كتُب

معجزات الأنبياء عليهم السلام

مُعْجِزَاتُ الأَنْبِيَاء(ع)

لقد أشار القرآن الكريم إلى وجود أنبياء لم تذكر أحداثهم وأسماؤهم وخصوصياتهم في القرآن الذي اقتصر الحديث عن خمسة وعشرين نبياً، ولعل السبب في ذلك هو أن الذي جرى على أيدي الأنبياء المذكورين فيه كان أعظم مما جرى مع باقي الأنبياء صلوات الله تعالى عليهم أجمعين.
ثم إن المواقف والعبر التي ذكرت عن بعضهم تكفي في المقام فلا داعي إلى الإكثار من بيان عبر غيرهم من الأنبياء حتى يتسنى للمؤمنين قراءة القرآن وفهمه، وهو الكتاب الذي توسم بالإيجاز فلا ينسجم مع ذكر الجميع لأن ذلك يحتاج إلى كلام طويل.

مُعْجِزَاتُ أَبِيْ البَشَرِ الأَوَّلِ آدَمَ(ع)

من خلال ما عرفناه حول الهدف من إقامة البرهان ندرك السبب في عدم ضرورة أن يكون لآدم معجزات مشابهة لمعجزات الأنبياء، فلو واجه آدم شعوباً منحرفة وأقواماً ضالة للزم أن يأتيهم بالإعجاز لتتم الحجة به على المنذَرين.
وهذا لا يعطينا الحق في نفي أن يكون له معجزة إذ لعله اضطر لذلك في بعض الأحيان حتى لمن هم قريبون منه، ولكن الظاهر من القرآن والسنّة أنه لم يأت بالمعجزات وذلك لعدم وجود السبب أو لعدم اقتضاء الحاجة إليه.
ونحن تارة نتحدث عن المعجزات ونقصد بها التي أجراها الله على أيدي أنبيائه والتي حصلت بالمبادرة أو بعد الطلب، وتارة أخرى نتحدث عن المعجزات المغايرة للنوع الأول، فإن المعجزة تارة تحصل على يد الشخص كأكثر المعجزات التي أثبت بها أنبياء الله الحقيقة للناس، وتارة تحصل في ذات الشخص كأن يكون هو معجزة بحد ذاته كآدم(ع) الذي كانت حياته مليئة بهذا النوع من الإعجاز.
ولذا يمكن القول بأن آدم(ع) مصدر المعجزات بل هو معجزة المعجزات، وما زال إعجاز خَلقه قائماً حتى يومنا الحاضر، وقد تسلّح أكثر الأنبياء بآدم المعجزة في تكوينه.

مُعْجِزَةُ أَصْلِ الخِلْقَةِ
إن أول معجزة حدثت في العهد الآدمي هي معجزة خلق آدم من تراب، ولا أحد يعلم الحكمة من وراء جعل أصل الإنسان تراباً لأن الله تعالى كان قادراً على إيجاد الخلق من دون توسط مادة أخرى، وعلى كل حال فإن وجود تلك المادة هي معجزة أيضاً لأن الله تعالى برأها من العدم.
فلقد أراد سبحانه أن يكوّن الإنسان من تراب أرضٍ سوف يسكنها، ولعله والله أعلم ليكون هناك التقاء وتواصل وتفاهم وتناغم بين الإنسان والأرض، ولعله (والله أعلم) لأنها موضع امتحان البشر، وكل هذه هي عبارة عن احتمالات تبقى في دائرة الشك لأن العلة الحقيقية والتامة من وراء هذا الفعل لم تظهر بشكل واضح، وليس بالضرورة أن يعرف الإنسان كل شيء لأن هناك خصوصيات إلهية احتفظ بها الخالق لنفسه، ولم يؤتنا من العلم سوى الشيء اليسير.
وقد أشار الله تعالى إلى معجزة خلق آدم من تراب في العديد من سور الكتاب العزيز، فقال سبحانه في سورة الكهف(قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) وقال في سورة آل عمران(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)

مُعْجِزَةُ خَلْقِ حَوَّاء
إن معجزة أصل الخلقة لم تنحصر في آدم وحده بل اشتركت معه حواء في ذلك لأنها والله أعلم قد خُلقت بنفس الطريقة التي خُلق منها آدم، ولكن النصوص حول عملية خلق آدم ذكرت أنه صُوِّر على هيئة الإنسان وهو تراب ثم تحوّل إلى لحم ودم، أما حواء فغاية ما ورد في بيان أصل خلقتها أنها خُلقت من فاضل الطين الذي كُوّن منه آدم، من دون ذكر تلك الخصوصيات التي ذُكرت حول خلق آدم، ولا يمكن الجزم بأنها صُوّرت مثل آدم لأنه يوجد وراء تصوير آدم عندما كان تراباً حكمة من الله، وقد ذكر المؤرخون بأن الشيطان كان يدنو دائماً من هذا الجسد الترابي، ونفس هذا الأمر لوحده يشير إلى وجود حكمة من تصوير آدم، ولم تُشر الروايات إلى أن إبليس فعل بجسد حواء الترابي ما فعله بجسد آدم، ويذكّرنا القرآن الكريم بأن أصلنا من مخلوقين كانا وما زالا معجزة للبشرية حيث يقول سبحانه(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ){الحجرات/13} وقد أشار الله تعالى إلى كون خلق حواء معجزة أيضاً حيث يقول(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)

مُعْجِزَةُ تَعْلِيْمِه الأَسْمَاءَ

قال سبحانه وتعالى في سورة البقرة(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ){البقرة31/33}
قد يحصل الإعجاز من أجل الأنبياء، وقد يحصل من أجل الناس، وقد يحصل من أجل الملائكة، فإحياء الطيور بعد أن تم تقطيعها على يد إبراهيم الخليل كانت تلك المعجزة من أجل إبراهيم، والجبل الذي جعله الله دكاً كان من أجل موسى، وهذا النوع من المعجزات تارة يكون من أجل التثبيت وأخرى يكون من أجل التكريم، أما مثال الأول فهو ما حصل من أجل إبراهيم وموسى، وأما مثال الثاني فهو ما حصل لإسماعيل عندما نبعت له ماء زمزم، ولكن عندما تحصل المعجزة من أجل النبي يكون الغرض منها غير الغرض من إجرائها لأجل الناس، فالنبي مؤمن بالله ولا يمكن أن يشك به لحظة، فيُجري الله له الإعجاز من أجل أن يطمئنه ويُشعره بالراحة عندما يذهب لتبليغ الرسالة كما حصل لموسى في الوادي المقدس عندما أعطاه الله آيتين من أجل مواجهة فرعون لأنه لو لم يحدث ما حدث في البقعة المباركة لبقي موسى خائفاً من مواجهة فرعون.
وأما الهدف من المعجزة لأجل الناس فهو إما إثباتٌ وإما تثبيت، وهذا رهن الظروف الحاكمة، ففي البداية كانت المعجزات لهم من أجل إثبات كون الله موجوداً وأنه هو الخالق وهو من تجب طاعته، وبعد إيمانهم تعرّضوا لشيء من الوهم والشك فثبّت الله إيمانهم بمعجزات أخرى إضافية تماماً كما حصل مع بني إسرائيل.
وقد تكون المعجزة للملائكة، أي من أجل إثبات شيء لهم هم لا يعرفونه، وهو ما حصل عندما علّم الله آدم جميع الأسماء.
لقد أراد الله تعالى أن يثبت للملائكة خلاف ظنهم بآدم، وذلك بعد أن أخبرهم الله بأنه سوف يجعل في الأرض خليفة فظنوا بأنه سيكون كسابقيه مرتكباً للمحرمات وسفّاكاً للدماء، وهذا ما أشارت إليه الآية الثلاثون من سورة البقرة حيث تقول(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
فلقد خلق الله آدمَ وعلّمه أسماء كل المخلوقات التي كانت حاضرة في زمانه والتي لم تكن قد وُجدتْ بعدُ، وقد أشار إمامنا الصادق(ع) إلى هذا الأمر بعد أن سأله السائل عن تلك الأسماء وكان(ع) جالساً على بساط فأشار بيده إليه وقال للسائل: حتى هذا: أي أن آدم كان يعرف إسم هذا البساط أيضاً.
ولا شك بأن تعليم آدم الأسماء كلها كان معجزة من الله تعالى أجراها على يده لإثبات أمر كانت الملائكة تشك فيه بعيداً عن العصيان.
وقد اشتملت معجزة تعليم آدم الأسماء كلها على أمرين:
الأمر الأول: وهو نفس استيعابه لأسماء لا يعلم عددها إلا الله عز وجل، وهذا أمرٌ خارق للعادة، فهو إذاً معجزة.
الأمر الثاني: وهو أن مجموعة كبيرة من تلك الأسماء كانت مندرجة تحت عنوان الغيب إذ لم يكن لها وجود في ذلك الزمان.
ولم يذكر القرآن تلك المدة التي حصل فيها تعليم آدم الأشياء، ولكننا نعتقد بأن الله تعالى قد ألقى تلك التعاليم في صدر آدم بلمح البصر كما ألقى علم القرآن في صدر خاتم الأنبياء(ص).

مُعْجِزَاتُ نَبِيِّ اللهِ نُوْحٍ(ع)

مُعْجِزَةُ جَمْعِ أَصْنَافِ الحَيَوَانَات

قال الله عز وجل(حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ){هود/40}

كان على قوم نوح أن يفكروا قليلاً في مسألة جمع الحيوانات المتنوعة ووضعها في مكان واحد من دون أن يفترس القوي الضعيف، ومعنى ذلك أن النظام الخاص بهذا الشأن قد تغير في تلك الظروف التي كان من شأنها أن تلفت انتباه الناس إلى تلك الخصوصية النادرة حيث لم يكن لأحد أن يقوم بما قام به نوح(ع).
لقد جرى هذا الأمر على مرأى ومسمع من الناس، ولا شك بأن منهم من لفت انتباهه ذلك، غير أنه لم يؤمن بما جاء به نوح، ففضّل البقاء مع الأكثرية لظنه بأنها الغالبة، مع أن الأكثرية القائمة على الكفر والباطل لا يُكتب لها النجاح، وإذا كُتب لها ذلك فلن يُكتب لها الإستمرار.
ومنهم من أعمى الكفر قلبه وعينه فلم ينتبه للأمر الذي كان ينبغي أن يلفت نظر الجميع، إذ كيف يمكن أن يتغير النظام الذي استمر ملايين السنين في إشارة من نوح رغم عجز الأقوياء عن السيطرة على حيوان مفترس واحد من تلك الحيوانات التي أدخلها نوح في السفينة من دون أن تحدث أية حالة عنف بين صنف وآخر.
نعم.. لقد أدخل نوح من كل صنف من الحيوانات ذكراً وأنثى كيلا تنقرض بالطوفان الذي قضى على الحياة آنذاك، وقد كانت تلك الحادثة معجزة لأنها أمر خارق لقوانين الطبيعة.

وَجْهُ الإِعْجَازِ فِيْ عَمَلِيَّةِ جَمْعِ الحَيَوَانَات
إن لمسألة جمع أصناف الحيوانات وجوهاً عديدة، وبيان تلك الأوجه هو الذي يكشف لنا عن جوهر الإعجاز البعيد كل البُعد عن عمليّة الترويض المألوفة والمعروفة.
الوجه الأول: كيف استطاع نوح(ع) أن يجمع جميع أصناف الحيوانات في مدة محدودة ومنطقة محددة؟ فهل أمر الله الحيوانات بالتجمع في مكان معيّن؟ أم أن نوحاً(ع) قطع المسافات البعيدة وجال الأودية والسهول بحثاً عنها؟
من الطبيعي أن نطرح مثل هذه الأسئلة حتى يتسنى لنا إظهار جوهر الإعجاز.
نحن نقول: لو صحّ واحد من الأمرين كان جديراً بالإعجاز لأنه إن اجتمعت الحيوانات كلها في منطقة واحدة فمعنى ذلك أنها اجتمعت بقدرة الله عز وجل، ومن الواضح أن الحيوانات تسكن مناطق مختلفة من هذه الأرض بحسب وضعها الملائم لهذا المناخ أو ذاك، ولو صحّ الأمر الثاني لكان معجزة أيضاً إذ أنه من المستحيل في الحالات الطبيعية وفي تلك الحياة البدائية أن يجمع الإنسان تلك الأنواع والأعداد في مدة لعلها لم تكن طويلة، والأرجح أنها لم تكن طويلة لأن الطوفان حصل قريباً من فوران التنور الذي كان علامة على بداية الطوفان، أما القول بأن نوحاً قد جمعها قبل ذلك فهذا ما يحتاج إلى دليل لأن لسان القرآن ظاهر في كونه جمعها بعد أن فار التنور، أي أنه جمعها في وقت قصير، وحتى لو أنه جمعها في وقت طويل فإن العمل الذي قام به لا يمكن أن يتم إلا عن طريق الإعجاز وذلك بدليل العقل والطبع والوجدان.
الوجه الثاني: وهو أنه كيف علم بمواطنها، وما هي الطريقة التي استعملها لجلبهم واستدراجهم نحو منطقة السفينة؟ فهل أن الأمر كان مهيئاً له ولها قبل أن يصل إليها أمأنه كان يعلم لغة الحيوان كداوود وسليمان(ع)؟ كل هذه أسئلة مطروحة في المقام، ومهما يكن الأمر فإنه لم يتم إلا بالإعجاز لأنه إن كانت تفهم عليه وتعرف ما يريد منها قبل أن يخاطبها فهو الإعجاز بعينه، أو أنه خاطبها ففهمت عليه فهو الإعجاز كذلك.
الوجه الثالث: نوعية الطعام الذي أكلته الحيوانات، فهل أكلت من طعام غير طعامها للضرورة عن طريق الإعجاز، أم أن نوحاً جمع لها طعامها؟ فإن أكل الأسد طعام البقرة أو أكلت البقرة من طعام الأسد فهذا ما لا يحتاج إثبات إعجازه إلى دليل، وأما إن أكل كل حيوان من طعامه المقرر له تكويناً فكيف عرف نوح نوعية الطعام ومكان وجوده؟ أليس ذلك هو المعجزة بعينها؟
الوجه الرابع: وهو أن الله تعالى قد سلخ عن تلك الحيوانات غرائزها كيلا يفترس بعضها بعضاً حيث كانت الدجاجة تنام مع الذئب والغزال يفترش بجنب الأسد، وهذا أمر لا يمكن أن يت إلا بالإعجاز.
الوجه الخامس: إن من طبيعة اجتماع هذا الكم الهائل من الحيوانات المتنوعة في مكان ضيّق أي في سجن استمر أربعين يوماً من شأنه أن يُحدث قلقاً لدى الحيوانات وثوراناً بينها وتصرفات غريبة خصوصاً عندما حمل الماء السفينة، فلم يحصل شيء من ذلك بسبب الإعجاز.
الوجه السادس: ولعله أهم نقطة يمكن البحث فيها في المقام، وهي هل أن نوحاً جمع في السفينة جميع أصناف الحيوانات ممن يمشي على رجلين أو أربع أو ممن يمشي على بطنه ويطير في الهواء كالطيور والحشرات أم أن أنواعاً كثيرة منها خُلقت بعد الطوفان؟

هَلْ كَانَ الطُّوْفَانُ مُعْجِزَةً
قد يتساءل بعض الناس حول حَدَث الطوفان العظيم الذي جرى في زمن نبي الله نوح(ع) هل كان له علاقة بالإعجاز أم كان مجرد حدث أجراه الله تعالى على يد نوح لكي يقضي أمراً تجاه قومه المعاندين.
ومع تأمل بسيط في الغاية من إحداث الطوفان نجد أن له علاقة متينة بالمعجزة لأنه يرتبط بمسألة الدعوة إلى الله عز وجل.
وكذلك لو أدرجنا موضوع هذا الطوفان بعينه على القاعدة لوجدنا أنه لم يكن طوفاناً عادياً بل كان أمراً خارقاً للعادة فهو ينسجم مع موضوع المعجزة.
أضف إلى ذلك أن الطوفان لم يحصل بطريقة عادية ومألوفة وإنما حصل في مكان وزمان لم يكن أحد ليصدق بأنهما موضعان للطوفان أو محلاً له، بالإضافة إلى كونه قد حدث على إثر دعاء نوح على قومه.
ومن جملة الأدلة على كونه معجزة أمران:
الأول: مدَّته : فقد ذُكر أنه دام أربعين يوماً بشكل غزير ومستمر.
الثاني: أثره على الأرض: فقد كان طوفاناً رهيباً حيث غطى اليابسة كلها فلم يبق منها موضع إلا وغطته المياه بدليل قول ابن نوح كما حكى القرآن الكريم(سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله)
حتى لو صعد إلى أعلى قمة في العالم وهي تتجاوز الثمانية آلاف متر فسوف يدركه الماء لأن الأمر الإلهي قد قضى بإغراق هذه الأرض بما فيها قمم الجبال العالية.
وحديث القرآن الكريم عن ذلك الطوفان يوحي بالإعجاز ، ووجه الإعجاز في الطوفان هو أنه لماذا لم يمت بسببه إلا الكفار؟
ولماذا نجا نوح ومن معه ؟ ومن الذي أخبر نوحاً بالطوفان وأمره بصنع السفينة؟
ليس الأمر صدفة كما يدعي بعض المعاندين للحق، فتعالوا نرجع سوياً إلى المنطق الإلهي واللهجة القرآنية تجاه الحديث عن طوفان نوح وسوف نجد بأن الأمر كله معجزة.
قال تعالى(حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ)
ومع ملاحظة مضمون هذه الآية الكريمة يتضح لدينا أن الطوفان كان معجزة من الله تعالى، فلقد كان طوفاناً عاقلاً ميّز بقدرة الله تعالى بين المؤمنين والكافرين فأهلك أهل الكفر ولاحقهم في كل مكان ونجت منه المؤمنون.

مُعْجِزَةُ فَوَرَانِ التَّنُّوْر
ومن معجزات نبي الله نوح(ع) فوران التنور بالماء، ولا شك بكون ذلك معجزة قد أجراها الله تعالى على يد نوح لتكون علامة على قرب موعد الطوفان.
وقد كان ذلك التنور من آثار حواء، فقد قيل بأنها كانت تخبز فيه، وقد توارثه الأبناء والأحفاد حتى وصل إلى يد زوجة نوح التي قال لها زوجها إذا فار هذا التنور بالماء فأسرعي إلى السفينة،
والتنور معجزة على كل حال سواء خرج منه الماء وهو مشتعل أم خرج منه الماء وهو معطل لأن السؤال القائم حول هذا الأمر هو أنه كيف خرج الماء من التنور ومن أين مصدره.
فيظهر لنا بأن فوران التنور من معجزات نوح(ع).
وقد أصبح هذا التنور مضرباً للمثل لمن يريد أن يعبر عن شدة غضبه وفوران دمه.

مُعْجِزَةُ السَّفِيْنَة
إنها سفينة نوح المشهورة تاريخياً، إنها السفينة الأكبر في ذلك التاريخ، بل إنها السفينة التي سارت من دون قبطان وحطّت على جبل الجودي من دون إدارة أي إنسان، وجالت في البحار من مكان إلى مكان، ورفعها الموج مئات الأمتار ولعبت فيها الرياح يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً دون أن تُخرق أو تنكسر رغم بدائية صناعتها وثقل حمولتها بل ربما مع وجود ثغرات هندسية من شأنها أن تُغرق أية سفينة في بحر هادئ فضلاً عن غرقها أما الأمواج التي عبّر عنها القرآن بأنها كالجبال، وقد قطعت السفينة مسافات طويلة في مدة أربعين يوماً دون أن تصاب بأذى أو يصاب أحد ركابها بسوء.
ولن أطيل الشرح في بيان الإعجاز فيها لأنها معجزة واضحة للجميع، فبناؤها لم يكن إعجازاً بل ما حدث لها عند الطوفان وبعد انتهائه هو الذي كان من الإعجاز، ويكفي لإثبات كونها معجزة أن ننظر إلى حديث القرآن عنها فإنه واضح الدلالة.
قال تعالى في سورة هود(وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ) إلى قوله تعالى (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)

مُعْجِزَاتُ خَلِيْلِ اللهِ إِبْرَاهِيْمَ(ع)

خليل الله إبراهيم هو أبو الأنبياء وهو ثاني أنبياء العزم، وله تاريخ عريق وشيق مليئ بالمخاطر والمواقف الجريئة والمحطات التي كانت دروساً للبشرية على مر العصور.
إن إبراهيم (ع) من الأنبياء الكرام الذين كان لهم الدور الأبرز في تغيير مسار البشرية من الحالات المتردية إلى الأوضاع الكريمة فهو أول المسلمين وهو الذي سمانا بالمسلمين.

مُعْجِزَةُ كِبْشِ إِسْمَاعِيْل

لقد كانت حياة إبراهيم(ع) مليئة بالمعجزات والكرامات وقد كانت الظروف المحيطة به تستدعي ذلك، ومن تلك المعجزات معجزات ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز، ومعجزات نُقلت في التاريخ وعن طريق المعصومين(ع)
ومن المعجزات التي ذُكرت في القرآن كبش إسماعيل الذبيح(ع) حيث قال تعالى(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ)
لقد أراد الله تعالى أن يمتحن قلب خليله إبراهيم ليكون ذلك الإمتحان عبرة للناس وليجعل من خليله قدوة للبشر، فلقد أمره تعالى بأن يذبح ولده فلم يتذرّع بذريعة ولم يتوانى عن تنفيذ الأمر رغم أنه كاد يموت من الحزن عليه، وقد أخبر ولده إسماعيل بهذا الأمر فكان إسماعيل صابراً كأبيه واستسلما لأمر الله تعالى، وفي اللحظة الأخيرة عندما كان إبراهيم يهم بذبح ولده فوضع السكين على نحره وراح يضغط عليه فلم تؤثّر السكين في عنقه، وعندها نادى الله عبده إبراهيم بأنك نجحت في الإمتحان وقد أنزل إليه من السماء كبشاً يذبحه فداءاً عن إسماعيل، وقد كان ذلك الكبش معجزة من الله تعالى حيث أوجده بلحظة ومن دون أن يولد من أبوين.
فالإعجاز حدث خارق لقانون الطبيعة كإخراج الناقة من الجبل وإبطال مفعول النار، وقد يكون هناك حادثة كبرى تشبه ببعض جوانبها الإعجاز إلا أنها ليست معجزة.
لقد أمر الله تعالى إبراهيم بذبح ولده الوحيد الذي رزق به على الكبر فلم يعترض على أمر ربه رغم شدة البلاء وعظيم الإمتحان ولأجل ذلك فدا الله إسماعيل بكبش ليذبحه إبراهيم بدل ولده ففعل ذلك وشكر الله تعالى على إعفائه من تلك المهمة الصعبة التي لم يقصّر إبراهيم في تأديتها كما أمره ربه.
وفي هذه الحادثة اجتمع أمران: معجزة وشِبهُ معجزة، أما المعجزة فهي الكبش الذي أوجده الله تعالى من دون أب وأم، وأما شبه المعجزة فهو الأمر الذي قام به إبراهيم عندما أراد أن يذبح ولده.
ولكي ندرك أهمية الأمر وعظمته فلنضع أنفسنا دقيقة واحدة مكان إبراهيم في ذلك الموقف الرهيب وسوف نعرف عظيم الأمر وندرك صعوبة الموقف ونعلم مدى حب إبراهيم لربه وخشيته منه.

مُعْجِزَةُ الحَجَرِ الأَسْوَد

قال سبحانه(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
لقد أمر الله خليله ببناء الكعبة ففعل ما أمره به، وقد أعانه ولده إسماعيل على رفع قواعد البيت، ولكن عندما انتهى إبراهيم من بنائها أمره الله تعالى بأن يضع حجراً في إحدى زوايا الكعبة ليكون علامة على بداية الطواف فطلب من ولده إسماعيل أن يأتيه بحجر مقبول فذهب إسماعيل يبحث عن حجر مناسب فلم يجد فرجع إلى أبيه ليخبره بعدم وجود حجر مناسب فوجد أباه قد وضع في المكان حجراً جميلاً، إنه حجر هبط به جبرائيل من الجنة، ولأجل ذلك حظي هذا الحجر باهتمام الناس عبر التاريخ، وقد تعرض للسرقة لأنه موضع فخر واعتزاز، بل لأنه معجزة من معجزات الله الدائمة والتي جرت على يد شيخ الأنبياء وثاني أولي العزم(ع)
وقد تناقلته الأيدي والقبائل والعائلات، ولكنه أعيد إلى مكانه بتوفيق من الله سبحانه وتعالى ليستمر الحج وليكون هذا الحجر علامة وتذكرة بالقدرة الإلهية، ولأجل ذلك فإن جميع الحجاج يتهافتون من أجل الوصول إلى مكان الحجر ليلمسوه ويأخذوا منه البركة.

مُعْجِزَةُ إحْيَاءِ الطُّيُوْر
الثابت الذي لا شك فيه حول هذه القضية هو أن المعجزة قد حدثت بالفعل لأن القرآن الكريم قد ذكرها بشكل واضح حيث قال تعالى(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ){البقرة/260}
أما ما اختُلف فيه حول هذه المعجزة فهو الدافع لها والسبب من حدوثها، واختلاف السبب لا يؤثّر شيئاً فيها لأنها أعطت أُكُلَها وآتت ثمارها واستوفت الغرض منها وهو بيان القدرة العظيمة.
فقد جاء في الكافي وفي تفسير العياشي عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: لما رأى إبراهيم(ع) ملكوت السموات والأرض التفت… فرأى جيفة على ساحل البحر بعضها في الماء وبعضها في البر تجيء سباع البحر فتأكل ما في الماء ثم ترجع فيشتمل على بعض فيأكل بعضها بعضاً، وتجيء سباع البر فتأكل منها فيشتمل بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضاً، فعند ذلك تعجّب إبراهيم(ع) مما رأى وقال: يا رب أرني كيف تحيي الموتى؟ هذه أممٌ يأكل بعضها بعضاً، قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي: يعني حتى أرى هذا كما رأيت الأشياء كلها، قال: خذ أربعة من الطير فقطّعهن واخلطهن كما اختلطت هذه الجيفة في هذه السباع التي أكل بعضها بعضاً فخلط، ثم اجعل على كل جبلٍ منهن جزءاً ثم ادعهنّ يأتينك سعياً فلما دعاهن أجبنه وكانت الجبال عشرة، قال: وكانت الطيور الديك والحمامة والطاووس والغراب:
ولعل الغرض الأول من إحداث هذه المعجزة هو بيان كيفية المعاد بدليل أن هذه الآية التي تحدثت عن إبراهيم وإحياء الطيور بعد تقطيعها وردت بعد كلام القرآن الكريم عن معجزة موت العزير ثم إحياؤه، فلعل هاتين الحادثتين أو المعجزتين قد حصلتا لغرض واحد وهو إثبات المبعث.
وبعض الروايات تقول بأن معجزة إبراهيم قد حدثت إثر تهديد النمرود له بالقتل بعد أن حاجّه وقال له النمرود بأنني أحيي وأميت، وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ)
وقد استدلوا على ذلك بسياق الآيات حيث أن حديث القرآن عن تلك المعجزة ورد مباشرة بعد حديثه عن تلك المحاججة التي حصلت بين إبراهيم والنمرود.
ومهما يكن سبب هذه المعجزة فإن المهم هو أنها حصلت وكانت آية من آيات الله التي أجراها على يدي خليله إبراهيم(ع).

