منوعات

بين بيت المقدس والبيت الحرام

بين بيت المقدس والبيت الحرام

(سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)
قبل أن يتوجه المسلمون في صلاتهم نحو الكعبة المشرفة في مكة المكرمة كانوا يتوجهون نحو بيت المقدس في فلسطين التي كان يقطنها اليهود ويسيطرون عليها، لقد بقي الأمر بالتوجه نحو بيت المقدس قائماً حتى راح اليهود يعيّرون المسلمين بعدم وجود قبلة لهم، فاغتم النبي والمسلمون لذلك كثيراً إلى أن اختار الله لهم ثاني القبلتين فراحوا يتوجهون لها في صلاتهم وذبائحهم وحجهم وغير ذلك مما يتطلب التوجه نحو القبلة وجوباً أو ندباً.
وقد أوضح لنا الإمام الصادق(ع) عملية تحوّل القبلة وبعض أسبابها وكيفياتها حيث قال:
تحولت القبلة إلى الكعبة بعد ما صلى النبي(ص) بمكة ثلاث عشرة سنة إلى بيت المقدس، وبعد مهاجرته إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس سبعة أشهر، ثم وجّهه الله إلى الكعبة، وذلك أن اليهود كانوا يعيّرون رسول الله(ص) ويقولون له: أنت تابع لنا تصلي إلى قبلتنا: فاغتم رسول الله(ص) من ذلك غماً شديداً وخرج في جوف الليل ينظر إلى آفاق السماء ينتظر من اله في ذلك أمراً فلما أصبح وحضر وقت صلاة الظهر كان في مسجد بني سالم قد صلى من الظهر ركعتين فنزل عليه جبرائيل(ع) فأخذ بعَضُدَيه وحوّله إلى الكعبة وأنزل عليه(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وكان صلى ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة فقالت اليهود والسفهاء ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها:
فبيت المقدس مكان مبارك وموضع مقدس وأرض طاهرة وجهة عظيمة قد طال ما توجه إليها أنبياء الله والمؤمنون بهم، وقد أشير في سورة الإسراء إلى بركة هذا الموضع حيث قال تعالى(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) ورغم أن بيت المقدس بهذا المستوى من الشأن الرفيع فإن البيت الحرام أعظم لأنه قبلة المسلمين إلى الأبد ولا يغني عنها غيرها.
والحديث عن تاريخ البيت الحرام حديث طويل لأن تاريخه عريق من جميع الجهات والنواحي إن على مستوى بنائه أو قدسيته أو الأحداث التي جرت عنده عبر الزمن، ولهذا لا نستطيع في بحث واحد أن نتكلم عن كل ما يختص بهذا البيت العتيق العظيم المحرّم، إذن.. قال تعالى(سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) فلقد استهزأ اليهود بالنبي والمسلمين عندما تحولت قبلتهم من بيت المقدس إلى الكعبة الشريفة يريدون بذلك أن يتهموا رسول الله بأنه يصنع هذه الأمور وبالأخص مسألة التحول هذه من عند نفسه حقداً منه على اليهود الذين كانوا يعتزون بأن المسلمين في صلاتهم يتوجهون إلى بيت المقدس فرد عليهم الرسول بأمر من الله تعالى أن المشرق والمغرب لله وهو الذي أمر نبيه بهذا التحول ولو أنه تعالى أمره أن يتحول إلى جبل معين أو صخرة في واد لفعل ذلك من دون تردد لأن الأمر بيد الله، ولولا أمر الله بالتوجه إلى بيت المقدس أولاً ثم إلى الكعبة ثانياً لما كان لهما هذه العظمة، فالشأن الرفيع والعظمة والقداسة مردها إلى أمر الله تعالى وإرادته فلو أمرنا الله بأن نحج إلى جبل أحد أو أحد جبال الألب أو أرارات لكان لهذا الجبل أو ذاك ما كان للكعبة المشرفة ولكن حكمة الله وإرادته اقتضت أن يكون التوجه إلى الكعبة التي باركها الله منذ خلق السموات والأرض.
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)
الأمة الوسط ليس كما يقول البعض من الذين ينظرون إلى الوسطية هنا من المنظار الجغرافي بمعنى أن الجزيرة العربية التي نشأ منها الإسلام تقع في مكان وسطي بين بعض الدول الغربية، ولكن المقصود بالأمة الوسط هو أن هذه الأمة الكريمة الأمة الإسلامية هي على النهج القويم والصراط المستقيم الذي هو الوسط والعدل بل الذي هو قطب رحى الحياة، هذا وقد جعل الله تعالى علماء هذه الأمة شهداء على الناس أي حجة عليهم إذا ما بلّغوا رسالة دينهم، ومن أهمل من العلماء هذه المهمة كان الرسول حجة عليه في يوم الحساب، وأما جعل الكعبة قبلة للرسول والمسلمين فقد حصل من أجل تمييز المؤمن الحقيقي الذي يتبع الرسول من المزيف الذي ينقلب على عقبيه، وبمعنى آخر ليتميز الخبيث من الطيب والمنافق من المؤمن، فغير المؤمنين تعاملوا من تحويل القبلة بسخرية واستهزاء أما المؤمنون فقد رأوا بأن ذلك أمر كبير للغاية.
(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)
الله يعلم أن نبيه كان منزعجاً من سلوك اليهود وأنه كان يتمنى أن تتحول القبلة إلى الكعبة التي كانت قبلة أبيه إبراهيم وقد حقق الله أمنية حبيبه محمد حيث حوله إلى جهة الكعبة هو والمسلمين أينما كانوا في بقاع الأرض وبذلك نسخ الله القبلة الأولى فلم تعد مجدية أو مجزءة عن الكعبة ثم أخبر الله رسوله بأن أهل الكتاب يعلمون أن هذا التحول إنما هو بأمر من الله تعالى لعلمهم بصدق محمد بن عبد الله والله تعالى محيط بكل ما يقولونه ويفعلونه ويخططون له فهو لهم بالمرصاد.
(وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ)
لو أتيت اليهود والنصارى بكل برهان على أن الكعبة هي القبلة وعلى أن الله تعالى أمرك بالتوجه إليها لما تبعوك ولما آمنوا بك، فلا أنت تتبع قبلتهم ولا اليهود يستقبلون مطلع الشمس ولا النصارى يستقبلون بيت المقدس، وقد كانت هذه الحالة موجودة في نفوسهم وقد أخبرنا الله تعالى عما هو كائن في ضمائرهم حتى نحذرهم ولا ننخدع بمكرهم.
ثم ينهي القرآن حديثه عن موضوع القبلة وما يتعلق بها فيقول(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ)

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى