأثر أو فرض التعتيم عليه بهدف دفن حقها.
لقد غضبت الزهراء عليهم، وهذا يعني غضب الله عليهم وإن صلوا وصاموا وادعوا بأنهم مسلمون أو قيمون على الإسلام والمسلمين، ألم يكفهم عاراً أن الزهراء حرمتهم من معرفة مكان قبرها كعلامة على شدة غضبها، ألم يكفهم أنهم هتكوا حرمتها وأحزنوها بدل أن يخففوا عنها آلامها، لقد زادوها حزناً فوق حزنها، ومنعوها من البكاء على أبيها كيلا يبقى الناس ذاكرين له، وقد كان بكاؤها على أبيها يذكرهم بالنبي دائماً، لقد أرادوا بها كيداً فجعلهم الله الأخسرين حيث حاولوا أن يدفنوا ذكر النبي عندما هجموا على دارها، ولكنها بمجرد أن خاطبت الناس تذكروا رسول الله وأجهشوا بالبكاء.
الشيخ علي فقيه