مُعْجِزَةُ بِئْرِ زَمْزَم

بعدما أمر الله تعالى نبيه إبراهيم الخليل(ع) بترك زوجته وولده في وادي مكة حيث لا ماء ولا نبات ولا أحد من الناس، وكان ذلك ابتلاءاً يمتحن الله به قلب خليله إبراهيم بالإضافة إلى كونه تمهيداً لبناء الكعبة وتأسيساً لفريضة الحج كان ذلك أمراً شاقاً على إبراهيم الذي تعلق قلبه وتعانقت روحه بروح ولده إسماعيل الذي رزقه الله به على الكبر.
ففي مثل تلك الظروف القاسية التي مر بها إبراهيم وعائلته لم يكن هناك مجال للخلاص إلا بالعناية الإلهية الخاصة أو ما نعبّر عنه بالمعجزة.
وبالفعل لقد حصلت المعجزة على يد نبي الله إسماعيل وأمه هاجر عندما كاد إسماعيل وأمه يموتان عطشاً في جو تلك الصحراء القاتلة، فذهبت الأم تبحث عن نبع ماء وهي تعلم بأن الأمر مستحيل حيث لم يعهد الناس في ذلك المكان عين ماء، فرجعت تلك الأم المحتارة إلى ولدها يائسة من وجود الماء حاكمة على نفسها وولدها بالموت، وإذا بها ترى ماءاً يتدفق من تحت قدمي ولدها، وإذا بها عين زمزم التي جعلها الله تعالى معجزة للبشر عبر الزمن.
لقد كانت بئر زمزم معجزة كبرى، إذ كيف يمكن أن تنبع في الصحراء عين ماء بارد ، وما زالت تلك المعجزة قائمة حتى يومنا هذا إذ أن حجاج بيت الله الحرام يشربون من تلك العين، ومن المستحبات أن يشرب الحجاج من تلك البئر المباركة فإن فيها الشفاء والبركة والفائدة.
ما زالت زمزم موجودة وهي تنبع بشكل مستمر وغزير تكفي جميع الوافدين إلى مكة، ولكن أكثر الوافدين إليها والشاربين من مائها هم يؤمنون بكون مائها مباركاً، ولكنهم ينسون أن هذا الماء بحد ذاته معجزة للبشر عبر الزمن.
فعلى الناظر إلى ماء زمزم أو الشارب منه أن يتأمل في أصل نبعه في ذلك المكان الصحراوي وأن يرجع بالفكر إلى زمن إبراهيم وابنه ويتأمل في عظيم تلك المعجزة التي كانت موضع دهشة المسافرين الذين لم يروا في حياتهم قبل إسماعيل أي أثر لعين ماء.
إن هناك معجزات كثيرة ما زال أثرها موجوداً ووجودها فعالاً ولكن الأمر بحاجة إلى شيء من التفكر الذي كان بحد ذاته عبادة فلو أهمل الناس تلك المعجزات ولم ينظروا إليها إلا من المنظار المادي لأصبحت المعجزات منسية ومهملة مع أن المفروض هو إحياؤها بشكل دائم لأنها تربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى.
وبفضل تلك المعجزة أصبح ذلك المكان مأهولاً بالسكان ومقصداً للمسافرين ومورداً للحجاج الذين دعاهم إبراهيم إلى الحج بعد أن رفع القواعد من البيت.

مُعْجِزَةُ نَارِ النِّمْرُوْد

لم يتوانى إبراهيم(ع) يوماً عن دعوة قومه إلى الحق، ولم يسكت عن الباطل، ولم يغض الطرف عن الظلم الفردي والجماعي الذي كان يرتكبه الحكام في حق شعوبهم.
ولم تقتصر دعوته على الضعفاء والمحكومين فقط وإنما دخل قصور الملوك والجبابرة ووضعهم في مواقف حرجة تجاه أقوامهم.
فلم يجدوا أمامهم سوى القضاء على إبراهيم ليكون عبرة لكل من يجرؤ على الوقوف في وجه الوثنية والقيمين عليها فقرروا أن يعاقبوا إبراهيم أشد العقاب وجعلوا يوم تنفيذ الحكم يوم احتفال عام يحضره أكبر عدد ممكن من الناس في أقطار رقعة الوثنية فحددوا المكان والزمان وجمعوا حطباً كثيراً حتى أصبح الحطب شبيهاً بالجبل ليعبّروا بذلك عن شدة غضبهم على كل من يذكر آلهتهم بسوء.
وجاء اليوم المحدد يوم تنفيذ العقوبة بإبراهيم فأشعلوا تلك النار التي لم يشهد الناس ناراً بحجمها من قبل، ولكنهم واجهوا مشكلة أخرى لم تكن بالحسبان وهي أنهم لم يستطيعوا الإقتراب من النار وإدخال إبراهيم فيها فأشار عليهم بعض عتاتهم بأن يضعوه بالمنجنيق (آلة القذف من بعيد) ويقذفوه إلى النار ففعلوا ذلك وألقوا إبراهيم في وسط النار فامتلأت نفوسهم بالفرح والسرور لأنهم انتقموا لآلهتهم وبقي إبراهيم جالساً في وسط النار مدة طويلة لعلها تجاوزت الساعات لأن مثل تلك النار لكي تنطفئ لا بد من الإنتظار يوماً كاملاً على أقل تقدير .
وبعد انتظارهم الطويل المشحون بالفرحة والسرور جاء وقت النظر إلى جثة إبراهيم المحترقة التي لم يبق منها سوى العظم المحروق بحسب اعتقادهم فدنوا من بقايا الحطب الملتهب لينظروا إلى تلك الجثة وإذا بهم ينظرون إلى إبراهيم وهو جالس بين النار وكأنه جالس تحت شجرة يلاعب أوراقها النسيم فكانت النتيجة أنهم صُعقوا وارتعبوا من تلك الحادثة الخارقة لقوانين الطبيعة حيث أن الله سبحانه وتعالى قد أبطل بقدرته مفعول النار فأصبحت برداً وسلاماً كما قال تعالى( وقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم)
ونتيجة لحدوث تلك المعجزة آمن كثير من الناس بدعوة إبراهيم الخليل.
وهنا تجدر بنا الإشارة إلى أمرين أساسيين حول تلك المعجزة الكبرى التي كرّم الله بها خليله إبراهيم(ع)
الأمر الأول: فقد ورد عن المعصومين سلام الله عليهم كلام أنبأ عن عظمة خليل الله إبراهيم فقد نزل عليه جبرائيل فور إلقائه في النار فقال له: يا إبراهيم هل من حاجة؟ فقال إبراهيم إن كانت منك فلا، فتحولت النار بقدرة الله إلى برد وسلام.
الأمر الثاني: أن تلك المعجزة اشتملت على أكثر من حَدَث:
منها: أن النار قد تحولت إلى أمان بقدرة الله تعالى.
ومنها: أن إبراهيم لم ينج من النار فقط وإنما نجا أيضاً من أثر السقوط على الحطب لأنه القي من مكان بعيد.
ومنها: أن نفسه كانت مطمئنة فلم يضعف أمام تلك النار وهو لا يعلم ما سوف يكون من شأنها.
قال تعالى(قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ)

مُعْجِزَاتُ نَبِيِّ الله هْوْدٍ(ع)

أرسل الله تعالى نبيّه هوداً إلى قوم عاد الذين اشتهروا بالظلم والفساد، ودعاهم إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، فتكبّروا وعاندوا وتحدوا هوداً وهددوه وواعدوه هو المؤمنين به إن أصر على تلك الدعوة، فأراد الله عز وجل أن ينجي هوداً والمؤمنين به فأجرى على يد هود معجزة قضى بها على جبروت عاد وذلك بعد أن اشتد النزاع بين الطرفين وفي ذلك قال تعالى(قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ)
والمعجزة هي أن الله تعالى أرسل عليهم العذاب من السماء وهي الريح الصرصر العاتية التي دمّرتهم وأبادتهم ولم تؤثّر تلك الريح بالمؤمنين وهذا من أعظم جوانب تلك المعجزة حيث فصلت الريح المأمورة بين المؤمنين والكافرين، وفي هذه الريح قال تعالى في سورة الحاقة (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ)
ولا يمكن نفي أن يكون لهود غير هذه المعجزة، ولا شك بأن التاريخ قد ذكرها، ولكنني هنا أحاول الإقتصار على المعجزات التي أشار إليها القرآن الكريم.


مُعْجِزَاتُ نَبِيِّ الله صَالِحٍ(ع)

لقد أرسل الله عز وجل نبيّه صالحاً إلى قوم ثمود، وكانوا قوماً جبارين متغطرسين، فدعاهم إلى الإيمان بالله فأنكروا الحق وكذّبوا الآيات بعد أن رأوها بالعيان.
ولا شك بأن صالحاً(ع) كان له الكثير من الكرامات والمعجزات، ونكتفي هنا بذكر ثلاثٍ منها هي التي أشار إليها القرآن الكريم.

