مَفَاهِيْمُ الْصيَامِ

مَفَاهيمُ الصِيَام

التَطَوعُ فِي الصوْم

 

 

التَطَوعُ فِي الصوْم

 

الفقرة السادسة: قوله عز وجل(فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ)

إن مسألة التطوع في الشريعة السمحاء هي من المسائل العامة التي تشمل جميع الموارد فإن التطوع بالخير خير على كل حال.

وأجمل صفة في الإنسان المؤمن وأرقى سلوك فيه هو المسارعة للخير وعدم التزامه بالقدر المفروض فقط لأن الله تعالى يحب أهل الخير والإحسان لأنه الخير المطلق والإحسان المطلق.

هناك أشخاص مؤمنون بالله تعالى وملتزمون بأوامره ونواهيه فلا يتركون مما فرض عليهم شيئاً وقد فرض الله عليهم حقوقاً في أموالهم للفقراء والمساكين فهم يخرجون هذا الحق كما أمر الله ولكنهم لا يدفعون أزيد من ذلك وإن ألح عليهم السائل والمحتاج.

نحن بحسب فهمنا لأخلاق أهل الإيمان وصفاتهم وسلوكهم نرى بأن هذا المنع أمر مبغوض في نفس المؤمن لأن المؤمن يعطي في سبيل ربه من دون سؤال أو حساب فهو يعلم بأن الله تعالى سوف يغدق عليه الخير من دون حساب.

إن هذا المنع عن العطاء الزائد على القدر الواجب ينبئ عن نفسية وضيعة لا تنسجم مع الأخلاق الإيمانية لأن المؤمن يؤثر الآخرين على نفسه مهما كانت أوضاعه حرجة ومتردية فإن المؤمن لا يخاف فقراً ولا يخشى جوعاً.

وقد مدح الله تعالى أهل بيت النبوة سلام الله عليهم حيث آثروا المسكين واليتيم والأسير على أنفسهم وهم بأمس الحاجة إلى لقمة يسدون بها سغب بطونهم ويكسرون بها ألم جوعهم، وقد اعتبر القرآن الكريم هذا السلوك من صفات أهل الإيمان الذين كان أهل البيت قدوتهم في هذه الدنيا وقادتهم في الآخرة فقال تعالى(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا)

وقال تعالى(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)

إن الله عز وجل يحب العبد الكريم فإن هذه الصفة من صفات الله تبارك وتعالى، وعلى الكريم أن يعلم بأن كرمه لنفسه لأن الله سوف يزيده في العطاء، فلا يعقل أن يحرم الله عبده الكريم لأنه تعالى أكرم الأكرمين وأجود المعطين.

(فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ)هذا الخير لا ينحصر في مسألة الفدية في الإفطار المرخص به، وإنما التطوع خير على كل حال، ولكن الآية الكريمة هنا ناظرة إلى خصوص شهر الصوم وهذا الحكم المخصوص.

فمن أعطى الفقراء زيادة على الواجب فقد تطوع خيراً وحاز خيراً كثيراً عند الله سبحانه وتعالى، ولربما فاق خير التطوع خير الواجب لأنه قد لا يكسب من الواجب سوى المكتوب فيه، أما باب التطوع فهو واسع لا تحده حدود.

إن عاقبة الخير المندوب أو التطوعي لا يعلمها سوى الله تبارك وتعالى، وعلى الإنسان أن يجتهد في ذلك ليضمن لنفسه عاقبة حسنة.

نعود إلى مورد نزول هذه الآية الكريمة والمجال الخاص الذي تشير إليه وهو موضوع الفدية التي حددها الإسلام مقابل الإفطار المرخص به للشيخ والشيخة وذي العطاش الذين لا طاقة لهم على الصيام.

لقد حددت فدية الصوم بثلاثة أرباع الكيلو غرام من الطعام فإن الواجب على المكلف المعفى من الصوم لعدم توفر الطاقة والإمكانية هو هذا المقدار، ولكن يستحب له أن يعطي أكثر من مد إذا كان ميسوراً، وهو معنى قوله(فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ) والله أعلم بمقاصده.

إنه بذلك يربي رصيده في يوم الحساب ويستجلب الرزق لنفسه في هذه الحياة ويدرأ عنها المخاطر والأضرار لأن الصدقة تدفع البلاء ولو أبرم إبراما.

 

الصوْمُ أَفْضَل

 

الفقرة السابعة: قوله تعالى(وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ)

هذا هو القسم الأخير من الآية موضع بحثنا، ولكي نفهم العلاقة بينها وبين الشطر السابق لا بد لنا من توسيع رقعة التأمل كيلا يمر البحث من دون أن نستفيد منه فإنه إن لم يلتفت الباحث في بحثه إلى جميع زواياه فإنه لن تتم له الفائدة المرجوة.

وهنا لا بد من طرح سؤال حول هذه الآية الكريمة، هل هناك رابط بين هذه الفقرة والفقرة السابقة؟ أو بمعنى أوضح، ما هو الرابط بين قوله(فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا) وقوله(وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ) في حين أن الذين يطيقونه فدية لا قدرة لهم على الصوم، فإذا كانوا عاجزين عن الصيام كيف يكون الصوم خيراً لهم من الفدية؟

طبعاً لا يوجد تناقض بين آية وآية وإنما هناك ثغرات مجهولة إذا عرفناها أدركنا أنه لا تناقض بين الآيات، فلا يوجد في القرآن نقص بل النقص فينا نحن الذين جهلنا الكثير من معانيه وأبعاده وتعاليمه.

فالقرآن الكريم يتحدث عن الصوم ويعبر عنه بأنه خير لنا على كل حال، ولكن في خصوص مسألة الذين يطيقونه فدية فإذا استطاعوا أن يتحملوا مشقة الجوع والعطش ولو كان ذلك أزيد من التحمل المتعارف والمألوف كان ذلك خيراً لهم زكان الثواب في هذا الصوم أعظم من الثواب في الصوم لدى العاديين، ولكن إذا كانت المشقة كبيرة بحيث لا يمكن تحملها فعند ذلك يلجؤون إلى الفدية في مقابل الصوم، والأفضل لهؤلاء المعذورين أن يصوموا قدر الإمكان بمعنى أن يصوموا جزءاً من النهار بحيث إذا شعروا الضعف المقعد فعند ذلك يتناولون من الطعام ما يمكن معه الصمود حتى الغروب وإلا فلا صوم عليهم.

ونشير هنا إلى الفرق بين المريض والذين يطيقونه فدية فإن المريض قد يكون قادراً على تحمل الجوع والعطش ولكن الصوم يؤذيه إما بإحداث مرض أو بطول برئه أو بزيادته، وأما الذين يطيقونه فدية فهم عاجزون عن الصيام وإلا فإذا تحققت عندهم القدرة عليه أصبحوا ملزمين بهذه الفريضة، ولكن الرحمة الإلهية حكمت باللطف في العباد وعدم إلزامهم بما لا طاقة لهم عليه.

لقد صرح القرآن الكريم بأن الله تعالى لا يؤاخذ المعذورين والعاجزين ولا المضطرين، وقد أكد الرسول(ص) هذا الحكم في حديث الرفع المشهور حيث قال:رفع عن أمتي ما لا يطيقون وما لا يعلمون وما اضطروا إليه وما استكرهوا عليه،، إلى آخر هذا الحديث.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى