أمثال القرآن

أَمْثَالُ القُرْآنِ الكَرِيْم

مَثَلُ الحق والباطل

 

 

مَثَلُ الحق والباطل

 

من الملاحظ أن الله جل جلاله يضرب الأمثال من أجل بيان الأمور الكبيرة، ولا مانع من أن تُضرب للأمور الصغيرة إذ قد تكون المنفعة من ضرب الأمثلة للأمور الصغيرة نافعاً للبشر جداً، ولهذا فقد أخبرنا القرآن بأن الله تعالى لا يستحيي من ضرب الأمثال مهما كانت صغيرة أو بعيدة عن تصورات بعض الناس حيث يقول(إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ) وتحدثنا الآية الكريمة عن توجهين للبشر حيال ضرب الأمثال التي يعتبرونها حقيرة فتقول الآية بأن المؤمنين يعلمون أن ما ضربه الله من الأمثال إنما هي الحق وإن كانت صغيرة في نظر كثير من الناس، وأما أهل الضلال والفسوق فإنهم يلومون القرآن على ضرب هذه الأمثال فيقولون مستنكرين ماذا أراد الله بهذا مثلاً أي أنه لماذا أشار إلى هذا الشيء الصغير بحجة أنه يضل به كثيراً من الناس فرد عليهم ربهم بأنه لا يضل به إلا الفاسقين الذين حاولوا أن يعلقوا على كل ما جاء به الأنبياء من الحق.

وهنا سوف نتحدث عن مثل الحق والباطل وهما أمران كبيران جداً لأن الحياة قائمة عليهما والحساب في يوم القيامة سوف يكون عليهما فأهل الحق العاملون به إلى الجنة وأهل الباطل الكارهون للحق وأهله إلى النار، ولا يوجد في الوجود كله سوى الحق أو الباطل فهما طريقان لا ثالث لهما فلا تصح الإزدواجية في التعاطي معهما فإنك إما أن تكون من أهل الحق وإما أن تكون من أهل الباطل، ولكل طريق منهما عاقبة في يوم الحساب، وقد ذكر لنا القرآن الكريم مثل الحق والباطل.

قال تعالى في سورة الرعد(قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ  أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ) ففي الآية الأولى أشير إلى كون الحق منحصراً بفاطر السموات والأرض، والباطل منحصر في الأولياء الذين اتخذهم أهل الباطل والذين لا يملكون لهم نفعاً ولا ضراً، وقد مُثّل للحق فيها بالبصير والنور وللباطل فيها بالأعمى والظلمات وذلك أن متّبع الباطل أعمى القلب والبصيرة فهو الذي اختار تلك الطريق بنفسه وهو من يتحمل المسؤولية كاملة في يوم الحساب إذ لا يتحمل عنه أحد ولن يشفع له أحد، وفي الآية الثاني ضرب الله مثلاً للحق والباطل، وهنا لا بد من الوقوف على كلمات هذا المثل القرآني لندرك العظمة منه:

وهنا نقف على كل فقرة وردت في الآية ليسهل علينا فهم المراد:

الفقرة الأولى: وهي قوله تعالى(أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء) وهي تدل على كرم الله وقدرته وأنه هو الذي يمنّ علينا بهطول المطر وأن هذا الأمر بيده وحده لأنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يخلقوا نقطة ماء واحدة لما قدروا عليها.

الفقرة الثانية: قوله(فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) أي أن الوادي يحبس الماء وتتسع الوديان للكميات الهائلة التي تنزل عليها وتدخل وتُحفظ في الآبار والعيون.

الفقرة الثالثة: (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا) فالماء عندما ينزل إلى الأرض بغزارة يطفو على وجهه زَبد أبيض وسرعان ما يذهب هذا الزبد ولا يستفاد منه بشيء.

الفقرة الرابعة: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ) أي أن هذا الزبد لا يطفو على وجه الماء فقط وإنما يطفو على وجه المعدن المذاب والذي يصنعون منه الحلي، فكذلك هذا الزبد الذي يظهر على وجه الحديد والنحاس لا يُنتفع منه بشيء.

الفقرة الخامسة: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ) أي كذلك يشبّه الله الحق والباطل وكذلك هما وآثارهما في الواقع والحقيقة.

الفقرة السادسة: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء) لا يبقى للزبد أثر وإذا ذهب أثره ذهبت معه المنفعة ولا أحد من الناس يعطي قيمة للزبد لأن الجميع يدركون سرعة زواله وعدم الفائدة منه.

الفقرة السابعة: (وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) وهو الماء الذي يدخل في بطن الأرض فتتفجر منه العيون والأنهار ويسقى به النبات والزرع.

الفقرة الثامنة:(كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ) أي بهذه الطريقة يعظنا ربنا ويقرّب إلينا الأمور لنفهمعا ونتعظ بها.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى