أَنْوَاعُ المَوْت والإِسْتِعْدَادُ لَهُ

سِلْسِلَةُ المَوْتِ وَمَا بَعْدَه
الجزء الثاني
أَنْوَاعُ المَوْت
والإِسْتِعْدَادُ لَهُ
الشيخ علي فقيه
الإِسْتِعْدَادُ لِلمَوْت
إن الحياة التي تنتهي بالموت والتي يتخللها التعب والمرض والمشقات والمخاطر وغير ذلك مما يكره الإنسان ليست الهدف الذي يطلبه المؤمن، ولا هي الغاية التي خلقنا الله من أجلها، إذ أنه خلقنا لننال السعادة الأبدية في الحياة الخالدة، وجعل الطريق لها طاعته، فمن أراد أن ينال تلك المنزلة فليمهد الطريق لها بالعمل الصالح، وليطع الله تعالى في كل كبيرة وصغيرة، وقد لفت القرآن أنظارنا نحو الحياة الحقيقية التي يجب السعي لها حيث قال سبحانه(وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) وقال تعالى(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) وقال(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) وهناك الكثير من الآيات التي تحثنا على العمل للآخرة والبناء لدار الخلود مشيرة إلى كون الدنيا دار عمل وامتحان، وهي في نفس الوقت دار لهو ولعب وزينة، قال سبحانه(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)
أما العمل في الدنيا للدنيا فلا بقاء له، لأن كل شيء فيها زائل، فقد ورد عن الإمام الباقر(ع) قال: ينادي مناد كل يوم لد للموت واجمع للفناء وابن للخراب:
وهذا يدفع بالمؤمن الذي يتأثر بالموعظة ويأخذ بالنصيحة إلى الإهتمام بأمر الآخرة ليربح الدنيا والآخرة في آن واحد، ويجب أن نفهم أمراً مهماً في دين الإسلام وهو أن الإستعداد للموت لا يزرع اليأس في قلب المؤمن، ولا يدعونا الإسلام إلى التخلي عن الدنيا، فهي بالتالي حياةٌ نحن نعيش فيها، بل ينبغي السعي لها ضمن الشرط التي وضعها الإسلام، فَعِشْ في الدنيا كيفما تريد بشرط أن تبتعد عن المعصية، ولقد حثنا الله عز وجل على عدم نسيان نصيبنا من الدنيا، لأنّ لنا حقَّ العيش فيها، فقال سبحانه(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) فلا تنس نصيبك من الدنيا بشرط أن تكون صالحاً وذاكراً للآخرة وعاملاً لها، لأنها هي الهدف الأساس من وجودك في الحياة الدنيا التي هي ممرٌّ للناس إلى الآخرة.
كَيْفَ نَسْتَعِدُّ لاسْتِقْبَالِ المَوْت
لو فكر الإنسان قليلاً في المصير المحتوم لَسَعَى إلى جَعْلِهِ مصيراً جيداً ومتوجاً بالرحمة والراحة والسعادة، فلو عاش في الدنيا عزيزاً أو ذليلاً أو غنياً أو فقيراً أو عالماً أو جاهلاً أو صحيحاً أو سقيماً أو مؤمناً أو كافراً أو مطيعاً أو عاصياً فإنه لا بد وأن تأتي الساعة التي تُقبض فيها روحه وينتقل من دار الممر إلى دار المقر ومن دار العمل إلى دار الحساب، وإذا كان الأمر كذلك كان جديراً بالعاقل أن يحسّن آخرته عبر الإلتزام بأحكام الله تعالى والسعي للآخرة، فإنه ما مِنْ عَبْدٍ سعى للآخرة إلا نال أجرها وثوابها، فلو كانت هذه الدنيا دار خلود لتغير الكلام، ولكنها بما أنها دار عمل ينتهي بالموت، ولا أحد منا يعلم ساعة موته، كان لا بد من أن نستعد لمواجهة الموت ونمهد الطريق ونفرشها بالعمل الصالح، ولو فكرنا قليلاً بعذاب الآخرة الذي لا نهاية له ولا خروج منه وقارَنَّا بينه وبين عذاب الدنيا لأخَذَتْنا الخشية، وسلكنا الطريق الصحيح الذي يؤدي بنا إلى الرضوان ويوصلنا إلى دار السعادة، ولقد وَعَظَنَا أمير المؤمنين(ع) حول هذا الأمر، ولكن المتعظين كانوا قلة، فقد قال(ع) : أفرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه والعثرة تدميه والرمضاء تحرقه فكيف إذا كان بين طابقين من نار ضجيع حجر وقرين شيطان: وفي موضع آخر قال(ع) لسلكوا الطريق وخافوا عذاب الحريق:
وهذا يعني أنه يجب أن نستعد للموت، ونفرش قبورنا بورود العمل الصالح، ونضيئه بأنوار التقوى وحب لقاء الله والشوق للرحمة والمغفرة والنعيم، فعن طارق بن عبد الله قال: قال رسول الله(ص):يا طارق إستعد للموت قبل نزول الموت: فهنا يعظ الرسول طارقاً وغيره، ويحثهم على العمل الصالح قبل حلول الموت الذي يفصل بيننا وبين العمل، فلا ينبغي أن نؤخر العمل إلى حلول الأجل، فعندها تُطوى صفحة الحياة، ويُغلق ملف العمل، وتبدأ لنا مرحلة جديدة تسمى مرحلة الجزاء بالخير خيراً منه وبالشر شراً منه، وكذلك يعظنا أمير المؤمنين(ع) بموعظة مؤثرة حول هذا الأمر العظيم فيقول: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ، وَتَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ، وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ، وَكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهمْ فَانْتَبَهُوا، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا; فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدىً، وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلاَّ الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ:
فينبغي على كل واحد منا أن يبادر أجله بالعمل كيلا يأتيه وهو مقصر بواجباته والتزاماته الأخروية، فإن هذا التقصير لا علاج له، فلا تتممه الحسرة، ولا يكمله الندم، لأن يوم القيامة يوم لا ينفع فيه الندم ولا العذر،قال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وقال(فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ فَيَوْمَئِذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) وقال(يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) وهناك العديد من الأحاديث التي تحث على الإستعداد للموت.
فقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: إن أمراً لا تعلم متى يفاجأك ينبغي أن تستعد له قبل أن يغشاك:
وقال(ع) أسمِعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعى بكم:
وقال: إن العاقل ينبغي أن يحذر الموت في هذه الدار ويحسن له التأهب قبل أن يصل إلى دار يتمنى فيها الموت فلا يجده:
التَّأَهُّبُ لِلمَوْت
كما تجهز نفسك لاستقبال شخص عزيز لديك أو مهم عندك، أو كما تنتظر عملاً أو وظيفة تعتاش منها فتنتظر الرد بالساعات والدقائق والثواني، ولا تدري إن كان سوف يصل إليك منها شيء أو لا، فعليك أن تكون أشد استعداداً وأكثر تأهباً لاستقبال أمر عظيم حتمي الوصول والحلول، سواء دعوته إليك أم لم تدعه، وهو الموت الذي لا يفر منه هاربه ولا يتخلص منه كارهه ولا يتأخر عن طالبه.
والتأهب للموت في الغالب يجعلك أكثر عملاً وانتباهاً وحذراً من الوقوع في الأخطاء التي تلازمك تبعاته إلى قبرك وبرزخك ومحشرك، وأقول (في الغالب) لأن هناك أشخاصاً يتأهبون لاستقبال الموت وهم لم يعملوا صالحاً.
وقد ورد في هذا الشأن كثير من الآيات والعديد من الأحاديث عن أئمة البشر(ع) تزرع في داخلنا حب لقاء الله، وتحثنا على العمل الصالح الذي نواجه به أهوال الساعة ومخاطر ما قبلها من منازل الآخرة.
ويعظنا إمامنا السجاد(ع) في دعائه فيقول: فمن يكون أسوأ حالاً مني إن أنا نُقلت على مثل حالي إلى قبر لم أمهده لرقدتي ولم أفرشه بالعمل الصالح لضجعتي، وما لي لا أبكي ولا أدري إلى ما يكون مصيري وأرى نفسي تخادعني وأيامي تخاتلني وقد خفقت عند رأسي أجنحة الموت فما لي لا أبكي أبكي لخروج نفسي أبكي لظلمة قبري أبكي لضيق لحدي أبكي لسؤال منكر ونكير إياي أبكي لخروجي من قبري عرياناً ذليلاً حاملاً ثقلي على ظهري:
وبهذه الكلمات العظيمة التي خرجت من قلب الإمام عندما كان يناجي ربه يصور لنا الحالة التي سيكون عليها الإنسان منذ لحظة قدوم مَلَك الموت مروراً بالقبر والبرزخ ووصولاً إلى اليوم العظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين، ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة لشدته وعِظَمه.
فلقد قال أمير المؤمنين وإمام المتقين علي(ع): إن العاقل ينبغي أن يحذر الموت في هذه الدار ويحسن له التأهب قبل أن يصل إلى دار يتمنى فيها الموت فلا يجده:
وفي هذا الكلام العظيم ثلاث محطات يجب التأمل بها لتكون الفائدة أنفع وأثمر:
المحطة الأولى: أنه(ع) يحث الناس على التفكر بالموت والتأمل بجميع ما يتعلق به حتى يحصل عندهم الحذر من حلوله وهم في حالة يغضب الله لها، وهذا يعني أن الإنسان يجب أن يحرص على أن تكون الخاتمة حسنة.
المحطة الثانية: وهو أن يحسن المرء تأهبه لهذا الأمر الإلهي العظيم الموت الذي هو من الغيب والذي يجب تحسينه عبر الطاعة في هذه الدنيا لأنه أمر خطير ومخيف ولو لم يكن لنا من بعد الحياة من المراحل الأخروية سوى حدث الموت لكان ذلك دافعاً لنا نحو الطاعة وحاجباً لنا عن ركوب الشر والعصيان.
المحطة الثالثة: وهو بيان حقيقة كبرى تختص بيوم الحساب وبالعقاب على وجه الخصوص وهي أن العاصي المستحق للعذاب يتمنى الموت لشدة العذاب فلا يموت لأنه في النار لا يوجد حياة ولا موت بل يوجد عذاب دائم، وإليه يشير تعالى بقوله(وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى)
وفي ذلك الموقف يندم الإنسان حيث لا ينفع الندم، ويتمنى لو أنه كان أحقر مخلوق في هذا الوجود بدل أن يكون إنساناً عاصياً قد أوصله سوؤه إلى هذا الموقف الحرج والعذاب الدائم الذي ليس فيه تخفيف أو هدنة، قال تعالى(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا) وقال سبحانه(إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا)
الإِسْتِعْدَادُ للرَحِيل
على كل إنسان في هذه الحياة أن يستعد للرحيل سواء كان مؤمناً أم غير مؤمن، لأن الموت هو الأمر الوحيد الذي لا يشك فيه أحد، فقد يكفر الإنسان بالله ووجوده ووحدانيته وجنته وناره، ولكنه لا يستطيع أن يكفر بالموت، لأنه حق مفروض على كل ذي روح من البشر وباقي ذوي الأرواح، فلا يستطيع أن ينكر الموت لأنه يرى الموتى ويعلم بأنه سوف يلاقي المصير نفسه.
لقد قهر الله عباده بالموت، وأجبرهم عليه، فلا يستطيع أحد أن يفلت منه أو يفر من ملك الموت مهما كان قوياً وغنياً ومحصنِّاً نفسه من الأمراض والأخطار الخارجية، فإذا جاء الأجل فلا ينفع معه أية وقاية أو وسيلة، ولن يؤخره الله لحظة واحدة، فإذا جاء أجله فسوف يأتيه الموت ولو كان بين آلاف الناس ولو كان يسكن القصور الكبيرة والقلاع المحصنة(أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) وبعد هذه المقدمة يجدر بنا الإستعداد للرحيل الذي كان وما زال وشيكاً، فلا يدري واحد منا متى يموت، وفي أي مكان يأتيه ملك الموت(وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ولطالما حثنا النبي وآله على هذا الإستعداد وتمهيد الطريق لنواجه كل العقبات ونتخطى جميع الصعوبات ونجتاز تلك المواقف بثقة وثبات من دون خوف أو جزع، ولكننا لم نسمع كلامهم ولم نعمل بوصاياهم، مع أنهم دعوننا لما هو خير لنا، ففضّلنا خوض الشر وركوب الباطل، ونحن نعلم بأن العاقبة سيئة، حيث استسلمنا للشيطان الرجيم الذي كان همه الأكبر إغواء بني البشر، فإذا وجدك الشيطان مطيعاً له استملكك وأغراك حتى يُخسِرك الدنيا والآخرة في وقت واحد.
يجب علينا أن نقبل الموعظة ونعمل بها قبل فوات الأوان وحلول الأجل، فعند ذلك لا توبة ولا عمل ولا شفيع ولا منقذ لنا من عذاب الله عز وجل.
وقد اعتبر رسول الله(ص) أن التأهب للموت يدخل النور إلى صدر صاحبه حيث قال:إن النور إذا دخل الصدر انفسح، قيل هل لذلك من علم يُعرف به؟ قال نعم، التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والإستعداد للموت قبل نزوله:
والتأهب للموت هو أحد أبرز العوامل للإنابة إلى دار الخلود والتفكر فيما يأتي في تلك الدار من نعيم أو جحيم، ولذا حذرنا أمير المؤمنين(ع) عن الإشتغال في حوائج الدنيا من دون الرجوع إلى الله تعالى وطلب ما عنده فقال: إياك أن ينزل بك الموت وأنت آبق عن ربك في طلب الدنيا: وقال(ع) من استعد لسفر قرّ عيناً بحضره: وقال: إن قادماً يقدم بالفوز أو الشقوة لَمستحق لأفضل العدة: بمعنى أن تعد العدة لأن تحصل على الفوز، والفوز هو أن تجتنب العذاب، وفيه قال تعالى(كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) وقال(ص) :من ارتقب الموت سارع في الخيرات: وهو يعني أن ذكر الموت يدفع بالإنسان نحو العمل ويحثه على الحذر من سطوات الشيطان الرجيم الذي كان وما يزال سبب كل خطأ يصدر عن البشر لأنه عدو البشر كما هو عدو الإيمان وأهل الإيمان.
وقال أمير المؤمنين: إزهد في الدنيا واعزف عنها وإياك أن ينزل بك الموت وأنت آبق من ربك في طلبها فتشقى:
التَّزَوُّدُ لِلمَوْتِ قَبْلَ حُلُولِ الأَجَل
قال سبحانه وتعالى(وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) فإن الذين فهموا معنى الحياة والهدف من وجودهم فيها، هم الذين يتعظون ويعتبرون ويحذرون الأخطار ويجمعون من دار الفناء لدار البقاء ويستعدون للرحيل الوشيك ويتأهبون للقيا ملك الموت وأعوانه بالطاعة الصادقة والنية الخالصة والإيمان الصحيح والعمل الصالح، وقد التزموا بمضمون الآية المذكورة فتزودوا ليوم لا ينفع فيه سوى العمل النابع عن تقوى الله عز وجل حيث أدركوا بأن التقوى خير زاد.
وهؤلاء هم الناجون الرابحون الفائزون المرحومون المقربون في يوم الحساب، ولمثل ما عمل هؤلاء يجب أن نعمل نحن لنأخذ العبرة من عاقبتهم الحسنة وكذلم من عاقبة الذين ظلموا، فلقد كانت العاقبة الحسنة للمتقين، والعاقبة السيئة للظالمين، قال علي(ع): فتزودوا في الدنيا من الدنيا ما تُحرزون به أنفسكم غداً:
أتوقف قليلاً عند هذه الكلمة العظيمة لتكون الفائدة منها أكبر، فلقد ركّز الإمام على مسألة التزود من الدنيا ليلفت أنظارنا إلى أنه لا يوجد بعدها مرحلة للتزود، فهي الفرصة الوحيدة التي فتحها الله لعباده، وفيها يحدَّد مصير الإنسان.
وقال(ع): تزودوا في أيام الفناء لأيام البقاء، قد دُللتم على الزاد وأُمرتم بالظعن وحُثثتم على المسير: ومعنى ذلك أنه تعالى لم يكلفنا بما هو فوق طاقتنا فلقد حثنا على التزود من الدنيا للآخرة بعد أن دلنا على سبل التزود فلم يتركنا في حيرة من أمرنا وهذا لطف من الله تعالى بعباده الفقراء له والمحتاجين إليه في جميع مراحل الدنيا والآخرة، وقال(ع): عليكم بالجد والإجتهاد والتأهب والإستعداد والتزود في منزل الزاد: وقال: فليعمل العامل منكم في أيام مَهَله قبل إرهاق أجله…وليتزود من دار ظعنه لدار إقامته:
وقال(ع): ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعماراً وأبقى آثاراً وأبعد آمالاً وأعدَّ عديداً وأكثف جنوداً تعبّدوا للدنيا أيَّ تعبُّد وآثروها أي إيثار ثم ظعَنوا عنها بغير زاد مُبلِّغ ولا ظهرٍ قاطع:
وفي هذا الكلام الموجز يوجد أكثر من موعظة لأكثر من زمان ومكان وحدث، وهنا يحثنا الإمام على أخذ العبرة من السابقين الذين لم يبق من آثارهم شيء ولو كتب الخلود لذوي المال والقوة لكُتب لهم قبل غيرهم، وهذا الكلام العظيم مستوحى من كلام القرآن المجيد الذي وعظنا وأرشدنا وحذرنا وأعطانا العبرة من الأمم السالفة والشعوب الماضية الذين أهلكتهم الدنيا لأنهم اتخذوها دار مقر لهم.
وقد أعطانا العبرة من عاقبة الظالمين، وأبرزهم فرعون وقارون، الأول بقوته وكثرة جنوده والثاني بكثرة ماله، وإليكم الموعظة القرآنية والعبرة الإلهية حول مصيرهما، ففي موضوع فرعون قال تعالى(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ) وفيه أيضاً قال تعالى(آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) وفي موضوع قارون الذي جمع من المال ما لم يجمعه أحد بعده من الناس قال تعالى(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)
التَّزَوُّدُ لِلآخِرَة
كثير من الناس فهموا الدنيا من زواياها السلبية وجهاتها الشريرة، ولم يحيطوا علماً بالزوايا الأخرى التي يُصنع بها الخير لها وللآخرة، والدنيا ليست قبيحة كما يدعي بعض الناس إذ لو كانت كذلك لما قال الله لرسوله في كتابه العزيز(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) وإذا تأملنا قليلاً في الفقرات التي وردت في الآية الكريمة لأدركنا حقيقة الميزان الذي وضعه الله لعباده بين الدنيا والآخرة، وقد أوضح الإمام علي(ع) جانباً من هذا الميزان عندما قال: إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك توت غداً : والفرق بين المؤمن وغيره هو أن غير المؤمن يعمل للدنيا وينسى الآخرة، أما المؤمن فإنه يعمل لكلتيهما، فهو يريد خير الدنيا والآخرة، وهذا هو عين العقل، لأن المؤمن جزء من هذه الدنيا لا يستطيع أن يتخلى عنها، فالطعام الذي يأكله، والماء الذي يشربه، والهواء الذي يستنشقه، والمناظر الخلابة الطبيعية التي يؤنس نظره بها ويأخذ العبرة منها، كل ذلك من الدنيا، فمن أنكر الدنيا فقد أخطأ، لأنها الدار التي توصلك إلى نعيم الآخرة، وهي دار عمل، فإذا أنكرتها لم يعد بإمكانك أن تعمل فيها وتتزود منها لدار الخلود.
فإذا أردت أن تكون من الرابحين الفائزين فاعمل للدنيا كأنك سوف تبقى فيها للأبد، واعمل للآخرة كأنك مفارقٌ الدنيا في هذه اللحظة، وترك الدنيا بالمعنى الخاطئ لا ينبئ عن الفهم والوعي والإيمان والزهد، إذ ليس الزهد أن لا تملك شيئاً في الحياة وإنما الزهد الحقيقي هو أن لا يتملكك الشيطان ولا تسيطر عليك الأهواء ولا تخضع للشهوات المحرمة، فإذا ابتعدت عن الحرام فأنت زاهد وإن كانت أموالك لا تعد ولا تحصى، فأنت لك نصيب من الدنيا كغيرك ممن هو فيها، ولكن لا ينبغي أن تبيع الآخرة بالدنيا وتنسى ربك وواجباتك، قال تعالى(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ) يعني إستعمل ما آتاك الله في الدنيا من مال وقوة وإمكانيات متعددة في سبيل الفوز يوم الحساب، وهذا النوع من العمل لا ينبغي أن يحرمك نصيبك من الدنيا، ولقد قال تعالى(وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) كيلا يفهم الناس عكس المراد الأساسي من هذا الخطاب الإلهي الدقيق، ثم أمرك ربك بالإحسان، والإحسان هو التزود ليوم القيامة فقال (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) ولأجل ذلك قال أمير المؤمنين: إن الدنيا دار صدق لمن صَدَقَها ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها: وقال: إنما الدنيا منتهى بصر الأعمى، لا يبصر مما وراءها شيئاً، والبصير يَنفُذها بصرُه ويعلم أن الدار وراءها، فالبصير منها شاخص، والأعمى إليها شاخص، والبصير منها متزود، والأعمى لها متزود:
وهنا يظهر لنا الفرق بين المؤمن وغيره، فالمؤمن يتزود من الدنيا لدار الخلود وغيره يتزود من الدنيا للدنيا فقط.
وقال(ع) : إنك لن يغني عنك بعد الموت إلا صالح عمل قدمتَه فتزود من صالح العمل: وقال(ع) :تجهزوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل وأقلّوا العُرجة على الدنيا وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد فإن أمامكم عقبةً كؤوداً ومنازل مخوفةً مهولة لا بد من الورود عليها والوقوف عندها:
وعندما رجع الإمام(ع) من صفين أشرف على القبور بظاهر الكوفة فقال: يا أهل الديار الموحشة والمحالّ المقفِرة والقبور المظلمة يا أهل التربة يا أهل الغربة يا أهل الوحدة يا أهل الوحشة أنتم لنا فَرَط سابق ونحن لكم تَبَع لاحق أما الدور فقد سكنت وأما الأزواج فقد نكحت وأما الأموال فقد قُسِمت هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أمّا لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم أن خيرُ الزاد التقوى:
الخَوْفُ مِنَ المَوْت
إن الأغلبية الساحقة من الناس يخشون الموت ويخافون من المصير الذي سوف يواجهونه، وسبب هذا الخوف يعود إلى عدة أمور:
الأمر الأول: فقد يخاف الإنسان من الموت لظنِّه بأنه النهاية، وهذا الإعتبار بعيد عن الموازين الدينية التي تؤكد لنا بأن الموت هو البداية، وهو بداية مرحلة طويلة لا نهاية لها، فإذا كان الإنسان في دار الدنيا مؤمناً عاملاً بما يفرضه عليه إيمانه كان له السعادة الدائمة، وأما إذا كان كافراً أو مستهتراً فله الخلود في العذاب.
الأمر الثاني: وهو أن الإنسان بغض النظر عن كفره وإيمانه قد يخاف من الموت لأنه لا يدري إلى أين يذهب وماذا يرى حين الموت وفي القبر وفي عالم البرزخ وفي يوم القيامة، وهذه الأمور من شأنها أن تزرخ الخوف في قلب الإنسان ولكن يجب على الإنسان أن يمتلكه الخوف إذا كان محسناً ومؤمناً لأن المؤمنين لا خوف عليهم في أية مرحلة يمرون بها لأن الله تعالى يؤنسهم.
الأمر الثالث: قد يخاف الإنسان من الموت لأنه سوف يفصل بينه وبين أهله وولده وماله وكل أمتعة الحياة فهو يعتبر أن الموت شكّل له عائقاً بينه وبين الدنيا من دون أن يفكر في مصيره السيئ الذي يستدعي الخوف فلو كان ممن يخافون عقاب الله لما اعتراه مثل هذا الخوف الخسيس والوضيع في الحسابات الدينية والموازين الأخروية، فكيف تخاف على أمور زائلة لن تنفعك في يوم الحساب ولن تشفع لك ولن تخفف عنك وتنسى ما يخلصك من كل خطر وخوف.
الأمر الرابع: أن الإنسان قد يخاف من الموت لأنه مقصر في واجباته الدينية وهذا الخوف لن ينفعه في شيء لأنه بإمكانه أن يطيع الله تعالى ويطرد الشيطان الغوي من قلبه ونفسه وروحه وهو يعلم تماماً بأن الذي يبعده عن الطاعة والقيام بالواجب إنما هو الشيطان الرجيم الذي حذرنا الله منه وأمرنا بأن نتخذه عدواً(إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) وهنا يجب عليه أن يحرك عقله وفكره قليلاً لأنه إن كان خائفاً من الموت لهذا السبب فهذا يعني أنه يعرف الوسيلة للخلاص من هذا الخوف فما باله لا يعمل على إزالة هذا الخوف ولماذا يسمح لشيطان الرجيم بأن يفصل بينه وبين ربه ويبعده عن ذكره والخشية منه.
الأمر الخامس: وهو أن بعضهم يخافون من الموت كيلا يكون عليهم تبعات يُسألون عنها ويعاقبون عليها في يوم الحساب، ومن السهل جداً على الإنسان أن يستغفر ربه وينظر إلى مواضع الخلل فيصححها ويسأل أهل الذكر عن الطريق الصحيح والصراط المستقيم وبهذا العمل لا يبقى لخوفه أي وجود، فإنه إن كان مؤمناً أتته الملائكة بصورة حسنة وبشرته بالجنة، قال الإمام الصادق(ع) : ما يخرج مؤمن عن الدنيا إلا برضاً منه وذلك أن الله تبارك وتعالى يكشف له الغطاء حتى ينظر إلى مكانه من الجنة وما أعد الله له فيها وتُنصَب له الدنيا كأحسن ما كانت له ثم يخير فيختار ما عند الله عز وجل:
فإذا كان أمر موته كذلك فلا داعي للخوف منه.
الأمر السادس: أن الإنسان قد يخاف من قدوم الملائكة لقبض روحه، وهنا يجب أن يضع نصب عينيه قوله تعالى(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) فإذا كنت من أهل الإيمان فلن تخيفك الملائكة ولا شيء آخر.
الأمر السابع: أنه قد يخاف من ظلمة القبر ووحشته، وهذا القبر بالعمل الصالح يتحول إلى روضة من رياض الجنة، فيخاف أن يُترك وحده مع أنه ليس لوحده، فإن معه الله والنبي والأئمة(عليهم السلام) ولذا قال(ص) : شيئآن يكرههما ابن آدم الموت والموت راحة للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب:
حُبُّ لِقَاءِ اللهِ تَعَالَى
قال تعالى(مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وقال تعالى(إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ)
هذان نموذجان من نماذج لقاء الله عز وجل، أحدهما إيجابي، والآخر سلبي، فمنهم من يرجون لقاء الله وثوابه، ومنهم من لا يرجون ذلك ولا يخافون عقابه، ولكل واحد منهما سبيله وعاقبته، فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، ومن كره الله لقاءه ألقاه في جهنم.
والمؤمن المخلص يحب أن يلقى الله عز وجل، لأنه علم بما أعده الله له من النعيم، فهو لا يخاف من الموت، وإنما يقبله بقبول حسن لأنه النافذة للقاء الله.
وقد ورد في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة حَثٌّ كثير على حب لقاء الله والإستعداد لهذا اللقاء العظيم، وقد جعل الله تعالى تمني الموت وحبه علامة على الصدق والإيمان، فقد قال سبحانه(قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)
لقد ادعى بعض اليهود أنهم مؤمنون بالله وأنهم يعملون من أجل الآخرة ولقاء الله، فكشف الله عن نواياهم السيئة وأظهر للناس أنهم كاذبون، وذلك عندما دعاهم إلى تمني الموت، وقد أخبرنا ربنا بأنهم لن يتمنوا الموت أبداً لأنهم يكرهون لقاءه، وأنهم يتمنون أن يعيشوا في الدنيا ألف سنة وأكثر، وفي سورة الجمعة قال تعالى(قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
يعني سواء تمنيتم الموت ورضيتم به أم لم تتمنوه ولم ترضوا به وفررتم من أسبابه فسوف ينزل بكم عاجلاً أم آجلاً، وإذا كان الفرد منا يعلم تماماً بأنه لن يفر من الموت فلماذا لا يحصن نفسه ويتذخر للقاء الله عز وجل؟
فعن الإمام الصادق(ع) عن أمير المؤمنين(ع) قال: لمّا أراد الله تبارك وتعالى قبض روح إبراهيم(ع) أهبط الله ملك الموت فقال السلام عليك يا إبراهيم قال وعليك السلام يا ملك الموت أداع أم ناع؟ قال بل داع يا إبراهيم فأجب، قال إبراهيم فهل رأيت خليلاً يميت خليله قال فرجع ملك الموت حتى وقف بين يدي الله جل جلاله فقال إلهي قد سمعت ما قال خليلك إبراهيم فقال الله جل جلاله يا ملك الموت إذهب إليه وقل له هل رأيت حبيباً يكره لقاء حبيبه إن الحبيب يحب لقاء حبيبه:
وتمني الموت جميل إذا كان الهدف منه لقاء الله تعالى أما إذا كان الهدف منه اليأس من الحياة وما فيها من المتاعب فهذا أمر مقبوح، وقد سُئل أمير المؤمنين(ع) بماذا أحببت لقاء الله؟ قال لمّا رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله وأنبيائه علمت أن الذي أكرمني بهذا ليس ينساني فأحببت لقاءه:
وعن عبد الصمد بن بشير عن الصادق(ع) قال: قلت له أصلحك الله، من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن أبغض لقاء الله أبغض الله لقاءه؟ قال نعم، قلت: فوالله إنا لنكره الموت، فقال ليس ذاك حيث تذهب إنما ذلك عند المعاينة إذا رأى ما يحب فليس شيء أحب إليه من أن يتقدم والله يحب لقاءه وهو يحب لقاء الله حينئذ وإذا رأى ما يكره فليس شيء أبغض إليه من لقاء الله عز وجل والله عز وجل يبغض لقاءه:
وجاء رجل إلى الإمام الصادق(ع) فقال: قد سئمت الدنيا فأتمنى على الله الموت، فقال(ع) تمن الحياة لتطيع لا لتعصي فلأَن تعيش فتطيع خير لك من أن تموت فلا تعصي ولا تطيع:
حَقِيقَةُ الرُّوْح
قبل أن نبدأ بالكلام حول أنواع الموت وأسبابه يجب أن نضع أمامنا فكرة أن الموت والحياة بيد الله عز وجل، وإن كانت الأنواع كثيرة والأسباب عديدة، فإن تعدد السبب لا يجعل قابض الروح أكثر من واحد.
والحديث عن أنواع الموت وأسبابه يحتم علينا البحث حول حقيقة الروح ليسهل علينا فهم المَطْلَب وإدراك المقصود بكل كلمة ترد فيه.
فهذه الروح سر من أسرار الله عز وجل لم يطلع أحداً من خلقه على حقيقتها فهي المحرك للبدن والأحاسيس والمشاعر وهي الحاكمة على النفس والقلب والعقل وإن كان لكل جهة من هذه الجهات وظائفه الخاصة فإنه إذا خرجت الروح من الجسد تعطلت وظائف العقل والقلب والحواس لأنها تقترن بالروح اقتراناً وثيقاً مما جعل بعض علماء النفس بأن القلب والعقل والنفس هي الروح، والصحيح أنها غير الروح بدليل أن فاقد العقل إنسان حي يذهب ويجيئ ويأكل ويشرب وينام ويستيقظ ويسعى ويعاشر الآخرين، ومن هنا فإننا نخالف رأي الفلاسفة الذين يدعون بأن العقل هو الروح أو القلب هو الروح لأن هذه النظرية لا تخالف الشرع فحسب وإنما تخالف المنطق السليم والواقع الصحيح.
والروح سر من أسرار الخالق سبحانه وتعالى وهو القائل في كتابه العزيز(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) والمقصود بالروح هنا هي الروح التي تعتبر مصدر الحياة لعدم وجود قرينة تصرف الذهن إلى معنى آخر كما ذهب بعض المفسرين إلى كون المراد بالروح ملكاً عظيماً من ملائكة الله كان ملازماً لرسول الله محمد(ص)
نحن نؤمن تماماً بأن النبي كان مسدداً بالملائكة بأمر الله تعالى، ولكن هذا الإعتقاد لا يدفع بنا نحو الإعتقاد بكون المقصود بالآية المذكور هو ذلك الملك العظيم وذلك لعدم وجود قرينة دالة على هذا المعنى سوى رواية وردت في المقام لا يمكن التعويل عليها، وإنما المعوّل عليه هو جواب الباقر أو الصادق لأبي بصير عندما سأله عن معنى قوله تعالى(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) فقال(ع) :التي في الدواب والناس: وقد رجحنا هذا المعنى على المعنى الذي ذهب إليه بعض المفسرين خصوصاً وأن لفظ الروح له أكثر من معنى، وقد استعمله القرآن الكريم للدلالة على عدة معان:
منها: وهو المعنى الأساسي للروح الذي يتبادر إلى الأذهان مباشرة بمجرد سماع اللفظ الدال عليه من دون أية قرينة متصلة أو منفصلة وهو أنها مبدأ الحياة التي يقوى بها الحيوان على الحركة ونقصد بالحيوان كل حي ذي روح، وهو الذي عبّر عنه المناطقة بالحساس المتحرك بالإرادة في مقابل الحياة الأخرى الخاصة بالنبات.
ومنها: أن معنى الروح هو العلم الذي يعتبر حياة للقلوب والعقول حيث يعبّر بعضهم عن الجهلاء بالموتى التي تتحرك على الأرض، وإلى هذا المعنى يشير القرآن الكريم بقوله(أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) أي أو من كان منكم جاهلاً فعلّمناه، والعلم كما يعلم الجميع روح الحياة إذ لولا العلم لما ازدهرت حياة البشر ولما استمرت.
ومنها: أن الروح هي القرآن الكريم وقد استعمل سبحانه هذا اللفظ للدلالة على كتابه العزيز لأنه روح الأرض والعقول والقلوب والنفوس ومن سار على نهج القرآن فقد حيا حياة حقيقية، قال تعالى في سورة الشورى(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) فإذا كان العلم العادي روحاً للبشر فإن القرآن الكريم أجدر بهذه الصفة من باقي المعارف والعلوم لأنه رأس كل علم ومعرفة.
