
قِصةُ مُسَاوَمَةِ قُرَيْشٍ لأبي طالب
رجلٌ كفِل نبي الإسلام ودافع عنه بكل الوسائل المتاحة لديه، وتحمّل من الأذى في سبيل حفظ الرسالة والرسول ما لم يتحمّله أحد في ذلك الزمان،وكان أباً له في العطف، وأماً له في الحنان جديرٌ بأن يوصف بمؤمن آل قريش، ويُشبَّه بمؤمن آل فرعون، ومن واجبنا تجاه هذا الرجل العظيم أن ندافع عنه ونرد تلك التّهم الباطلة التي ألصقها به أعداء الحق حتى تنجلي الصورة وتظهر الحقيقة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر.
أبو طالب رضوان الله عليه مؤمنٌ بالله والرسول، وإنه إن أخفى إيمانه فلأجل حماية الدين، والنبي(ص) لم يدعُه إلى الإيمان لأنه مؤمن، فلو لم يكن مؤمناً كما ادعى أهل الباطل لوجب على النبي أن يدعوه إلى الحق كما فعل خليل الله إبراهيم مع عمه آزر، ولا يَبعُد أن يكون إخفاؤه لإيمانه جاء بطلبٍ من رسول الله(ص) الذي لا ينطق عن الهوى.
وعندما لم يفعل النبي ذلك، وعندما حزن على موته حزناً عميقاً، وعندما أطلق على العام الذي توفي فيه(عام الحزن) وعندما قال ما قال يوم وفات عمه لَأكبر دليل على كونه عاش مؤمناً ومات على الإيمان.
وإليكم ما قاله نبي الرحمة يوم وفاة عمه أبي طالب والذي يدل بكل وضوح على كونه مات على الإيمان.
فعندما حُمل أبو طالب على نعشه اعترض النبي جنازته وقال على الملأ: وصلتكَ رحمٌ يا عمِّ وجزِيتَ خيراً، فلقَدْ رَبَّيْتَ، وكفلْتَ صغيراً، ونصرْتَ وآزرْتَ كبِيراً، ثُمَّ تَبِعَهُ إِلَى حُفرتهِ، فوقف عليه، فقال: أَمَ واللَّهِ لأَستغفرنَّ لَكَ ولأَشْفَعَنَّ فيكَ شفاعةً يعجبُ لها الثَّقَلان.
ولا يخفى على أي مسلم عاقل أن الأنبياء لا يشفعون للكفار، وبقولهم أن أبا طالب مات كافراً يكذّبون رسول الله ويتهمونه بالمعصية والعياذ بالله، أم أنهم يفترون على الله الكذب ويتهمون أبا طالب ظلماً، وهو الصحيح.
ولن أخفي عليكم سبب اتهام أبي طالب بالكفر، لقد اتهموه بذلك ليشوّهوا بسمعة ولده أمير المؤمنين علي(ع) لا أكثر ولا أقل.
لقد بدأ الإسلام بالظهور علناً، وكثُر المؤمنون بالله ورسوله مما أشعر قادة قريش بالخوف والقلق، وأول شيء نووا فعله هو قتل النبي(ص) ولكنّ الذي منعهم عن قتله هو عمه العظيم أبو طالب الذي كان أحد سادات مكة، ولم يجرؤ أحد من القوم على مواجهته.
لقد حاولوا أن يكذّبوا الرسول والرسالة فكان المنطق السليم والدليل القاطع أقوى منهم ومن كيدهم، وقد استعانوا بالعتاة والجبابرة منهم وأهل العلم والفصاحة والبلاغة لتكذيب القرآن فما استطاعوا، فلم يبق أمامهم سوى الذهاب إلى عمه أبي طالب ليستعينوا به على ابن أخيه الذي كانت منزلته في قلبه كمنزلة أحب أولاده إليه، وهذا ما صرّح به أبو طالب بقوله: إنّ ابن آمنة النبي محمداً عندي يفوق منازل الأولاد:
فبعد ما جرى بينهم وبين رسول الله(ص) ما جرى راح قادة قريش يطالبون عمه أبا طالب بردعه عن تلك الدعوة فأتوا إلى داره وقالوا له: يا أبا طالب إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفَّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، فإمّا أن تكفّه عنّا، وإمّا أن تُخلّي بينا و بينه، إلاّ أنّ أبا طالب رَدّهم بقولٍ جميلٍ حكيمٍ:
ولكن الدين الجديد انتشر بقوّة بين العرب، فأدرك طغاة قريش أنّ محمّداً بدأ يفتح له مكاناً في قلوب جميع القبائل، فكثر أنصاره منها، وشعروا بالأخطار التي أحدقت بهم وبعقائدهم نتيجة نفوذ الاِسلام وقوّته فقالوا : إنّا واللّه لا نصبرُ على هذا من شتم آبائنا وعَيب آلهتنا حتى تكفّه عنّا أو ننازله وإيّاك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين، فسكّن غضبهم وأطفأ ثائرَتهم وهدّأ خواطرهم، ليتم معالجة هذه المشكلة بطريقةٍ أفضل.
فأتى النبي (ص) وأخبره بأمرهم، فردّ عليه بالجواب التاريخي الخالد، والذي يعتبر من أسطع وألمع السطور في حياة قائد الاِسلام الأكبر محمّد (ص) : يا عمّ، واللّه لو وضعوا الشمس في يميني والقمرَ في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهِرَه اللّه، أو أهلك فيه، ماتركته: ممّا أثر في عمّه بتلك الكلمات العظيمة، فأظهر استعداده الكامل للوقوف إلى جانبه قائلاً: إذهب يا ابن أخي فقل ما أحببتَ ،فواللّه لا أُسْلِمَكَ لشيءٍ أَبداً:
وحاولت قريشٌ مساومة أبي طالب مرةً أُخرى، للتخلّص من النبي ودعوته، إلاّ أنّه رفض أي نوع من المساومة في هذه القضية، محافظاً على محمّد ودينه.
فسلكوا طريقاً آخر، وهو تطميعه بالمناصب والهدايا والأموال:فإن كنتَ إنّما جئتَ بهذا الحديث تطلبُ به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنتَ إنّما تطلب الشرفَ فينا فنحن نسوِّدُكَ ونشرِّفك علينا،وإن كان هذا الذي يأتيك تابعاً من الجنّ قد غلب عليك،بذلنا أموالنا في طِبّك.
إلاّ أنّ الرسول (ص) قال لعمّه: «يا عمّ أريدهم على كلمةٍ واحدة يقولُونها، تدين لهم العرب، وتوَدّي إليهم بها العجم الجزية».
قالوا: ما هي؟ قال: «لاإله إلاّ اللّه». فقاموا فزعين قائلين: (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إِن هذا لشيء عجابٌ).
ومنذ تلك اللحظة ازداد غضبهم على أبي طالب الذي لم يكترث لهم ولا لتهديداتهم مبيّناً لهم عظمة ابن أخيه في نفسه ومنزلته في قلبه فرجعوا خائبين وخالي الوصال.
وهذه بعض المواقف الطيبة لأبي طالب الذي اتهموه بأنه مات كافراً حسداً له ولابنه، وسيبقى اسم أبي طالب خالداً في سجلات أهل الإيمان عبر التاريخ رغماً عن أنوف المنكرين لإيمانه وفضله.
الشيخ علي فقيه

