
شَخْصِيةُ الإِمَامِ الحُسَيْنِ(ع)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
وُجُوْدُ الأَهَمِّ لَا يُبْطِلُ عَمَلَ المُهِمِّ
لا يجدر بالإنسان العاقل أن يتوانى عن العمل بالمسائل الهامة عند وجود ما هو أهم منها، لأن المهم هو الركيزة التي يقوم عليها الأهم، بل إن المهم في الغالب يكون باباً نعبر من خلاله إلى ما هو أهم منه.
ولعل الإعتماد على المهم لإدراك الأهم هو من القوانين الطبيعية في هذه الحياة، فلا غنى لنا عن الأدنى في كثير من شؤون حياتنا لأنه الطريق نحو الأعلى، وذلك كمن يريد أن يقطع مسافة طويلة فإنها مهما كانت طويلة فلا بد وأن يبدأها بخطوة التي لولاها لما وصل إلى نهاية المسافة، ولولا الذرة لَما تكونت المجرة، ولولا وجود الخلايا لما كان هناك وجود للأجسام.
ولم أذكر هذه المقدمة إلا للتمهيد وللدخول في موضوعنا الأساسي، وهو بيان شخصية إمامنا ومولانا ثالث أئمة الهدى الحسين بن علي بن أبي طالب(ع)، ولكي أستعمل هذه المقدمة في تكوين المعرفة المحيطة بكل مراحل حياته(ع)، وأيضاً من أجل الإهتمام بصغار هذه الحياة الشريفة، فإن صغارها نافع، وإن كان كبارها أنفع، غير أن الحادثة الصغيرة تُعتبر مقدمة لفهم الأحداث الكبرى.
لقد كانت جميع مراحل حياته(ع) بجميع أحداثها المختلفة والمؤتلفة الركيزة الثابتة التي قامت عليها ثورته المباركة، حيث كان لسلوكه طيلة حياته دور في إنجاح الثورة بسبب ارتباط ماضيه بحاضره ومستقبله، ولأن حياته(ع) عبارة عن سلسلة ذات حلقات يوصل بعضها بالبعض الآخر.
لقد كان لسيرته العطرة وسريرته النقية ونقاء روحه وصفاء قلبه أثر كبير على تحقيق كل الأهداف التي سعى إلى تحقيقها عبر قيامه بثورة عسكرية في زمان ومكان خاصَّين.
فلو فرضنا أن أحدهم قام بمثل ثورة الإمام الحسين في نفس البقعة وذات الظروف والأهداف، وبنفس الطريقة التي جرت فيها معركته لما كان لها الأثر الذي كان في ثورة الحسين(ع) لأن شخصية قائد الثورة هي التي تزيد في شأنها أو تُنقص منه.
ولطالما حدَّثنا التاريخ عن ثورات كبيرة وكثيرة، وهي ذات أهداف سامية، منها ما كان لها ارتباط بثورة كربلاء، ومنها ما لم تتصل بها، ولكنها لم تلقَ الرواج الذي لقيته ثورة الحسين(ع)، فلو سألني أحد عن السبب لأجبته:لأن الذي قام بها هو الإمام الحسين بن علي(ع).
فلقد انبثق عن ثورة أبي عبد الله أكثر من ثورة، وكانت بشكلها الخارجي أكبر من ثورة كربلاء، إلا أن المنفعة منها كانت محدودة، وذلك للسبب الذي ذكرته.
فأي عمل يريد المرء أن يقوم به فإنه سوف يتوقف نجاحه على أكثر من أمر:
الأمر الأول: الأهداف التي يريد أن يحققها.
الثاني: الظروف المحيطة بالثورة لأنها في كثير من الأحيان لا تكون مؤاتية بسبب التقصير في دراسة الأوضاع المحيطة أو بسبب اختيار الزمان والمكان غير المناسبَين.
الأمر الثالث: شخصية قائد الثورة التي يتوقف نجاحها على نجاح قائدها.
وهذه القواعد يجب أن نُدرجها في البحث حول شخصية الإمام الحسين(ع) ونجعلها ركيزة ثابتة للوصول إلى الغاية، فلولا تاريخه المشرق وغذاؤه الروحي الذي تلقّاه من جده وأبيه وأمه، ولولا سيرته العطرة التي امتلأت بالمواقف المشرِّفة لبقي كثير من المواقف الكربلائية مجهولة لدينا أو كانت حاملة للعديد من وجوه الإحتمالات المتضاربة.
ولأجل ذلك أمكن القول بأن عظمة الثورة نابعة من عظمة قائدها، ويؤكد هذه النظرية فشل كثير من الثورات الكبرى التي حملت من الأهداف أسماها، ومن المعاني أعمقها، ولكنها لم تدم آثارها، ولم يستمر نجاحها، لأن مستوى جوهرها يقف عند هذا الحد، أما ثورة الإمام الحسين فإن حدودها أوسع مما نتصور.
المُهِمُّ سِلاحٌ نُدَافِعُ بِهِ عَنْ الأَهَمّ
بعد أن عرفنا أهمية المهم وأنه مقدمة للدخول إلى الأهم لزم علينا التعرف على بعض المنافع من وراء المهم والتي يمكن أن تتحول إلى سلاح ندافع به عن الأهم.
فقد يستطيع بعض المخادعين من خلال التلاعب بالألفاظ والأحداث أن يزرع الشك في قلوب البعض حول فعل أو كلمة صدرت من الإمام الحسين(ع) وكان فهمها متوقفاً على فهم ماضيه، فإذا كنا جاهلين بالماضي الحسيني فلا شك بأننا سوف نضعف أمام تلك الخدع.
ولا أعني بالضعف إختلال العقيدة، وإنما أعني الشعور النفسي تجاه كلام هذا الشخص الذي لا نستطيع أن نرد كلامه إلا بمعرفة بعض التفاصيل في سيرة الإمام الحسين(ع).
وقد حاول آلاف المخادعين عبر القرون الماضية أن يزلزلوا ثقة المؤمنين بقائدهم، ولكنهم ووجهوا بالردود المناسبة من العلماء الكرام الذين فهموا النهج الحسيني تماماً وحافظوا عليه بوعيهم وفهمهم وإخلاصهم لهذا النهج القويم.
ولا يمكن لنا أن نحقق هذا الإخلاص إلا عن طريق المعرفة، ولا نستطيع أن نقف في وجوه المخادعين إلا بالوعي القائم على معرفة الحيثيات الحسينية كلها التي تبدأ بولادته وتنتهي باستشهاده، أو التي لا نهاية لها إلى يوم القيامة.
لقد واجه الأحرار الماضون أولئك المخادعين الماضين، وعلينا نحن كحسينيين أن نتبع هذا السبيل الفعّال في مسألة الدفاع عن الحقيقة وردّ الشبهات التي زرعها أتباع النهج اليزيدي الحاقد.
فَهْمُ الحَقَائِقِ مِنْ زَوَايَاهَا الضَّيِّقَة
إن كثيراً من الإرادات التي يمتلكها الإنسان في حياته نشأت من خلال التطبع والإعتياد.
وقد يتحول التصنع في الإنسان إلى ملكة لا يمكنه الإستغناء عنها، وقد تُحكِم سيطرتها على الطبيعة لتصبح جزءاً من وجود الإنسان وكيانه.
وصاحب العقيدة ليس مستعداً للتفريط بها مهما كان الثمن غالياً، فقد تستطيع أن تسلب منه روحه، ولكنك سوف تعجز عن الفصل بينه وبين عقيدته، وإن لم تكن عقيدة سليمة.
والحفاظ على العقيدة صفة جميلة وأمرٌ عظيم بشرط أن تكون صحيحة، أما إذا كانت فاسدة وهو معتقِد بصحتها فهذه هي الطامة الكبرى عليه وعلى المبلِّغ في آن واحد.
