
المغالون في الدين
في هذا البحث سوف أطرق باباً قلّ من يطرقه بسبب حساسيته ودقته واختلاف وجهات النظر فيه، وهو الغلو في العقيدة والأشخاص، والغلو ليس حباً عادياً بل يتجاوز هذه الحدود الطبيعية ليصل إلى حد لا يقر به الشرع الحنيف، وأرى من أهم الواجبات الدينية ومن باب الغيرة وبيان الحق وتصحيح مجموعة كبرى من المسالك أن أتعرض لمثل هذا النوع من الكلام لنضع النقاط على الحروف ونُظهر الفرق بين الحب والغلو وآثار كل واحد منهما وذلك بسبب كثرة انتشار هذا النوع من أنواع الحب المفرط الذي عَمِيَتْ به القلوب وتزلزلت به قدرات العقول فحصل بسبب ذلك خَلْط بين الوهم والحقيقة والحق والباطل حيث انطبق على المغالين قوله تعالى(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا)
ونحن نعرف كثيراً ممن هم مسؤولون مباشِرون عن التوعية والتعليم والتصحيح والإصلاح قد خافوا من خوض مثل هذا الكلام لاعتبارات لا تشكّل عند الله تعالى عذراً شرعياً فهم يخافون من عملية انقلاب عليهم أو حملات التشهير والتشويه، ولو أردنا أن نقتدي بنبينا وآله(ص) للزم علينا التحرك المباشر في بيان هذه الحقائق وذلك من باب(وقفوهم إنكم مسؤولون) ومن باب من رأى منكم منكراً فليغيره بيده أو لسانه، فإن أهم مسؤولية ألقيت على عاتق المبلغ هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر بحمل هذه المسؤولية والشروع بها واضح في كتاب الله حيث قال تعالى(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فالرسول وآله لم ينظروا إزاء واجباتهم إلى كل الإعتبارات الأخرى لأن شعورهم بالمسؤولية الشرعية أبعد عنهم أشباح تلك الإعتبارات التي يعتبرها العاقل واهية لا قيمة لها في موازين العقيدة، فامتناعك عن بيان هذه الحقائق الحساسة التي هي ضرب من ضروب إصلاح الدين والفرد والمجتمع هو هروب من المسؤولية ورضا بالباطل وخوف من المخلوق دون الخالق، فالمبلغ يجب أن ينطلق في تبليغ الحق من قوله تعالى(فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي) وقوله الكريم(والله يعصمك من الناس)
فالذي يخاف من ألسنة الناس ومن القيل والقال أو الذي يخاف أن تتأثر معيشته من بيان الحق فالأجدر به أن يستقيل ويتنحى جانباً ويترك هذه المسؤولية لمن تصدى لها حقاً وصدقاً قولاً وفعلاً، فإما أن يتشبّه المبلغ بشجاعة النبي وآله وإما أن يجلس في بيته ويترك الأمر لمن هو أهل لحمل تلك المسؤولية، وهناك قضايا هي من مسؤولية المبلغين وقضايا يشترك معهم فيها بالمسؤولية كافة المسلمين، نحن عندما نقول إن المسؤولية تقع على عاتق المبلغ إنما نقصد بذلك القضايا الخاصة به والتي لا يقدر عليها سواه كاستنباط الأحكام وتعليمها للناس، أما موضوع الحفاظ على الدين فهو مسؤولية الجميع من دون استثناء سواء كنا من العلماء أو من الجهلاء أو كنا رجالاً أو نساءاً، فعلى كل مسلم منا أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بحسب قدرته ومعرفته فإذا لم يكن يعرف وجب عليه أن يتعلم، فمنطق لا دخل لي بعيد عن منطق الدين ومنتفٍ من قاموس الإسلام، فإذا رأيت احداً يرتكب الخطأ أو يزور الحقائق أو يضع الأحاديث الكاذبة وينسبها إلى النبي وآله وجب عليك أن ترده عن غيه أو تخبر أهل المعرفة بذلك، المهم هو أن تقوم بواجبك الديني تجاه دينك وتُظهر له محبتك له وغيرتك عليه.
فأنت أيها المسلم مخيّر بين أمرين إما أن تخشى الناس لأي سبب من الأسباب أو تخشى الله تعالى، وكلنا معرّضون لمثل هذا الإمتحان، سواء في بيوتنا أو أماكن عملنا أو مؤسساتنا فلو أمرك رب العمل بظلم أحد أو بارتكاب معصة وهددك بالطرد فلا ينبغي أن تطيعه ولا تخش الفقر والجوع فإن الله تعالى لا يتركك لأنك لم تتركه بل ينبغي أن تعمل بما يأمرك به دينك الذي لا يأمر رعاياه إلا بالخير لهم ولغيرهم وفي دنياهم وآخرتهم.
نأتي إلى أساس البحث وصلب الموضوع لنلقي عليه بعض الأضواء ونبيّن بعض النماذج حتى نحذر من أهلها ونبيّن أيضاً كيفية معالجة هذا الداء الذي أصبح منتشراً بيننا بشدة وقوة.
