
قِصَّةُ النبي(ص) مَعْ حَليْمَة السَّعْدِية
على كل مؤمنٍ بالله ورسوله أن يتلقّف بشغفٍ كل معلومة تختص بهذا النبي العظيم الذي أرسله الله تعالى رحمةً للعالمين.
ولا نكتب هذه القصص للتسلية وملئ الفراغ، وإنما نكتبها لنتعرّف على شخصية النبي وآله(ص) عن طريق ما حدث لهم ومعهم لنجعل منها دروساً للحياة ونوراً نهتدي به في الظلمات.
وما حدث لنبيّنا الأعظم(ص) منذ ولادته كان كثيراً ومفيداً، وها نحن نقتبس من ذلك التاريخ ما يمكننا الحديث عنه والإستفادة منه لأننا بأمس الحاجة إلى معرفة تلك الأحداث التي تعنينا كبشرٍ وكمسلمين.
ومن جملة تلك القصص موضوع إرضاع حليمة السعدية للرسول وكيف نشأ في بيتها وماذا رأت ببركة وجوده عندها.
فعندما وُلد رسول الله(ص) أرضعته أمه آمنة ثلاثة أيام ثم أصيبت بوعكة صحية منعتها عن إرضاعه فخافوا عليه من الهلاك فأرضعته امرأة تُدعى ثويبة، وقد حفظ لها النبي هذا الجميل في كِبره، وأراد أن يعتقها من سيدها أبي لهب فرفض.
وقد أصيبت مكة بوباء خطير بسبب كثرة الوافدين إليها فخشي عبد المطلب على حفيده أن يصاب بالمرض فقرر أن يسلّمه إلى مرضعة تصطحبه معها إلى مكان بعيد عن الوباء، وقد حضرت كثيرات من المرضعات إلى مكة طمعاً بكرم آباء المرتضعين، ولكنهنّ كلما رأينَ محمداً وعرفنَ بأنه يتيم امتنعن عن أخذه إلا حليمة السعدية التي رقّ قلبها لهذا اليتيم وشعرت بأن البركة سوف تصيبها بسببه، وقيل بأنها في البداية امتنعت عن أخذه ليتمه كما فعل غيرها من المرضعات، وقيل بأن عبد المطلب لم يسلمه لها لأنها كانت نحيفة الجسد فخاف عبد المطلب أن لا يتغذى حفيده جيداً بسبب هزل جسمها، وفي النهاية ومهما كان السبب فقد كان ما يجب أن يكون، فتحدث إليها عبد المطلب وسلّمها حفيده وأوصاها بالإهتمام به وقد أكرمها، فاصطحبته معها إلى قبيلة بني سعد وأرضعته مدة من الزمن ثم أعادته إلى أهله وكان الوباء ما زال موجوداً فاقترحت حليمة على عبد المطلب أن تأخذه لفترة أخرى حتى يترعرع في مناخ تلك القبيلة وجوها الرائع، وفي ذات الوقت تأمن عليه من شر الوباء فوافق الجد على هذا الإقتراح، والذي شجعها على استبقائه عندها هو ما رأته من البركة يوم حلوله في دارها، فلقد تحدثت حليمة عن ذلك فقالت بأنها لم تشعر يوماً بجوع ولا قحط طيلة مدة وجود محمد معها، وقد رأت منه العجب، وكان ترضعه وترضع ابنها وكان الحليب منها يتدفق، وقد ورد عنها أنها قالت: خَرَجْتُ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ نَلْتَمِسُ الرُّضَعَاءَ بِمَكَّةَ، عَلَى أَتَانٍ لِي قَمْرَاءَ قَدْ أَذْمَتْ فَزَاحَمْتُ بِالرَّكْبِ. قَالَتْ: وَخَرَجْنَا فِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ لَمْ تُبْقِ لَنَا شَيْئًا، وَمَعِي زَوْجِي الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى. قَالَتْ: وَمَعَنَا شَارِفٌ لَنَا، وَاللَّهِ إِنْ تَبِضَّ عَلَيْنَا بِقَطْرَةٍ مِنْ لَبَنٍ، وَمَعِي صَبِيٌّ لِي إِنْ نَنَامُ لَيْلَتَنَا مَعَ بُكَائِهِ، مَا فِي ثَدْيِي مَا يُعْتِبُهُ، وَمَا فِي شَارِفِنَا مِنْ لَبَنٍ نَغْذُوهُ إِلَّا أَنَّا نَرْجُو. فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ لَمْ يَبْقَ مِنَّا امْرَأَةٌ إِلَّا عُرِضَ عَلَيْهَا فَتَأْبَاهُ، وَإِنَّمَا كُنَّا نَرْجُو كَرَامَةَ رَضَاعِهِ مِنْ وَالِدِ الْمَوْلُودِ، وَكَانَ يَتِيمًا، فَكُنَّا نَقُولُ: مَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمُّهُ؟ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ صَوَاحِبِي امْرَأَةٌ إِلَّا أَخَذَتْ صَبِيًّا، غَيْرِي، وَكَرِهْتُ أَنْ أَرْجِعَ وَلَمْ آخُذْ شَيْئًا وَقَدْ أَخَذَ صَوَاحِبِي، فَقُلْتُ لِزَوْجِي: وَاللَّهِ لَأَرْجِعَنَّ إِلَى ذَلِكَ فَلْآخُذَنَّهُ. قَالَتْ: فَأَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُهُ فَرَجَعْتُهُ إِلَى رَحْلِي، فَقَالَ زَوْجِي: قَدْ أَخْذَتِيهِ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ وَاللَّهِ، ذَاكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ. فَقَالَ: قَدْ أَصَبْتِ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ فِيهِ خَيْرًا.
لقد رأت فيه من الصفات ما لم توجد في غيره من أقرانه في العمر فشعرت بأن له شأناً عظيماً، وقد مكث في دار بني سعد مدة خمس سنوات ثم أعادته إلى أهله، ولم يُكتب له العيش في أحضان أمه التي فارقت الحياة وهي في مقتبل العمر، وولدها ما زال صغيراً، ومن حينها أصبح محمد الشغل الشاغل لجده العطوف الذي حاول أن يعوّضه عن حنان الأم وعطف الأب.