ومنها: أن الروح هي الأمر بالشيء والإذن به قال تعالى(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا) أي الأمر معها، ويمكن أن يكون المراد بالروح هنا أمراً آخر نحن لا نعرفه.
ولعل قوله تعالى(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) ناظر إلى هذا المعنى والله أعلم وربما يكون المقصود بالروح هنا الأمر والإذن.
ومثله قوله سبحانه(يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) والذي يجعلنا نؤيد فكرة أن الروح المقصودة بقوله تعالى(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) هي الروح التي في الحيوان وليس الملك العظيم هو أولاً: عدم وجود قرينة تصرف الذهن إلى ذلك المعنى، وثانياً قوله تعالى(يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ) فقال بالروح ولم يقل والروح أو مع الروح، وقد وردت بعض الآيات توحي بأن الروح ملك من الملائكة كما في قوله(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) ولكن هذا لا يؤكد كون الروح ملكاً إذ يصح استعمال هذه العبارة في الأمر فلا مانع من أن تكون الملائكة قد عرجت ومعها الأمر الإلهي.
أَنْوَاعُ المَوْتِ وَأَسْبَابُه
لا نقصد بأنواع الموت أن الروح تخرج بطرق عديدة، ولكننا نقصد بذلك تعدد الأسباب الدافعة إلى خروج الروح من الجسد لعدم استقرار النظام الجسدي وارتفاع الظرف الحاوي للروح إذا صح التعبير، فإن خروج الروح من الجسد له أسباب مادية وأسباب ملكوتية، أما الأسباب المادية فهي كثيرة جداً، فقد يتعرض الإنسان لحادث يفقده الروح كمن يقع من مرتفع أو يصطدم بجدار أو سيارة أو يصاب بمرض قاتل يكون سبباً في وفاته.
وأما ما نقصده بالأسباب الملكوتية فهو ما يعبّر عنه البعض بالموت الطبيعي، وأنا شخصياً لي رأي خاص حول هذا التعبير وأخالف الذين يعبرون عن الموت ذي السبب المجهول بالموت الطبيعي، وأرى أن الموت المخروم الناجم عن حادث مميت هو الموت الطبيعي لأنه من الطبيعي أن يموت الإنسان إذا تعرض لحادث من شأنه أن يميت الإنسان ويفقده الروح، وإذا تقصينا أحوال الوفيات في العالم نجد بأن النسبة العالية فيها ناجمة عن الحوادث والحروب والأمراض ونجد بأن الموت الفجائي المقرون بسبب غامض والذي يعبّر عنه البعض بالسكتة القلبية نجده قليلاً جداً وهذا ما يدفع بنا نحو القول بأن الموت الطبيعي هو الناجم عن حادث من طبيعته أن يميت ذا الروح، وقد أخبرنا القرآن الكريم في أكثر من موضع أن الإنسان قد يعيش طويلاً وقد يموت قبل سن الشيخوخة وما قبل سن الشيخوخة يبدأ من لحظة الولادة وإلى سن الشيخوخة، قال تعالى(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
وقال عز وجل(وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ)
والذي دفع بأصحاب هذا التعريف إلى اعتماده في الموت الفجائي الذي عبّرنا عنه بالملكوتي هو أنهم لا يرون للموت الفجائي سبباً، مع أن السبب فيه أوضح من السبب في الموت المنخرم أو المخروم، والسبب في الموت المحتوم هو مجيء الأجل، وهذا أعظم سبب لحصول الوفاة، ويندرج تحته الموت المخروم، لأن الذي يموت بحادث قاتل قد جاء أجله بطريقة مختلفة عن طريقة الموت المحتوم، فلا أحد يموت قبل حلول أجله، وإذا اعتقدنا بأن أحداً يموت قبل حلول الأجل فقد أسأنا النظر إلى الله سبحانه الذي أخبرنا بأنه إذا جاء الأجل مات الإنسان من دون أن يفرق بين أسباب الموت، نحن ننظر إلى الأسباب، ولكن الله تعالى ينظر إلى الأجل، وهناك بحوث مطولة حول طول العمر وقصره، منها يعود إلى أسباب خارجية كنوعية الطعام والشراب ونسبة التلوث في الأرض والهواء والماء، ومنها ما يعود إلى أمور دينية لها أثر على عمر الإنسان من حيث الطول والقصر، فقد ورد في الشريعة السمحاء أن البر بالوالدين والصدقة وصلة الأرحام تطيل في عمر الإنسان بينما العقوق وبعض المحرمات الأخرى تقصر العمر.
ففي موضوع حلول الأجل قال تعالى في سورة النحل(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) وفي سورة فاطر(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا) وقال في سورة الأعراف(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)
فالموت الذي نقصد به خروج الروح له حالة واحدة وذلك عندما يأتي ملك الموت أو أعوانه لقبض روح ذي الروح، أما الأسباب فهي أكثر من أن تحصر، ولقد أحسن من قال : تعددت الأسباب والموت واحد.