فليس من السهولة عليه أن يتخلى عن عقيدته التي أصبحت جزءاً من حياته، ولا من السهل على المبلّغ أن يقنعه إلا إذا كان يمتلك الأدلة القاطعة والبراهين المقنعة، وقد تُعمي العقيدة بصيرة صاحبها حتى مع وجود البرهان الواضح.
ونحن بدورنا نشير إلى تلك الصعوبة في الموقف حتى يساعدنا صاحب العقيدة الخاطئة على إخراج تلك العقيدة من قلبه ليحل محلها المعتقد الصحيح الذي يحمل الراحة لصاحبه في الدنيا والآخرة.
ونحن الآن أمام شخصية عظمى، وهي شخصية إمامنا الحسين بن علي(ع)، ومن واجبنا كمسلمين بالدرجة الأولى أن نفتح لكم الطريق الموصلة إلى الزوايا الواسعة، وأنتم من واجبكم الإسلامي تجاه هذه الشخصية الراقية أن تفسحوا المجال لأنفسكم وعقولكم بالترقي إلى أوسع نطاق حول تلك الشخصية، لا أن تكتفي بمعرفة زاوية واحدة أو أحداث قليلة، لأنه لا يمكن التعرف عليها إلا من خلال معرفة كل ما يتصل بها من قريب أو بعيد، فلا يكفي أن نعرف الحسين الثائر والمقاتل، ونتغافل عن الحسين العظيم والمعصوم والزاهد والعابد وصاحب القلب الكبير والصدر والواسع والأخلاق الكريمة.
ولا يكفي أن نعلم ماذا نقول نحن فيه، بل لا بد من معرفة ما يقوله غيرنا فيه، فإن ذلك يزيدنا قوة فوق قوتنا ويمكِّن الرابط الموجود بيننا وبين هذا النهج العظيم.
وَاقِعَةُ الطَّفِّ سَاعَاتٌ مِنْ نَهَار
لو اكتفينا من سيرة الإمام الحسين(ع) بخصوص ما حدث معه على أرض الطف نكون بذلك قد ارتكبنا خطئاً فادحاً في حقه وحقنا في وقت واحد، إذ كيف ندرك عظمة إنسان من خلال بضع ساعات من عمره، ونهمل سبعة وخمسين سنة لم تقلَّ أهمية أحداثها عن أهمية الحدث الأخير.
ونحن نعتقد مثلكم بأن حدث كربلاء لوحده يكفي لبيان العظمة، ولكن هذا لا يمنع من زيادة النور إلى النور.
والثورة رغم عظمتها في التاريخ والنفوس لم تكن الحدث الأوحد في حياته(ع) لأنها ارتبطت بأحداث ماضية كانت بمثابة تمهيد لتلك الثورة الكريمة.
أيها العزاء.. قد نشبع إذا أكلنا، ونروي أكبادنا الحرة إذا شربنا، ولكننا مهما شربنا من حب الحسين وأخلاقه وعلمه فلن نرتوي أبداً، بل إننا سوف نطلب المزيد لأننا كلما ازددنا معرفة بالحسين ازددنا معرفة بتفاصيل الدين والحياة لأنه هو الذي أوضح معناهما لكل الناس.
شَخْصِيَّةُ الإِمَامِ الحُسَيْنِ(ع) مِنَ المِنْظَارِ الخَاصِّ
لقد نظر الحسينيون إلى شخصية قائدهم من المنظار الصحيح الذي لا كذب فيه ولا مبالغة ولا زيادة أو نقصان، حيث علموا بأنه القائد الكبير الذي أطاع الله ورسوله ولم يشذ لحظة عن الصراط المستقيم، وأنه الإمام المعصوم الذي شملته آية التطهير وغيرها من الآيات الحاكية عن أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم.
ويعتبر هذا الإمام الكبير من عظماء التاريخ الذين قدَّموا المصالح العامة على أية مصلحة خاصة، ولم يكن للحسين في حياته أية مصلحة ذاتية، لأنه وهب حياته كلها في سبيل الله والأمة.
إننا كحسينيين ننظر إلى هذا العظيم من خلال سيرته العطرة وجهاده الكبير وبذله نفسه في سبيل ديننا.
إن الحسين(ع) هو خامس أهل الكساء الذين خلق الله الوجود لأجلهم، وهو حامل لواء الدين وناصره، وهو الذي قام بعمل عظيم أدهش به العقول لكثرة المنافع التي عادت على الناس بسببه، وقد حصل ذلك في وقت كان جميع الناس مشغولين بمعيشتهم وكسب المال، وإن كان ذلك عن طريق الذل وهدر الكرامات.
إن نظرتنا إلى الإمام الحسين(ع) جليلة وكبيرة، لأننا نعتقد كمسلمين بأن الإسلام لم يُحفظ إلا بتلك الثورة التي قادها في كربلاء، وأن المنفعة التي عادت علينا لا تقاس بكنوز الأرض لأنه قدّم في سبيلها ما هو أغلى من الكنوز والجواهر، بل وما هو أغلى من الشمس والقمر والنجوم والكواكب، وأغلى من هذه الأرض وما فيها.
ونحن كحسينيين نُقرُّ بعجزنا عن التعبير حول تلك الشخصية النادرة، ونظن بأن نفس هذا العجز هو أوضح دليل على عظمة النظرة التي نُطل من خلالها إلى هذا الإمام الكبير.
رَفْضُ الغُلُوِّ بِجَمِيْعِ أَشْكَالِهِ
رغم تعظيمنا للإمام الحسين(ع) واحتلاله المرتبة العالية في نفوسنا، ورغم كونه شفيعنا في يوم الحساب فإننا لا نرضى بالغلو فيه، لأن الغلو يزيد الأمور تعقيداً، ويعرقل الطريق أمام الأطراف المختلفة في شأنه(ع) لأن السبيل الأنفع للإقناع هو الحق كما هو من دون زيادة أو نقصان.
وإذا كان أحدهم يفتري على الحسين ويختلق الأكاذيب في شأنه فهذا لا يبرر الغلو، لأننا لسنا بحاجة إلى شيء من المبالغة لإثبات الحقيقة.
ونحن بدورنا نعتبر أنّ الغلو هو أحد أكبر العوامل المنفِّرة لأنه أشبه ما يكون بالباطل.
إن الغلو من شأن الضعفاء الذين لا يملكون علماً، وليس لديهم أدلة على صحة معتقداتهم، أما نحن فإن عندنا الكتاب والسنة، وهما أكبر البراهين على صدق معتقداتنا بالإمام الحسين(ع).
ولأجل ذلك نقول: لا فرق بين أثر العداء وأثر الغلو على المعتقد الصحيح.
إن كثيراً من الخطباء يحاولون إثبات العقيدة عن طريق المبالغة في القول ولذا فإنهم يلجأون إلى الروايات الموضوعة بهدف تعظيم الحسين(ع) مع أن استعمال هذه الروايات يزلزل العقائد الصحيحة، ويشوّه صورة العظماء.
ونحن نعتبر أن استعمال هذا المنطق في الدعوة إلى الحق يضر ولا ينفع ويعمي العين بدل أن يكحّلها.
فلا ينبغي أن نعتمد على كل ما يقع في طريقنا لأن الأيدي الخفية قد أدخلت روايات باطلة في سيرة عظمائنا بهدف التشويش.
ولذلك نجد بأنهم لا يحتجون علينا إلا بالروايات الموضوعة لعلمهم بوضعها، ولا يتجرؤون على مواجهات النصوص الصحيحة لأنها من الصعب أن تعارَض.
فلو حدثنا الناس بالواقعة كما حدثت من دون استعمال الإضافات الخارجة عن الحق لكفى ذلك في إثبات الحقيقة.
إن استعمال النصوص الغريبة هو ضربٌ من ضروب الجهل والضعف، ونحن لسنا بالضعفاء أمام معتقداتنا حتى نلجأ إلى مثل تلك الوسائل التي كان ضررها أكبر من نفعها.
الإمَامُ الحُسَيْنُ(ع) فِي نَظَرِ الرَّسُولِ الأَعْظَم(ص)
إن نظرتنا للإمام أبي عبد الله(ع) مقتبسة من نظرة النبي الأكرم(ص) له، وقد نشأ هذا التعظيم من خلال ما ورد عن النبي(ص) في شأن الحسين.
لقد كان تاريخ الرسول(ص) شاهداً كبيراً على شأن الإمام الحسين(ع) لأن كل ما صدر من النبي في حق سبطه كان دليلاً على عظمة شأنه وسمو مكانته، كما كان كاشفاً عن شخصيته الباهرة.
لقد ورد عن النبي في حق الحسين كثير من المؤشرات الدالة على ذلك، ولم يكن كلامه(ص) صادراً عن عاطفة نسبية، وإنما كان الأمر أعمق من ذلك بكثير، لأن الأهمية التي برزت من رسول الله في حق سبطه الحسين كشفت عن سر عميق وخطير في شأن هذا الغلام الذي طالما أعطانا الرسول دروساً حول شخصيته ودوره في المستقبل، وما ورد في حق الحسين كثير، ولكننا اخترنا الوقوف على بعض تلك المحطات الكاشفة عن دور الحسين في تاريخ الإسلام، وسوف نذكر من تلك الإشارات الكبيرة خمسة أمور:
الأمر الأول: الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة:
إنه قول من أقوال النبي الأكرم محمد(ص) في حق الإمام الحسين(ع) هذا الإمام العظيم الذي ترعرع في أحضان الرسالة ونشأ في بيت النبوة وتغذى بالأخلاق الرسالية التي اتصف بها جده الأعظم(ص).
ولم يصدر هذا الكلام عن رسول الله بداعي العصبية أو النسبية أو المودة الخاصة لأن النبي(ص) لا يتعامل مع الغير من باب القرابة النسبية، ولا يقوم بأي أمر إلا بوحي من الله سبحانه وتعالى، وقد حصر النبي(ص) مسألة الفوز والنجاة في اتباع النهج الحسيني الذي هو نهج الحق والقرآن والإسلام.
وهذا يكشف عن كون الحسين(ع) هو الصراط المستقيم الذي يجب اتباعه دون سواه لأنه حامل الرسالة وحافظ الدين من التغيير والتبديل، ولم يحفظ الإسلام بقوله فقط وإنما حفظه بروحه الطاهرة ودمه الزكي.
إن الإمام الحسين(ع) بثورته المباركة قد أنار الطريق أمام الناس فرأوا الحق واتبعوه ببركة تلك الثورة ولأجل ذلك كان الحسين مصباح الهدى الذي أنار طريق الحق للراغبين بالسير فيه.
وكذلك كان مثله كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا من الغرق، ومن ركب الباطل الذي كان متمثلاً بيزيد وأعوانه فقد هوى وغرق فيبحور الضلال.
الأمر الثاني:حسين مني وأنا من حسين
يمكن لنا أن نفسر هذه العبارة من جهتين:
الجهة الأولى: وهي حمْلُها على المعنى النسبي، ولا أحد من الناس ينكر القرابة النسبية بين الحسين وجده.
الجهة الثانية: وهي حملها على معنى أعمق من المعنى النسبي بمراتب.
فإن كان النبي قاصداً المعنى الأول كان بذلك يرد على الذين فرقوا بين النبي والحسين لأنه ابن بنته وليس ابن إبنه، فحاول النبي(ص) أن يرد عليهم بأن الحسين أقرب إليه من ولد الولد.
ولكننا نفهم من هذه العبارة أن النبي(ص) يريد أن يبين للناس أنّ نهج الحسين هو نهج جده، وعلى كل من اتبع النهج المحمدي أن يتبع النهج الحسيني لأن مصدرهما واحد ومصبهما واحد وهو الحق المطلق.
وما نفهمه من هذه العبارة هو أن الرسالة التي أتى بها النبي من عند ربه هي التي حملها الحسين ودافع عنها.
الأمر الثالث:أَحَبَّ الله من أحبَّ حسيناً:
يرتبط هذا الأمر بالأمر الثاني لأنه ورد في نفس النص، وقد نتساءل حول هذه الحقيقة التي قد ينظر إليها البعض من الناحية العامة المُشعِرة بالتعصب، ونعيد القول بأن النبي لا ينطق عن الهوى، ولا تملكه تلك المشاعر التي تمتلك البشر العاديين، فلا ينبغي أن نقيس وضع النبي بأوضاعنا، وإنما يجب حمل كلامه على أسمى المعاني وأرقاها.
إن الإمام الحسين(ع) عزيز على الله سبحانه وتعالى لأنه عبدٌ من عباده الصالحين الذين لا يرون في حياتهم سوى الخالق وحده.
ومما لا نشك به هو أن الذين يحبون الحسين لكونه إماماً يدعو إلى الحق سوف يتبعون طريقه، وهذه الطريق هي طريق الطاعة، فإذا ادعى أحدهم حب الحسين ولم يكن مطيعاً لله فلا يكون محباً، لأن المقصود بالحب هنا هو الحب الذي يستتبع السير في خطى المحبوب.
إن الحب المجرد عن الإقتداء الفعلي بالمحبوب لا يغني عن صاحبه شيئاً لأن الحسين(ع) لا يحب سوى المطيعين لربهم المخلصين له، فهو لا يتفاعل مع تلك الشعارات والهتافات ولا يؤخَذ بالكلام المعسول، لأنه لم يصنع ما صنعه من أجل أن نهتف له وننظم الشعر في حقه، وإنما ضحى بنفسه من أجل أن نطيع الله طاعة حقيقية.
فمن أحب الحسين بما يمثله الحسين كان هذا المحب من أحباب الله، ولا شك بأن هذا النوع من الحب يعقبه الجنة.
الأمر الرابع:الحسن والحسين إمامان
لم يقصد الرسول بذلك مجرد المدح وبيان الواقع، وإنما أراد من خلال هذه العبارة أن يدعونا إلى اتباعهما لأنهما إمامان نصبهما الله تعالى لهذا المنصب العظيم الذي لا يحتله سوى العظماء.
الأمر الخامس:الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة:
إذا كانت هذه هي العاقبة للحسين فمعنى ذلك أنه على الحق، وأنه يقود أتباعه خلفه.
ويتضمن هذا النص دعوة لإتباع الحسين فإنه القائد إلى الحق والخليفة الحق الذي أوجب الله طاعته.
كلامُهُ(ع) أَعْظَمُ كاشِفٍ عَنْ شَخْصِيَّتِه
لقد تحدثنا كثيراً حول شخصية الإمام الحسين(ع) قاصدين بذلك الكشف عن شخصيته، ولكننا مهما أطلنا الكلام وأفصحنا في البيان فلن يكون أوضح من كلام المقصود.
لقد صدر من الإمام الحسين(ع) عبارات كثيرة كشفت لنا عن جوهره المشع بأنوار المعرفة والإيمان، وأظهرت لنا حقيقة شخصيته التي لا ينبغي أن يختلف فيها اثنان بعد هذا البيان.
فمن جملة كلامه الكاشف عن أهدافه قوله(ع)”والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد” أو أقر إقرار العبيد:
ومنها، قوله”ومثلي لا يبايع مثله” يقصد بذلك يزيد بن معاوية.
ومنها، قوله”إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح”
ومنها،قوله”ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه”
ومنها،قوله”شاء الله أن يراني قتيلاً”
ومنها،قوله”أللهم إني أحب المعروف وأنكر المنكر”
ومنها،قوله”خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف”
أيها الأعزاء..إن دل هذا الكلام على شيء فإنما يدل على شخصيةٍ بلغ صاحبها أعلى مراتب الكمال البشري.
ثم إن كل كلمة صدرت من الإمام الحسين في حياته كانت كاشفة عما في ضميره المستنير بالأنوار القدسية.
