عَدَمُ انْتِفَاعِ اللهِ بِطَاعَاتِنَا

عَدَمُ انْتِفَاعِ اللهِ بِطَاعَاتِنَا
هناك ميزان عقائدي يجب أن نجعل منه منطلَقاً لنا في حياتنا الدينية لأنه يضبط توجّهاتنا وينظّم جانباً مهماً من عقائدنا التي يجب أن تكون صحيحة وثابتة وغيرَ قابلة لأي تغيير لأن اهتزاز العقائد أثر من آثار إبليس فهو النافذة الأولى له لإبعاد العبد عن ساحة ربه، أو على حد تعبير العرفانيين : إخراجه من الحضرة الإلهية:
فمن إحدى مهمات الشيطان تجاه الإنسان هو إشعاره بالمِنّة تجاه الطاعات التي يلتزم بها، فيجعله يرى بأنه متفضّل على ربه أو أنه يستحق الثواب العظيم بأعمال قليلة قد لا تأخذ خمسة بالمئة من حيّز زمان الإنسان ومكانه أو من حيّز حياته عموماً.
وكلنا نسمع كلاماً من بعض الناس مشابهاً لهذا الذي ينفث به الشيطان على ألسنتهم ليُغرق قلوبهم في متاهات التكبر الذي يبغضه رب العالمين ويواعد عليه العذاب الأليم، وهو القائل(أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) فهؤلاء يقولون نحن نقوم بواجباتنا نصلي لله ونصوم لله ونحج لله وهم يقصدون بذلك أن لا شيء آخر عليهم وأنهم يستحقون العطاء الكبير والجزاء الحسن مقابل تلك الأعمال القليلة التي يتعبدون بها، وهنا لا بد أن نشير إلى المعادلة الجزائية العامة والمعادلة الخاصة، أما المعادلة العامة فهي التي تخضع لموازين بشرية وضعية تجعل الجزاء بمستوى العمل، يعني مَنْ داوم في عمله بشكل مستقيم استحق الأجرة المتفق عليها عالمياً وذلك ضمن الأساليب المتّبعة بين المؤسسات والعمّال فلا تختلف أجرة الواحد عن الآخر إلا بشكل مقبول وذلك بحسب المهنة التي يزاولها، وهذا أمر منطقي يمكن وصفه بالجزاء العادل إلا إذا سلك أحد أصحاب المؤسسات طريق الظلم فخرج عن تلك الحدود ولم يعط عمّاله الحقوق المعترف بها أو المتفق عليها.
هذه تقريباً حدود المعادلة العامة في العطاء والجزاء وإنها وإن خرجت عن نطاقها فلا تتعدى بضعة أضعاف، يعني لنفرض أن الأجرة اليومية للعامل هي ثلاثون ألف ليرة يمكن لبعض المؤسسات أن تكرّم موظفيها لأسباب تجارية خاصة فتعطيهم مقابل عمل اليوم الواحد خمسين ألفاً أو ستين ألفاً أو مئة ألف وهذا فرض بعيد لأننا لا نرى مثله في مجتمعاتنا التي بُنيت في الغالب على ظلم العمال، وجُمعت ثروات الكبار على حساب الضعفاء من الناس.
أما المعادلة الجزائية الخاصة فإنها تختلف كثيراً عن المعادلة العامة لأن الله تعالى يتعامل مع خلقه بمعادلة تتناسب مع رحمته الواسعة، فقد يطيع الإنسان ربه أياماً قليلة أو أشهراً معدودة أو سنوات محدودة ثم يدركه الموت فسوف يعطيه الله جزاءاً لو أردنا أن نجري عليه أحكام المعادلة العامة لكان أكبر من أعمال البشر جميعاً من عهد آدم وإلى يوم القيامة، هذا بالنسبة لعطاء شخص واحد، أما عطاء الجميع فهو أمر فوق التصور وأبعد من الخيال بسبب عظمته.
ومن هنا ورد في الدعاء إن عذبتني فبعدلك وإن رحمتني فبعفوك: ولم يقل فبعملي وطاعتي.
فلا يمكن أن نجعل أعمالنا في مقابل العطاء الإلهي لأننا لو أردنا الجزاء بمستوى أعمالنا لما أحرزنا سوى الشيء اليسير.
ومهما كان حجم الجرأة لدى الإنسان على ارتكاب الذنوب، ومهما تفنّن في المعاصي وأكثر منها في حياته وكان عبداً مخلصاً للشيطان ينوب عنه في إغواء الناس، ومهما ظلم وقتل وسرق واغتاب وشرب الخمر ولعب القمار وأكل من الربا فإنه لن ينال الله من ذلك شيء لأن الله عز وجل آمن من معاصي العباد، ولذا قال أمير المؤمنين(ع) في بداية كلامه عن المتقين : آمناً من معصيتهم: فقد حاول الإمام بهذه الكلمة أن يحسم في عقولنا مسألة هامة في موضوع العبودية والربوبية فأخبرنا ضمنياً أنه نحن الخاسرون ونحن الذين يحملون تبعات سيئاتهم إذ لا تضر سيئاتنا الله شيئاً.
إذاً الله عز وجل آمن من كل ما تقترفه أيدينا من أنواع السوء وفنون المعاصي، ولكن هل نحن آمنون من العذاب؟ فالأمر بالنسبة إلى الله تعالى محسوم، أما بالنسبة إلينا فيا ويلنا مما كسبت أيدينا، وأظنننا مصداقاً لقوله تعالى(فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) نحن أيها الأعزاء لسنا آمنين من العذاب إلا إذا أمّنا أنفسنا منه عن طريق الطاعة الصادقة التي لا تنخدش بالمعاصي، فإذا أراد الله سبحانه أن يعذب أحداً من العصاة فلا يمنعه أحد من ذلك فهو القادر على كل شيء وهو الفعال لما يريد.
لأجل ذلك قال إمامنا ومولانا سيد المتقين علي(ع) ، فَإِنَّ اللهَ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لاَِنَّةُ لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ:
فقد يتوهم البعض بأنه يسدي خدمة إلى الخالق عندما يقوم ببعض الطاعات، ويغفل عن موضوع يجب عليه أن يعرفة وهو أننا بطاعاتنا نقدم الخير لأنفسنا، نحن بالطاعة نجلب الرحمة والمغفرة لأرواحنا وأبداننا في يوم الحساب ليس أكثر، وها هو ال1ذكر الحكيم ينص على ه1ذه الحقيقة بطريقة واضحة لا يشوبها شك، فلقد قال سبحانه(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) وقال تعالى(إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ) وهناك أكثر من آية تشير إلى هذا المعنى.
فعندما فرض الله علينا الواجبات ونهانا عن المحرمات فقد فعل ذلك من أجلنا لأنه خلقنا ليرحمنا بشرط أن نطيع ولا نعصي، أما إذا أطعت فإنك تمهّد لنفسك حياة سعيدة دائمة، وأما إذا أسأت فأنت تجر نفسك نحو الهلاك، والأمر عند الله تعالى سيان لا ينتفع بالطاعة ولا يصيبه شيء من المعصية.
ولقد شهد التاريخ كثيراً من الناس الذين تعاملوا مع الله تعالى كما يتعاملون مع خلقه لظنهم بأنه كتلك الآلهة التي كانوا يعكِفون على عبادتها فيكسرونها متى شاؤوا ويحرقونها متى أرادوا ويستبدلونها بغيرها إذا أحبوا ذلك، ومن هؤلاء فرعون الذي ادعى الربوبية لنفسه بعد أن استضعف بني إسرائيل وظن أنه بسلطانه سوف يضر موسى وإلهه فأظهر الله تلك المعجزات على يد كليمه موسى فتغلّب بها على جبروت فرعون ولم يتضرر الله في شيء.
ومن أولئك نمرود الحاكم في زمن إبراهيم هذا الشخص الذي ادعى أنه قتل إله إبراهيم فأجرى الله على يد خليله إبراهيم المعجزة فهزم بها نمرود وغيره.
وقد أشار القرآن الكريم إلى عدم تضرر الله تعالى بمعصية الناس وعدم انتفاعه بطاعاتهم فقال في سورة آل عمران(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ)