فمن الناس من يفعل شيئاً أو يقول كلمة يظنها خيراً وهي في الواقع عين الشر فيعمل برأيه المتشنج من دون أن يرجع إلى أهل الخبرة ويسأَلَهم فيحسب أنه من المحسنين وأنه يقدم خدمة لدينه ومعتقده وقد تغافل عن الجانب السلبي لهذا الفعل أو هذا القول فأراد أن يكحلها ففقأ لها عينها، فقد أحب هذا المغالي أشخاصاً فأفرط في حبهم حتى قال فيهم ما ليس فيهم ونقل عنهم ما لم يصدر عنهم لاعتقاده بأنه يكشف الحقيقة للناس وغفل عن أنه زاد الأمور تعقيداً.
والغلو لا يختص بفئة أو معتقد أو أي شيء آخر فقد يغالي المرء في حب هرة وعشْقِ فراشة فيصفها بأجمل الأوصاف التي تفوق حجمها الطبيعي.
فهؤلاء المغالون هم أصحاب التعصب الأعمى الذي يرفضه العقل والإسلام ويرفضه الأشخاص الذين نغالي فيهم، فكيف تظن بأنك تحسن في مغالاتك مع أن الذين تغالي فيهم قد حذروك مراراً من الغلو وجعلوه في عرض واحد مع البغض الشديد، وهو معنى قول أمير المؤمنين(ع) :هلك فيَّ رجلان: محبٌ غال ومبغض قال: فالمحب الغال هو المفرط بموازين الحب، والمبغض القال هو شديد البغض والكراهية، وعاقبة كليهما واحدة، وهي الهلاك، يعني أنت إذا عشقت محمداً(ص) إلى درجة أنك جعلته بمستوى الإله فقد خرج حبك له عن القاعدة ودخلت في مرحلة الإساءة التي تظنها من الإحسان، ولا شك بأن الذي يدعوك إلى المغالاة إنما هو الشيطان الرجيم، أما النبي وآله فقد نهوا الناس عن الغلو لأنه باب من أبواب النار.
هناك مواقف واضحة تجاه الغلو تكشف لنا أنه سلوك شيطاني ولكن بصورة رحمانية أي في ظاهره الرحمة وفي باطنه العذاب، أما موقف القرآن من الغلو فواضح وصريح حيث قال سبحانه(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ) وهنا اعتراض واضح على ممارسة هذا السلوك الذي لا يرجع على أهله إلا بالخسارة.
ولا تختلف مواقف الرسول وآله عن موقف القرآن لأنهم تراجم الوحي الإلهي فلا ينحرفون عن الجادة مقدار ذرة، وكلامهم عن الغلو يجب الأخذ به ولكننا نتفاجأ ببعض المغالين لا يلتزمون بكلام الرسول وآله في هذا المجال فيصرون على الغلو فيهم مع أنهم(ع) قد رفضوا ذلك، أنت أيها العاقل كيف تتقرب إلى أشخاص بما يكرهون، هل أنت أعلم من النبي وآله؟ أو أنت أقرب إلى الله منهم، ولذا فإن حبك المغالي لهم لا يعود عليك بشيء من المنفعة لأنه يغاير الطريق الموصلة إليهم وإلى غاية أهل الإيمان.
فكما تترك المحرمات الواضحة خوفاً من الله تعالى فكذا يجب أن تترك الغلو لأنه لا يقل بحرمته أهمية عن حرمة الكبائر التي تنتهي بالنار.
تعالوا معاً لنقف قليلاً على رأي الرسول وآله في الغلو، ولا أريد أن أعلق على أي كلام لأنهم كلامهم هو الحجة وهو الفصل وهو الميزان الإلهي إن صح التعبيرن ولكنني أريد بعد ذكر كلامهم أن أوجه بعض النصائح وأبين بعض الحقائق للمغالين الذين انتشروا بيننا وأصبح لهم مؤيدون كثر من بسطاء الناس علهم يتراجعون عن غيهم، والعجيب أن هؤلاء المجانين يتهمون العقلاء بالجنون، وهؤلاء الضالين يتهمون أهل الهداية بالضلال، فأصبح الضحية في نظرهم جزاراً والجزار ضحية، وهذا منطق المنحرفين عبر الزمن وعباد الحكام والسلاطين ممن باعوا دينهم بدنياهم ودنيا غيرهم.
قال(ص) : لا ترفعوني فوق حقي فإن الله تعالى اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً: فالمعنى من هذا الحديث واضح لا يجوز اللعب على ألفاظه لأن النبي لو أراد غير ذلك لبيّنه حيث لا يترك الرسول شيئاً يحتاج إلى توضيح، فالمعنى من هذا الحديث هو رفض الغلو فإن النبي لا يريد منا سوى أن نقول ما هو فيه لأن ما فيه وحده يكفي لصد كل هجمات العداء ويكفي لأن نحاجج به ونناقش به ونناظر به ونستدل به على الحقائق.
