
الجزء الرابع من المُناظرة الأولى
قال العلوي: ومن انحرافاتكم وأباطيلكم – أنتم السنة – حول الله سبحانه أنكم تقولون: إن الله يجبر العباد على المعاصي والمحرمات ثم يعاقبهم عليها؟ قال العباسي: إن الله يقول: * (ومن يضلل الله) ويقول: * (طبع الله على قلوبهم)
قال العلوي: أما كلامك أنه في القرآن، فجوابه: إن القرآن فيه مجازات وكنايات يجب المصير إليها، فالمراد (بالضلال) أن الله يترك الإنسان الشقي ويهمله حتى يضل، وذلك مثل قولنا: (الحكومة أفسدت الناس) فالمعنى أنها تركتهم لشأنهم ولم تهتم بهم، هذا أولا وثانيا: ألم تسمع قول الله تعالى: * (إن الله لا يأمر بالفحشاء) *. وقوله سبحانه: * (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) *. وقوله: * (وهديناه النجدين) *.
وثالثا: لا يجوز عقلا أن يأمر الله بالمعصية ثم يعاقب عليها، إن هذا بعيد من عوام الناس فكيف من الله العادل المتعال سبحانه وتعالى عما يقول المشركون والظالمون علوا كبيرا.
قال الملك: لا، لا يمكن أن يجبر الله الإنسان على المعصية ثم يعاقبه، إن هذا هو الظلم بعينه، والله منزه عن الظلم والفساد * (وأن الله ليس بظلام للعبيد) *، ولكن لا أظن أن أهل السنة يلتزمون بمقالة العباسي؟
ثم يوجه الملك خطابه إلى الوزير قائلا: هل أهل السنة يلتزمون بذلك؟
قال الوزير: نعم المشهور بين أهل السنة ذلك
قال الملك: كيف يقولون بما يخالف العقل؟
قال الوزير: لهم في ذلك تأويلات واستدلالات.
قال الملك: ومهما يكن من تأويل واستدلال، فلن يعقل ولا أرى إلا رأي السيد العلوي بأن الله لا يجبر أحدا على الكفر والعصيان، ثم يعاقبه على ذلك؟!
قال العلوي: ثم إن السنة يقولون إن رسول الله (ص) كان شاكا في نبوته
قال العباسي: هذا كذب صريح.
قال العلوي: ألستم تروون في كتبكم أن رسول الله قال: (ما أبطأ علي جبرئيل
مرة إلا وظننت أنه نزل على ابن الخطاب) مع العلم أن هناك آيات كثيرة تدل على أن
الله أخذ الميثاق من النبي محمد (ص) على نبوته؟
قال الملك – موجها الخطاب إلى الوزير -: هل صحيح ما يقوله العلوي من أن
هذا الحديث موجود في كتب السنة؟
قال الوزير: نعم يوجد في بعض الكتب
قال الملك: هذا هو الكفر بعينه.
قال العلوي: ثم إن السنة ينقلون في كتبهم أن رسول الله (ص) كان يحمل عائشة على كتفيه لتتفرج على المطبلين والمزمرين، فهل هذا يليق بمقام رسول الله ومكانته؟
قال العباسي: إنه لا يضر.
قال العلوي: وهل أنت تفعل هذا، وأنت رجل عادي، هل تحمل زوجتك على كتفك لتتفرج على الطبالين؟؟
قال الملك: إن من له أدنى حياء وغيرة لا يرضى بهذا فكيف برسول الله وهو
مثال الحياء والغيرة والإيمان. فهل صحيح أن هذا موجود في كتب أهل السنة؟
قال الوزير: نعم موجود في بعض الكتب
قال الملك: فكيف نؤمن بنبي يشك في نبوته؟
قال العباسي: لا بد من تأويل هذه الرواية؟
قال العلوي: وهل تصلح هذه الرواية؟، أعرفت أيها الملك أن أهل السنة يعتقدون بهذه الخرافات والأباطيل والخزعبلات؟
قال العباسي: وأي أباطيل وخرافات تقصد؟
قال العلوي: لقد بينت لك أنكم تقولون:
1 – إن الله كالإنسان له يد ورجل وحركة وسكون.
2 – إن القرآن محرف فيه زيادة ونقصان.
3 – إن الرسول يفعل ما لا يفعله حتى الناس العاديين من حمل عائشة على كتفه.
4 – إن الرسول كان يشك في نبوته.
5 – إن الذين جاؤوا إلى الحكم قبل علي بن أبي طالب استندوا إلى السيف
والقوة في إثبات أنفسهم، ولا شرعية لهم.
6 – إن كتبهم تروي عن أبي هريرة وأمثاله من الأباطيل.
قال الملك: دعوا هذا الموضوع وانتقلوا إلى موضوع آخر.
قال العلوي: ثم إن السنة ينسبون إلى رسول الله (ص) ما لا يجوز حتى على الإنسان العادي!
قال العباسي: مثل ماذا؟
قال العلوي مثل أنهم يقولون: إن سورة * (عبس وتولى) * نزلت في شأن الرسول!
قال العباسي: وما المانع من ذلك؟
قال العلوي: المانع قول الله تعالى: * (وإنك لعلى خلق عظيم) * وقوله: * (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) *، فهل يعقل أن الرسول الذي يصفه الله تعالى بالخلق العظيم ورحمة للعالمين أن يفعل بذلك الأعمى المؤمن هذا العمل الإنساني؟
قال الملك: غير معقول أن يصدر هذا العمل من رسول الإنسانية ونبي الرحمة، فإذن أيها العلوي: فيمن نزلت هذه السورة؟
قال العلوي: الأحاديث الصحيحة الواردة عن أهل بيت النبي الذين نزل القرآن في بيوتهم تقول إنها نزلت في عثمان بن عفان، وذلك لما دخل عليه ابن أم مكتوم فأعرض عنه عثمان وأدار ظهره إليه، وهنا انبرى السيد جمال الدين (وهو من علماء الشيعة وكان حاضرا في المجلس) وقال: قد وقعت لي قصة مع هذه السورة وذلك: أن أحد علماء النصارى قال لي: إن نبينا عيسى أفضل من نبيكم محمد (ص) قلت لماذا؟ قال: لأن نبيكم كان سيئ الأخلاق يعبس للعميان ويدير إليهم ظهره، بينما نبينا عيسى كان حسن الأخلاق يبرئ الأكمه والأبرص.
قلت: أيها المسيحي اعلم أننا نحن الشيعة نقول إن السورة نزلت في عثمان بن عفان لا في رسول الله (ص)، وأن نبينا محمد (ص) كان حسن الأخلاق، جميل الصفات، حميد الخصال.
وقد قال فيه تعالى: * (وإنك لعلى خلق عظيم)
وقال: * (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)
قال المسيحي: لقد سمعت هذا الكلام الذي قلته لك من أحد خطباء المسجد في بغداد!
قال العلوي: المشهور عندنا أن بعض رواة السوء وبائعي الضمائر نسبوا هذه القصة ليبرؤوا ساحة عثمان بن عفان فإنهم نسبوا الكذب إلى الله والرسول حتى ينزهوا خلفاءهم وحكامهم!



