
قِيام الرسول(ص) بتمام المهمة
لقد تابعت الزهراء حديثها عن أبيها وفضله على الناس من باب إتمام الحجة عليهم والتذكرة لهك فقالت: (فبلّغ الرسالة صادعاً بالنذارة مائلاً عن مَدْرَجَةِ المشركين ، ضارباً ثَبَجَهُم آخِذاً بأكظامِهِم داعياً إلى سبيلِ ربِّهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة)
لقد عمل النبي(ص) بكل ما أوتي من قوى روحية ونفسية ومادية على تبليغ رسالة الله رغم الأخطار التي كانت محيطة به والظروف الصعبة التي كانت تسيطر على الوضع العام في مكة المكرمة، ورغم قلة المؤمنين والمؤازرين، فلقد بقي سنوات طويلة من الزمن ليس معه مؤمن سوى علي بن أبي طالب والسيدة خديجة عليهما السلام، وقد شكّل هذان الشخصان العظيمان العمود الفقري للإسلام، وقد ذكر النبي ذلك بقوله :قام الدين بسيف علي ومال خديجة: وفي موضع آخر وبعد وفاة السيدة خديجة أثنى عليها النبي بقوله: آمنت بي عندما كذّبني الناس وواستني بمالها عندما حرمني الناس:
فلقد بلغ الرسالة وصدع بالنذارة، أي أنه أنذر الناس من البقاء على الكفر والوثنية والإستمرار في ممارسة الظلم والفحش والقتل والسرقة والربا وغير ذلك من المحرمات التي انغمس فيها أفراد المجتمع العربي قبل المبعث النبوي الشريف.
لقد أمره ربه بأن يبلغ فبلغ، وأن ينذر الناس مبتدءاً بعشيرته فأنذر، وكان خير مبلّغ ومنذر وغيور على الناس الذين قابلوا إحسانه لهم بالإساءة إليه عبر ارتكابهم الجرائم البشعة في حق أهل بيته الأطهار صلوات الله عليهم.
وقالت(ع) في وصف أبيها(ص) (مائلاً عن مَدْرَجَةِ المشركين)
أي أنه بعيد عن طريقهم ومسلكهم وكل ما يتصل بهم من قريب أو بعيد.
وقالت: (ضارباً ثَبَجَهُم آخِذاً بأكظامِهِم)
لقد ضرب النبي وسط المشركين ومعظمهم بيد من حديد حتى يقضي على الكفر والوثنية، وهنا نلاحظ العظمة في التعابير التي أطلقتها الزهراء(ع) فالثبج: هو وسط الشيء ومعظمه، وأما قولها (آخذاً بأكظامهم) فإن الكَظَم هو مخرج النفَس من الحلق، وهو كناية عن كونه(ص) لحقهم وتابع مهمته معهم حتى يؤمنوا بالله تعالى فلم يتهاون في أمر الله ولم يقصر في تأدية واجباته بل كان حازماً ومخلصاً ومجداً.
ثم قالت(يَكسر الأصنامَ وَينكُثُ الهام ، حتّى انهزم الجمع وولّوا الدبر ، حتّى تَفَرّى اللّيلُ عن صُبْحِه ، وأسْفَرَ الحَقُّ عن مَحْضِه ، ونَطَقَ زعيمُ الدّين، وخَرَسَت شَقاشِقُ الشَياطين ، وطاح وشيظُ النِفاقِ ، وانْحَلَّتْ عُقَدُ الكفرِ والشِقاق)
عندما فتح النبي مكة المكرمة دخل إلى الكعبة وأخرج منها الأصنام وحطمها، ثم أصعد علي بن أبي طالب على كتفيه ليطال الأصنام التي كانت موضوعة على سطح الكعبة الشريفة، فلقد كسّر الأصنام ونكث الهام، والهام هي قامة الرجل، أي أنه ألقى الرجال على رؤوسها.
لقد أدى وظيفته بالشكل المطلوب وجاهد في سبيل الله وتحدى جميع الأخطار ووقف في وجه الوثنية ومن يدعمها حتّى انهزم الجمع وولّوا الدبر هربوا من أمامه مهزومين مكسورين ضعفاء، حتّى تَفَرّى اللّيلُ عن صُبْحِه، ظهر الحق وبان النور وولى ظلام الكفر والوثنية، ونَطَقَ زعيمُ الدّين، ظهر الإسلام واشتد ساعده وصارت كلمته مسموعة، وخَرَسَت شَقاشِقُ الشَياطين: فالشقشقة شيء يخرجه البعير من فمه إذا غضب وهاج، وهذا تعبير وكناية عن هزيمة الشياطين لأن انتصار الحق على يد رسول الله(ص) انهزمت به الشياطين وظهر ضعفهم أمام عظمة رسول الله وانقطعت أنفاسهم حيث حاصرهم وقطع الطريق عليهم.
وطاح وشيظُ النِفاقِ الوشيظ هو السفلة والرذل من الناس، وقد أباد النبي أهل النفاق وأهلكهم وكسر شوكتهم وضعّف قوتهم وقلّل عددهم.
وانْحَلَّتْ عُقَدُ الكفرِ والشِقاق: فلم يعودوا أقواء متماسكين حيث زلزل النبي أركانهم ومعتقداتهم.
وبعد أن بينت الزهراء(ع) جهود أبيها الأعظم وطريقته في التعاطي مع أهل الكفر وأنه هزمهم والشياطين وجّهت خطابها إليهم قائلة لهم:
(وفُهْتُم بكلمة الإخلاص في نَفَر من البيض الخِماصِ)
يعني بعد أن لمستم القوة عند رسول الله والمسلمين، ورأيتم الضعف في صفوف المشركين والوثنيين، تفوهتم بكلمة لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وكثير منهم تفوهوا بكلمة الإخلاص خوفاً على أنفسهم من قوة المسلمين، وكان النبي يعرف نواياهم الخبيثة، ولكنه صبر عليهم ووعظهم ونصحهم وفتح لهم أكثر من فرصة للتوبة، فلم يتوبوا، فتركهم لأنهم كانوا في الظاهر مسلمين يقرون بشهادة أن لا إله إلا الله، وهنا لا بد من الحكمة في التعاطي معهم، فلا يمكن قتلهم أو سجنهم كيلا يقال بأن النبي قتل المسلمين، ولم يكن للنبي والمسلمين أن يطمئنوا لهم بل عاشروهم على حذر وانتباه، وفُهْتُم بكلمة الإخلاص في نَفَر من البيض الخِماصِ: والخماص هم الجائعون.
لقد ظن الطامعون بأنهم أصحاب فضل وشأن وأنهم أحق الناس بالزعامة والسلطة، وهم في حقيقة الأمر فاقدوا الأهلية لتولي الحكم حيث لم تتوفر عندهم شروط الحاكم والولي والخليفة، وقد صدّقوا أنفسهم وصدقهم شريحة كبرى من الناس، فكسرت الزهراء شوكتهم وذكّرتهم بأصلهم الوضيع وأنهم عندما أصبحوا بشراً فقد حصل لهم ذلك ببركة محمد ابن عبد الله الذي نقلهم من مستوى البهيمية إلى أعلى مستويات الإنسانية بعد أن كانوا غارقين في عيشة تشبه حياة الغاب التي يعيش فيها أقوى حيوان وأضعف حيوان من دون قانون يحمي الضعفاء، لقد كان القانون المعمول به هو أن القوي يأكل الضعيف ويفترسه وعياله من دون رحمة ولا شفقة، ولأجل ذلك ذكّرتهم الزهراء بالحالة التي كانوا عليها ليقارنوا بينها وبين الحالة التي أصبحوا عليها بعد أن بعث الله منهم وفيهم رسوله بالهدى ودين الحق فقالت لهم:
(وكنتم على شَفا حُفرة من النار ، مِذقَةَ الشارِب ونهزَة الطامع ، وقَبْسَةَ العَجْلان ، ومَوْطِئَ الأقدام تشَرْبَونَ الطَرَق ، وتَقتْاتونَ القِدّ أذِلّة خاسئين ، تخافون أن يتخطّفكم النّاسُ مِن حَوْلِكم ، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد (ص) ، بعد اللتيا والّتي ، وبعد أن مُنِي بِبُهْمِ الرجال وذؤبانِ العَرَب ، ومَرَدَةِ أهلِ الكتاب)
لقد كانوا قريبين جداً من الوقوع في الهاوية والغرق في بحر من المتاهات والظلمات، مذقة الشارب، أي كنتم ضعفاء يسهل الوصول إليكم والنيل منكم، ولقد شبّهتهم الزهراء هنا بالمِذقة، وهي اللبن الممزوج بالماء والذي يسهل شربه، بل كانوا أوهن من بيت العنكبوت، ولم يكن شربهم سهلاً بل كانوا نهزة الطامع، أي أنهم فرصة للطامع ينال منهم متى يريد، وكذلك شبّهتهم بقبسة العجلان، وهو من أعظم التعابير التي يمكن استعمالها في هذا المورد، وقبسة العجلان هي شعلة النار التي يتناولها الإنسان المستعجل، أي أنه يأخذ النار بشكل سريع، وهم كانوا بالنسبة لطالبهم هكذا يأخذهم بسرعة من دون أن يحسب لهم أي حساب ومن دون أن يكون لهم ناصر أو معين أو مطالب لهم بالحق إلى أن منّ الله عليهم برسوله الأكرم.
وكذلك كانوا موطئاً للأقدام يدوسهم الواحد بكل سهولة فرفع النبي شأنهم وانتشلهم من بين الأرجل ووضعهم على عروش عالية، فلم يرضوا بذلك، وإنما استحبوا الماضي الوضيع على الحاضر الرفيع، وقبلوا بالذل على العز والأوضاع المتردية على الحياة السليمة والكريمة.
ثم زادت(ع) أمرهم وضوحاً وجلاءاً لتصل الحقيقة إلى الناس على طبق من فضة فقالت لهم(تشَرْبَونَ الطَرَق ، وتَقتْاتونَ القِدّ أذِلّة خاسئين)
لقد كنتم تشربون الماء الملوث بآثار الإبل، لأن الطَرَق هو الماء الذي خوضته الإبل وبركت فيه، وكنتم تأكلون القِد، والقد هو الجلد الذي لم يدبغ، بالإضافة إلى ذلك كله كنتم أذلة خاسئين تخافون من أدنى حركة وصيحة لأنكم فاقدوا القوة، وهو ما أشارت إليه الزهراء بقولها(تخافون أن يتخطّفكم النّاسُ مِن حَوْلِكم) هذا يأخذكم يميناً وذاك شمالاً، وهذا يصنع بكم ما يريد من دون أن يسأله أحد ماذا تفعل(فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد (ص) ، بعد اللتيا والّتي ، وبعد أن مُنِي بِبُهْمِ الرجال وذؤبانِ العَرَب ، ومَرَدَةِ أهلِ الكتاب)
فبعد اللتيا والتي، أي بعد الأوضاع المتردية التي كانوا عليها أنقذهم الله عز وجل بمحمد(ص) الذي أرسله رحمة للعالمين بعد أن قص أجنحة الظالمين ومني ببهم الرجال أي بشجعانهم، وبعد هلاك ذؤبان العرب والمردة من أهل الكتاب.
وهذا الحق الكبير عليكم لا يجدر بكم أن تتجاهلوه أو تنكروه، فليس من شيم الناس الواعين أن يجحدوا بحقوق الآخرين، وبعد كل ما قالته أصروا على الظلم وما على الرسول إلا البلاغ.
الشيخ علي فقيه