وأنا أدرك بأن هناك أشخاصاً لا يرضيهم هذا النوع من الكلام بل يعتبرونه كفراً وخروجاً عن العقيدة وقد سمعنا الكثير من تلك العبارات إزاء بياننا لهذه التفاصيل، ولكنني لا أعبأ بكلامهم ولا أنصت لضلالهم فأنا أملك من الحجة ما لا يملكون وأعرف من علم أهل البيت ما لا يعرفون وإنه لشرف عظيم لي أن أقف على ما ورد عنهم فقط، فقولك بما لم يرد عنهم هو تجاوز واضح لهم إذ لعل مدحك لهم بما لم يرد عنهم فيه نقيصة ومذلة وعيب أنت أيها العملاق لا تعرف ذلك، فإذا كان خُزّان علم الله وأمناء وحيه قد نهوا الناس عن وصفهم بما ليس فيهم وما لم يرد عنهم فكيف تتجرأ عليهم وتعمل عكس إرادتهم وتقول فيهم ما لا يقبل به الله عز وجل بل ما نزههم الله عنهم، فكم من مدح أريدَ به الذم وكم من كلام حق أريدَ به الباطل.
وأنا أدرك تماماً جوهر الرد عليَّ وعلى أمثالي ممن يقولون الحق ولا يخرجون عن الحدود، سوف يواجهنا المغالون برواية قد تكون صحيحة وقد تكون غير ذلك، فإن كانت صحيحة فالفساد في فهم معناها، وإن لم تكن صحيحة فذلك عن تقصير في المقدمات المطلوبة في التحقيق، ليس كل من قرأ كتاباً أو حفظ مئة حديث أصبح عالماً، وليس كل من وضع المقارنات أصبح محققاً فإن للعلم طرقه وللتحقيق أساليبه وأبوابه، وليس كل من صعد المنابر وكذّب على الناس أصبح من أهل العلم، وليس كل من أجرِيَتْ معه المقابلات على النِت أصبح من أهل الفكر والحكمة، هناك أشخاص يُخدعون بسهولة ويستدرجهم الشيطان الغوي بأبسط الطرق، فإذا سمع هؤلاء مدحاً من أحد فلا شك بأن هذا الأحد أجهل منهم لأنه لو لم يكن كذلك لما أنصت إليهم ولما سمع كلامهم ومحاضراتهم المصبوغة بصبغة خدام أهل البيت وحب الحسين وكأنهم هم يحبون الحسين فقط دون غيرهم، لماذا تظنون هكذا هل لأنكم تكذبون وتصدقون أنفسكم، وهل لأن من هو أجهل منكم قد صدقكم وأخذ برأيكم الذي لا ينسجم مع أوليات فكر أهل البيت.
ومع الأسف فإن كثيراً من الناس يعجبهم هذا النوع من الكلام لأنه يشتمل على الخرافات والأكاذيب والأضاليل والإنحرافات، والسبب الوحيد لصدور هذه المغالاة هو جهل المغالين بالحقيقة وعدم امتلاكهم للعلم الذي هو السلاح الأقوى في مواجهة الشر وأذنابه، عليكم أن تسيروا على قاعدة واضحة ومحددة حتى تنجحوا في حياتكم وتخرجوا من قمقم الغلو الذي ارتفعتم به بين الجهلاء وسافرتم به من بلد إلى بلد وشوهتم صورة الإسلام بجهلكم ونفسياتكم الوضيعة وقولِكم عن أهل البيت بما لا يرضون به بل بما نهوا عنه مراراً.
إن المغالين هم الأعداء الأوائل للنبي وآله(ص) لأن سهام الغلو أوجع على قلب النبي من سهام البغض والكفر فالكافر يستعمل كفره لإبراز ضلاله أما المغالي فهو يستعمل كلام القرآن وكلام المعصومين لأبراز ضلاله فكانت جريمة المغالي مركّبة من جريمتين.
وهذا الحديث الشريف الذي استشهدت به في المقام لم يسلم أيضاً من سهام غيهم وضلالهم وجهلهم، فهم حملوه على غير وجهه وقالوا فيه ما لم يُرَد به، ولو أراد الرسول أن يبين شيئاً غير الذي قال لبينه ولا يمنعه أحد من ذلك، وقد خاض الرسول تجارب صعبة وبيّن فيها الحق لضرورة أن يظهر الحق في تلك الآونة، وهنا لو أراد الرسول أن يصف نفسه بغير العبودية والنبوة لوصف نفسه ولكنه لم ير حاجة للزيادة فاكتفى بالمقدار الذي ذكره، فلم يكن في موضع تواضع أو غير ذلك بل كان في مقام بيان الحقيقة التي ظهرت جلية في كلامه فهذا هو الحق من دون زيادة ولا نقصان، وما ذكرناه حول هذا الحديث يصلح الإحتجاج به في غير هذا الحديث مما ورد عن النبي أو أحدٍ من آله(ص)
الشيخ علي فقيه



