محاضرات

المُبَادَلَةُ العَادِلَةُ

بقلم: الشيخ علي فقيه

المُبَادَلَةُ العَادِلَةُ

عندما خلق الله عز وجل هذه الحياة جعل لها أنظمة تكوينية دقيقة، وأنظمة تشريعية وأخلاقية وإنسانية ليحافظ بهذين النظامين على استمرار الحياة وتطوُّرِها وازدهارها.
ولن يكون هناك استمرار للحياة أو تطويرٌ لها إلا من خلال التعاون فيما بين العقلاء، وقد خصّصت العقلاء بالذكر لأن هناك تعاوناً غرائزياً تكوينياً قد جعله الله تعالى في غير أهل العقل ليكون ذلك اختباراً لنا من جهة، وحجة علينا من جهة ثانية، وتوجيهاً لنا نحو ما يَعْمر به هذا الكون وما تزدهر به الحياة.
فلو نظرنا إلى التعاون القائم بين المجموعات الحيوانية على اختلاف أنواعها وأصنافها لوجدنا أن هذا التعاون الغرائزي هو السبب في استمرارهم قروناً من الزمن إن لم نقُل ملايين السنين.
وقد أمر الله عز وجل جميع عباده بالتعاون على الخير لأنه الأساس في تكوين المجتمع وبناء روح التواصل فيما بينهم حيث قال سبحانه(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)
ونلاحظ بأن التعاون على البر والتقوى هو مفهوم إسلامي وإنساني واسع وغير محدود لأن ضروب الحلال في الحياة أكثر بمراتب من ضروب الحرام، والتعاون على البر والتقوى لا يختص بالصلاة والصوم والحج والزكاة، بل هو شامل للكثير من الأعمال الإنمائية والتربوية والأخلاقية والسياسية والعسكرية والعقائدية وغير ذلك مما لا يستمر إلا بالتعاون والمبادلات العادلة المبنية على الأخذ والرد.
فالحِرَفُ والصناعات والبناء وتأسيس الشركات والمؤسسات لا يمكن أن يتم بجهدٍ فردي بل بمساعدة الآخرين ومشاركاتهم الفعلية على الأرض، وعليه جاء المثل الشعبي(يدٌ واحدة لا تُصفِّق)
فمن عمِل معك عملاً حسناً فعليك أن تشكر له عملَه، وهذا ضربٌ من ضروب العدالة التي يأمر بها رب العالمين تعالى، وهي الطريقة التي يتعامل بها مع عباده، فمن آمن وعمل صالحاً كان له الجزاء الحسن، ومن أساء وبادر إحسان ربه عليه بالتمر والعصيان كان مصيره سيئاً وعاقبته وخيمة.
قال الله تبارك وتعالى في محكم كتابه العزيز(هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)
ورغم قلة هذه الكلمات وصِغَر حجم العبارة إلا أن المعنى من ورائها أكبر مما نتصور وهذه قاعدة سنَّها الإله العظيم لتكون ميزاناً بين أفراد البشر، وهي قاعدة تلتقي مع موازين العقل السليم ومشاعر النفوس الزكية بغض النظر عن كون صاحبها متديناً أو غير متدين.
وقد فُطر الناس على ذلك، فمن خالف هذه الفطرة فقد عمل بعكس طبيعته، ولا يخالف الفطرة السليمة إلا المطيع للشيطان الرجيم.
وهناك مصدران لا ثالث لهما يرجع إليهما البشر في الأمور التشريعية لأن الأمور التكوينية محصورة في الخالق سبحانه وتعالى الذي هو المصدر الأول من هذين المصدرين، وأما المصدر الثاني فهو الشيطان الغوي، والإنسان في حياته هذه إما أن يطيع الله تعالى أو يطيع الشيطان الرجيم، وقد رسم الله لعباده طريقاً إليه وألزمهم ببعض التكاليف أمراً ونهياً، فمن التزم تلك الشريعة كان مطيعاً لله عز وجل، وأما من انحرف ولم يلتزم كان مطيعاً للشيطان الرجيم وإن أنكر ذلك، فلو أنكر بلسانه مئة مرة وكانت ممارساته مخالفة للإنكار لم ينتفع بإنكاره.
ولقد أمرنا ربنا سبحانه بأن نبادل الإحسان بالإحسان ونردّ السيئة بالإحسان أيضاً عملاً بقوله الكريم(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) فإذا كان الأمر الإلهي يحكم برد السيئة بالإحسان، فكيف إذا كانت المبادلة بين الإحسان والإحسان؟
ومنذ أن خلق الله البشر أودع فيهم شعور حب المبادلة العادلة، ومن هنا كان ردُّ الجميل بالجميل من صفات الإنسانية الراقية، وردُّ الجميل بالأجمل منه من صفات الإيمان حيث علّمنا ربنا سبحانه وتعالى في العديد من المواضع القرآنية كيف نواجه الإحسان بما هو أحسن منه، وقد حثنا على ذلك مراراً مبيّناً لنا أن ثواب الحسنة مضاعف، وأن للإحسان منفعة للمحسن على مستوى الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فمعلومٌ أن أجر الإحسان هو الجنة التي فاق نعيمها كل إحسان وعملٍ صالح بحيث لا يمكن أن نضع نسبة بين إحساننا في الدنيا وإحسان اله لنا في الدنيا وفي الآخرة، فالإنسان في هذه الحياة يُحسن قليلاً وقد لا يكلّفه إحسانه شيئاً من المشقة، وتراه في يوم القيامة قد أُدخل الجنة خالداً فيها.
وأما منفعة الإحسان على مستوى الدنيا فهي كثيرة وكبيرة، وقد أشار الله تعالى إلى شيء من ذلك حيث قال في محكم الكتاب الكريم(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) أما دفع السيئة بالسيئة فلا يزيد الأمر إلا تعقيداً وبُعداً عن ساحة الحلول.
فالإمام الحسين بن علي(ع) أحسن إلى الأمة كلها ممن عاصره وممن أتى بعده، وما زال إحسانه لنا مستمراً حتى يومنا الحاضر، وسيبقى كذلك إلى يوم القيامة لأن ما صنعه كان الهدف منه الإستمرار، وقد كلّفه هذا الإحسان الكثير من المشقة والعناء والثمن الباهظ، فقد كانت ضريبة إحسانه لنا دمه ودماء أولاده وأصحابه بالإضافة إلى كل ما حصل له ولهم قبل الإستشهاد من خوف ورعب وتنكيل وتجويع وتعطيش وغير ذلك مما لا يمكن تعويضه.
فأقل واجب علينا تجاه الإمام الحسين العظيم وصنيعه الجميل هو أن نبادله إحسانه لنا بالإحسان لنا أيضاً لأن مرد إحساننا له يعود علينا حيث أننا المستفيدون من فعله دونه، والإمام(ع) يريد منا الإحسان عن طريق الإخلاص له ولنهجه القويم والمحافظة على النصر المبين الذي حققه في كربلاء، فإذا حافظنا على ثمار هذا النصر فقد حافظنا على وجودنا وضمنّا استمرارنا في هذه الحياة.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى