العقيدة من المنظار البشري العام

العقيدة من المنظار البشري العام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وصلى الله على رسوله الكريم وآله الميامين وأصحابهم المنتجبين
العقيدة هي ما ينعقد عليه القلب، وما يعتنقه من مشاعر شتى وأحاسيس مختلفة بغض النظر عن كونها صحيحة أو فاسدة أو قائمة على أسس مقبولة أو ركائز متزلزلة.
وهي تتكون داخل الإنسان مما نسميه علماً بالمعنى العام، ومن إدراك خاص ربما يحصل من العلم أو من غيره.
وليس بالضرورة أن يكون العلم بالعقيدة علماً كسبياً تحصيلياً، فلربما كُونت عن طريق العلم الحاضر مع الإنسان والنابع من ذاته ومن حاق تكوينه، وهو ما يُطلق عليه في علم المنطق العلم الحضوري.
ولا بأس بتعريف كلا هذين القسمين للعلم حتى يسهل فهم المراد بشكل أسرع، فالعلم الحضوري هو الموجود داخل الإنسان والذي لا تحتاج معرفته إلى أي نوع من أنواع التحصيل كعلمه بالحب أو البغض أو الجوع، وأما العلم الكسبي فهو الذي لا يحصل إلا عن طريق التحصيل كأي علم من العلوم التي يكتسبها طالبوا المعرفة كعلم الفقه والطب والهندسة.
فقد يرى الإنسان ما يخلق بداخله عقيدة معينة، أو لعله يسمع شيئاً أو تخرق مسمعه عبارة تحرك فيه قوة الفطرة المودعة في صميم روحه والمرتبطة بأصل وجوده والتي واكبته منذ لحظة خروجه إلى دار الدنيا فيصبح من خلال ذلك من أهل العقيدة الفلانية.
والعقيدة حاكم خفي ذو أثر كبير على سلوك معتنقها لأنها تسيطر على مشاعره وتطغى على أحاسيسه بحيث تختلط بروحه فيصبح من المستحيل عليه الخروج منها بأي شكل وبأي ثمن حتى أن كثيراً من أصحاب العقائد يضحون بأغلى ما لديهم في سبيل بقائها بغض النظر عن كونها صحيحة أو فاسدة.
وهنا سؤال يطرح نفسه حول كون العقيدة حاكمة على الإنسان وأمراً فطرياً في داخله، فإذا كانت كذلك فما هو منشأ تعدد المعتقدات وفساد مجموعة منها؟ ووظيفة الفطرة واحدة، وهي الدلالة على الخالق سبحانه وكونه واحداً لا شريك له وبالخصوص أنه وردت أحاديث تؤكد بأن الإنسان يولد على فطرة التوحيد؟
فهل أن منشأ الخلل هو ذات الفطرة بمعنى أن تكون قابلة للتصرف من جهة الإنسان، أم أنها ثابتة لا أثر لسلوك الإنسان عليها بل إن الخلل يقع على الإنسان الذي باستطاعته أن يستخدمها في الغاية التي خُلقت لأجلها أو أنها هو الذي يحرّفها عن مسارها الصحيح؟
وإذا كانت العقيدة وليدة الفطرة فهل أن الفطرة تدل على عقائد فاسدة لا تتناسب مع جوهرها ولا مع الغاية التي كانت لأجلها؟
هذه أسئلة وجيهة ودقيقة وحساسة ومهمة للغاية، فإذا لم نطرحا نحن على أنفسنا طرحها علينا غيرنا، والأنسب هو أن نجيب عليها قبل أن تُطرح من أية جهة.
أول ما ينبغي أن نذكره هنا هو تعريف الفطرة وإثبات وجودها عبر أدلة تخضع لموازينها، فهناك أدلة فطرية كما كان هناك أدلة عقلية وعلمية ونقلية، وأنا أرى بأن الأدلة الفطرية على إثبات العقيدة الحقة هي أم الأدلة وأساسها حيث لا يمكن للعقل أو العلم أو النقل أن ينفع إلا بعد أن تتحرك مفاعيل تلك القوة داخل الإنسان.
الفطرة قوة خفية وشعور تكويني وُجد مع الإنسان يوم خروجه إلى هذه الدنيا، وهي القوة الجاذبة للإنسان نحو الخالق سبحانه وتعالى.
وقد أشار القرآن الكريم إلى وجود هذه القوة داخل كل إنسان وإن كان ملحداً فإنه بقصد أو بغير قصد سوف يعترف بها أو أنه سوف يخضع لها في حالات خاصة يمر بها في حياته كما حصل لبعض المشركين الذين سلكوا اتجاهاً مغايراً لما تدعو له الفطرة فركبوا سفينة وأبحروا بعيداً فهبت ريح عاصفة كادت تغرقهم فتحركت قوة الفطرة في داخلهم فلجؤوا إلى الله سبحانه وتعالى ودعوه بأن ينجيهم من تلك الكارثة فاستجاب لهم وأنجاهم إلى البر، وفيه قال تعالى(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)
والسؤال هنا إن هؤلاء مشركون بالله تعالى، ولعلهم ملحدون ومعاندون، فكيف دعوا الله تعالى مخلصين في لحظة واحدة؟ وما هو الشيء الذي تحرك في داخلهم أثناء تعرضهم لتلك الكارثة؟
ومن هنا ندرك حقيقة الفطرة ونعرف ما هي وظيفتها ومتى تتحرك ولماذا تتحرك وإلى ماذا تشير، فهي صلة الوصل بين الخالق والمخلوق.
وقد كشف الإمام الصادق(ع) مؤدى تلك القوة عندما سأله بحّار عن الله تعالى، فقال(ع): هل ركبت سفينة قط فقال البحار نعم، فقال(ع) هل انكسرت بك حيث لا سفينة تؤويك ولا سباحة تنجيك فقال نعم، فقال هل تعلق قلبك بشيء يستطيع أن ينقذك من ورطتك تلك قال نعم، فقال(ع) ذلك هو الله سبحانه.
ولعل قوله تعالى(وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) فيه دلالة على هذا المعنى.
ويظهر لنا من خلال ما ذُكر أن الفطرة قوة تجذب الإنسان نحو جهة قادرة فتُشعر صاحبها بافتقاره إلى ما هو أقوى منه وأعلى منه بغض النظر عن تحديد هوية تلك الجهة.
والفطرة قوة تدل على الله عز وجل وتُرشد إلى الإعتقاد بوحدانيته وجميع صفاته الجلالية والجمالية والكمالية إذا قامت على أسسها المطلوبة ووُجّهت توجيهاً صحيحاً، وإلا فإن وجود الفطرة من دون عوامل خارجية أخرى لا تكون حجة على الإنسان لأنها إلهام نحو شيء يبقى هذا الشيء مجهولاً ما لم تأت العوامل الأخرى لتوجيهها.
ولذا فإنني أقول إن الفطرة رغم كونها من أعظم العوامل الدالة على صاحب القدرة المطلقة غير أنها في ذات الوقت سبب في تنوع العقائد وزيادة عددها، ولا أقصد بها الفطرة المجردة بل أعني الفطرة داخل الإنسان الذي لم يتعامل مع تلك القوة كما يجب.
ومن هنا نجد كثيراً من القبائل التي تسكن الصحارى وقمم الجبال وبطون الأودية والبعيدة عن التمدن والحضارة نجد أن لكل قبيلة منها عقيدة خاصة بها، وإن الذي دفع بهم إلى اعتناق عقيدة معينة إنما هو تلك القوة المودعة فيهم من قبل الخالق سبحانه وتعالى.
الفطرة موجودة داخل كل إنسان، ولكي تعمل عملها كان لا بد من تحريكها وتوجيهها، وقد صنع الله تعالى ذلك عندما أرسل إلينا رسله وواتر علينا أنبياءه ليحركوا في داخلنا آثار تلك القوة فنسير في الطريق التي أرادها الله سبحانه، وإلا فلو كانت الفطرة بحد ذاتها دليلاً كافياً وحجة وحيدة على الإنسان لكان يجب أن يكون مفعولها معيَّناً وواضحاً.
وقد تدل الفطرة على الخالق وتشير إلى وحدانيته بشكل واضح، ولكن ماذا بعد تلك الدلالة؟
بعد تلك الدلالة يأتي العمل، ولا بد أن يكون واضحاً ومنظماً وخاضعاً للموازين الإلهية، فقد أتى الأنبياء وحركوا مفاعيل تلك القوة داخل الناس ثم نقلوا إليهم تعاليم ربهم وإرشاداته وأوامره ونواهيه وما يحب وما يبغض.
وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين علي(ع) بقوله: وَاصْطَفى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدَهِ أَنْبيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وَعَلَى تَبْليغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهِ إِلَيْهِمْ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ، واتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ، وَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرفَتِهِ، وَاقتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بَالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ:
هذا ما صنعه خليل الله إبراهيم(ع) بكل وضوح، وهذا ما أريد أن أتوقف قليلاً عليه لأفصح من خلاله عن حقيقة عمل الفطرة وتنظيمها وتوجيهها، وفي قضية تحريك الفطرة في نفوس قوم إبراهيم قال سبحانه(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
ما زال هناك العديد من إخواننا وأخواتنا غارقين في وهم حيال هذه الحادثة، وما زال الشيطان الرجيم مسيطراً على نفوس البعض ومستحوذاً على مشاعرهم بهدف زلزلة عقائدهم.
فللوهلة الأولى يتوهم البعض بأن خليل الله إبراهيم(ع) كان يعبد تلك المخلوقات، وهذا غير صحيح لأنه يتنافى مع مبدأ العصمة ويتباين مع سلوك إبراهيم وسيرته منذ نشأته حيث كان يستهزئ بعبادة الناس للمخلوقات، ولعل محاورته مع مربيه آزر حول عبادة الأوثان قد حدثت قبل تلك الحادثة المشار إليها في الآيات الكريمة، بل لعل تحطيم الأصنام في المعبد على يديه كان سابقاً لها أيضاً، فإذا صح سبقها على تلك الحادثة معنى ذلك أن فيما جرى سراً وما علينا سوى كشف هذا السر.
إن إبراهيم(ع) ثاني أنبياء العزم وشيخ الأنبياء وقد أثنى الله عليه في العديد من السور والآيات ووصفه بأوصاف عالية الشأن كالأواه والحليم والأمة، وهو معصوم منذ الولادة حيث خُلق نبياً، ولا يُعقل أن يشك النبي بربه ولو بمقدار ذرة فضلاً عن أن يعبد سواه، وهنا لا بأس بذكر الآيات التي تشير إلى تلك الحادثة ثم نبيّن المراد منها، قال تعالى(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
ولا أريد أن أدخل هنا في موضوع الأساليب التي يستعملها القرآن الكريم في الكشف عن الأمور لأن ذلك لوحده يحتاج إلى بحث خاص، ولكن ورد في التاريخ الصحيح أن إبراهيم(ع) قصد مكاناً يتواجد فيه عبّاد الكواكب والشمس والقمر، ولم يكن بالإمكان أن ينقض عقيدتهم بالطرق المعهودة، ولهذا استعمل معهم طريقة ذكية وتكتيكية يستطيع من خلالها أن يحرك الفطرة في داخلهم كما حركها في داخلهم عندما حطّم أصنامهم وجرى حوار بينه وبينهم فأنهى الجدال بقوله(فاسألوهم إن كانوا ينطقون) ولعله(ع) أعطاهم في نفس الوقت دليلاً عقلياً ودليلاً فطرياً على إثبات الصانع ووحدانيته، وفي هذه الحادثة استغل تواجدهم الكثيف واجتماعهم في مكان واحد فرأى كوكباً فصاح وهو بينهم هذا ربي، وبعد فترة غاب الكوكب فقال إبراهيم لا أحب الآفلين أي أنني لا أحب الغائبين، ومعناه أنه لا ينبغي للإله أن يغيب ولو للحظة واحدة، وبعد ذلك رأى القمر فصنع ما صنعه في المرة الأولى، وكذا عندما رأى الشمس ظاهرة مشرقة صاح فيهم هذا ربي هذا أكبر، فقوله هذا أكبر فيه حصر للتوجه إلى هذا الأكبر فإذا انتفت ألوهية هذا الأكبر فقد أثبت لهم أن إلههم الذي يجب أن يعبدوه هو غير تلك المخلوقات، ولأجل ذلك عندما حطّم لهم معنوياتهم تجاه معبوداتهم حرك فيهم مفاعيل الفطرة حيث قال(يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) وإذا تبرأ مما أشركوا فمعناه أن هناك معبوداً أهم وأكبر وأعظم يعبده إبراهيم فمن هو هذا الإله يا ترى؟ ولهذا أتبع قوله الأول بقوله(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
وفي المناسبة أريد أن أشير إلى مسألة وردت في الآيات المذكورة ربما حاول بعض المشوشين أن يستغل عبارة من تلك الآيات بهدف زلزلة عقائد المؤمنين بأنبيائهم، وأن الأنبياء لا يعرفون حقائق الأمور.
لاحظوا أول آية من الآيات الآنفة الذكر(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) ولا أريد أن أقف على معنى الفقرة الأخيرة لأنها سوف تأتي في محاضرة لاحقة تأتي في زمانها ومكانها إن شاء الله تعالى، ولكن هذه الآية تشير إلى أن إبراهيم(ع) تعرّف بقدرة ربه على أسرار الكون وما فيه من مجرات وكواكب وأنظمة خاصة، وما في الأرض مما خلق الله عز وجل.
وهنا تأتي النقطة الأساسية التي أريد أن أبينها قبل أن يستغلها بعض المشككين للطعن في بعض عقائدنا، فإذا كان إبراهيم(ع) قد تعرّف على أسرار الكون فلماذا عبّر عن الشمس بأنها أكبر بعد أن ذكر الكوكب والقمر؟
ولكي تتضح لدينا هذه المسألة فلا بد من الكلام حول نقطتين:
النقطة الأولى: ربما تكلّم معهم إبراهيم الخليل بحسب فهمهم لأنهم وبحسب ما رأوه في أعينهم أن الشمس هي أكبر مخلوق في الفضاء، ولو أن أحداً ادعى ما يخالف نظرتهم المجردة لما في الفضاء في ذلك الوقت لقتلوه كما فعلت الكنيسة في السابق مع بعض العلماء الذين طرحوا نظريات علمية كانت مستهجَنةً لدى الكنيسة في ذلك الوقت مما دفع بالكنيسة إلى قتل بعضهم وسجن آخرين ووضع البعض منهم تحت الإقامة الجبرية، وهذا ما حصل منذ ثلاثة أو أربع قرون من الزمن، فكيف سيكون حال الناس عندما يسمعون نظريات علمية حول الفلك قبل خمسين قرناً من الزمن؟
لعل معرفة إبراهيم بحجم الفهم لديهم وبالطريقة التي يفهمونها جعله يعبّر عن الشمس بأنها أكبر من دون ملاحظة كونها أكبر من القمر أو من القمر وغيره.
وهنا عمل إبراهيم بأمر الله لأنبيائه ومضمونه:خاطبوا الناس على قدر عقولهم:
النقطة الثانية: وهي أننا نفهم من سياق الآيات أن المراد بالأكبر هي كون الشمس أكبر من القمر من دون الإشارة إلى غير القمر بقرينة أن هذا الوصف أتى عقيب وصف القمر فيعود ما يشبه الضمير اللغوي في العبارة إلى الأقرب، والأقرب في العبارة هنا هو القمر دون الكوكب، ولا شك بأن إبراهيم كان يعلم بأن الشمس هي أصغر كتلة نارية في هذا الفضاء الواسع.