الإمامُ الحُسَينُ(ع) مِنَ المِنْظَارِ العَام
بعد أن تحدثنا عن شخصية الإمام الحسين(ع) من المنظار الخاص وأبدينا وجهة نظرنا حولها وكيف يجب أن نتعاطى معها، لزم علينا بيان وجهات النظر الأخرى لنرى كيف ينظر أولئك إلى هذه الشخصية الكبرى.
ولا شك بأن هناك اختلافاً بين النظرتين الخاصة والعامة رغم أن بعض أصحاب وجهات النظر الأخرى لا يقلون عنا معرفة بتفاصيل معنى الحسين، ولكنهم لا يتعاطون معه كما نتعاطى نحن معه لأسباب خاصة فيهم قد لا تشكِّل لهم مبرراً في يوم الحساب.
ولا نشك بأن وجهات النظر في الأطراف الأخرى ليست واحدة، فإن منهم العقلاء الأحرار، ومنهم العقلاء الأشرار، ومنهم الجهلاء من كلا النوعين، ولكل واحد منهم أثره الخاص في عملية الكشف عن تلك الشخصية.
أما أهل العداوة والبغضاء والتعصب الأعمى فلن نقف على آرائهم لأنها لا تؤثر في معتقدنا سوى تقدماً وثباتاً، ولكننا سوف نذكر بعض ما قيل في حق الإمام الحسين(ع) من قبل أصحاب الفكر الحر.
قال عباس محمود العقاد:
“مثل للناس في حلة من النور تخشع لها الأبصار، وباء بالفخر الذي لا فخر مثله في تواريخ بني الإنسان،…فليس في العالم أسرة أنجبت من الشهداء من أنجبتهم أسرة الحسين عدة وقدرة وذكرة، وحسبه أنه وحده في تاريخ هذه الدنيا الشهيد ابن الشهيد أبو الشهداء في مئات السنين”
قال عمر أبو النصر:
“هذه قصة أسرة من قريش..حملت لواء التضحية والإستشهاد والبطولة من مشرق الأرض إلى مغربها..قصة ألف فصولها شباب ما عاشوا كما عاش الناس ولا ماتوا كما مات الناس، ذلك أنّ الله شرّف هذه الجماعة من خلقه..بأن جعل النبوة والوحي والإلهام في منازلها..وأرادها للمثل العليا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكتب لها أن تتزعم لواء التقوى والصلاح إلى آخر ما يكون من ذريتها”
وقال عبد الحفيظ أبو السعود:
“عنوان النضال الحر، والجهاد المستميت، والإستشهاد في سبيل المبدأ والعقيدة، وعدم الخضوع لجور السلطان وبغي الحاكمين”
وقال احمد حسن لطفي:
“إن الموت الذي كان ينشده فيها كان يمثل في نظره مثلاً أروع من كل مثل الحياة، لأنه الطريق إلى الله الذي منه المبتدأ وإليه المنتهىولأنه السبيل إلى الإنتصار وإلى الخلود”
وقال صاحب كتاب(الشهيد الخالد الحسين بن علي)
“إن سيرة البطل الشهيد الإمام الحسين بن علي جديرة بأن ينقشها العرب جميعاً على تنوع ميولهم ومذاهبهم في أمواق أفئدتهم، ذلك لأن هذه السيرة إنما هي سيرة التضحية والعقيدة، سيرة العزة والكرامة”
وقال عبد الله العلايلي:
“كان صورة احتبكت ظلالها من أشكال جده العظيم، فأفاض النبي(ص) عليه إشعاعة غامرة من حبه وأشياء من نفسه ليتم له أيضاً من وراء الصورة معناها فتكون حقيقية من بعد ما كانت من قبل إنسانية ارتقت إلى نبوة(أنا من حسين) ونبوة هبطت إلى غنسانية(حسين مني) فسلام عليه يوم ولد”
وهذا غيض من فيض ما ورد في بيان شخصية الإمام الحسين(ع) عن طريقي الخاصة والعامة.
الشيخ علي فقيه