الأُوْلَى: مُعْجِزَةُ النَّاقَة
عندما جاءهم صالح داعياً إلى الله تعالى طالبوه بالدليل، ولكنهم طلبوا دليلاً خاصاً حيث عيّنوا نوع المعجزة(الناقة) ومكان خروجها(الجبل) فسأل الله ذلك فأعطاه سؤله، وكان لتلك المعجزة أثر كبير في نفوس الناس حيث شاهدوها كيف خرجت من بين الصخر بعد أن أحدث الجبل صوتاً قوياً كالمرأة في المخاض، وقد كانت ناقة كبيرة جداً بحيث لم يكن على الأرض ما هو أكبر منها حيث كان لبنها يكفي كل ثمود، وكانت عين مائهم لا تكفي لهم ولها فلقد كانت تشرب منها يوماً وهم يشربون منها يوماً، وإن دلّ هذا الترتيب على شيء فإنما يدل على كونها كانت كبيرة جداً وهو ما زادهم يقيناً في صدق صالح إذ لو كانت ناقة بالحجم العادي المألوف لصنعوا خطة يتهمونه فيها بأنه أدخل الناقة إلى الجبل بطريقة فنية، مع العلم بأنهم هم الذين حددوا النوع والمكان وربما الزمان أيضاً، ولكن بما أن الإعجاز كان في حجمها أيضاً فلم يستطع عتاتهم أن يزيلوا حقيقتها من الأذهان فعمدوا إلى الخلاص منها لأنهم كانوا كلما رأوها تذكروا قدرة الله وصدق صالح(ع) فقد اجتمع رهط منهم ونصبوا كميناً لها وعدوا عليها فذبحوها، وهذا ما أشار الله إليه بقوله(مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ){الشعراء154/158}

الثَّانِيَةُ: مُعْجِزَةُ نُزُوْلِ العَذَاب
عندما اعتدوا على الناقة فعقروها استحقوا العقاب الذي نزل بهم حيث تحدوا النبي وحاولوا تكذيبه بشتى الوسائل، بل حاولوا قتله هو ومن آمن معه حيث وقفت الدعوة حائلاً بينهم وبين بلوغ أطماعهم التي قامت على حساب المعتقدات والكرامات الدماء، فاجتمع تسعة منهم وقرروا أن يغتالوا صالحاً دون أن يراهم أحداً فيضيع دمه بهذه الطريقة ويتخلصوا من هذا الشبح الذي بات يتهدد مصالحهم بالخطر، غير أن يد القدرة لم تكن غائبة عن النبي صالح فأوحى الله إليه بما يخطط له الأعداء ونجاه منهم، وهذا ما أشير إليه في قوله تعالى من سورة النمل(قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ * وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ)
وبعد تلك المحاولات الفاشلة، وبعد أن خالفوا نبيهم في قتل الناقة أتتهم صيحة من عند الله بعد ثلاثة أيام من الإنذار والإمهال لهم علهم يتوبون فجعلتهم جثثاً هامدة في بيوتهم وفي كل مكان تواجدوا فيه، وفيه قال تعالى في سورة هود(فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ * فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ)

الثَّالِثّةُ: مُعْجِزَةُ نَجَاة صَالِحٍ وَالمُؤْمِنِيْن
لا شك بأن عدم إصابة الرجفة(العذاب) للمؤمنين بنبي الله صالح0ع) هي معجزة من معجزاته، وهذا ما حصل بالفعل عندما تدخلت يد القدرة فمنعت العذاب من أن يصيب أحداً منهم، وهذا رحمة من رب العالمين تبارك وتعالى.
وهذا ما أشار له الكتاب العزيز بقوله(فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ)
فالنجاة لهم لم تقتصر على خلاصهم من العذاب الذي أصاب ثموداً بل إن النجاة لهم سوف تكون من عذاب يوم القيامة أيضاً، وهذا صريح في الآيات المذكورة.

مُعْجِزَاتُ نَبِيِّ اللهِ شُعَيْب(ع)

تشابه معجزة نبي الله شعيب وظروفه قبل نزول العذاب بقومه معجزة هود(ع) ولعل نفس ما ذكرناه عنهما يصلح ذكره عن هذا النبي العظيم الذي لُقّب بخطيب الأنبياء، ولعل الإعجاز كان له دور هام في عذوبة كلام شعيب وأسلوبه الرائع في البيان، وقد حدثنا القرآن عن العذاب الذي نزل بأهل مدين الذين كذّبوا رسالة شعيب فقال تعالى(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) إلى قوله تعالى(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ * فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ)

مُعْجِزَاتُ نَبِيِّ اللهِ يُوْنُس(ع)

قال تعالى في سورة الصافات(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ)
وقال تعالى في سورة الأنبياء(وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ)
لقد تحدث القرآن الكريم عن معجزة حدثت على يونس، ومعجزة حدثت له.
أما المعجزة التي جرت على يديه فهو دنو العذاب من قومه الذين تجاوز عددهم المئمة ألف كما ينص التاريخ حيث أنهم كفروا بالله بعد أن دعاهم يونس إلى الإيمان مراراً فلم يؤمنوا فواعدهم العذاب وخرج من بينهم.
فعندما أشرف عليهم العذاب ورأوه بأم العين ندموا على الكفر وأعلنوا التوبة والإيمان فكشف الله عنهم العذاب قبل أن يصيبهم، فاستخبر يونس عن حالهم فعلم بما كان من أمرهم، ولعله(ع) غضب بسبب رفع العذاب عنهم لأنهم يستحقونه


مُعْجِزَةُ العَذَاب

من جملة المعجزات التي جرن على يد يونس(ع) هو الذاب الذي أنذرهم منه فلم يقنعوا فخرج من بينهم وعلامات العذاب ومؤشراته قد أقبلت نحوهم، ولكن العذاب لم يهلكهم لأنهم عندما رأوه خافوا وتضرعوا إلى الله أن يكشف عنه العذاب وتوابوا إليه فاستجاب لهم، وإلى هذا يشير القرآن الكريم بقول(فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ)
وقد تركّبت هذه المعجزة من معجزتين، الأولى: دنوّ العذاب، والثانية: رفعُه عنهم بعد الإيمان.


مُعْجِزَةُ الحُوْت وَالرِّيَاحِ الشَّدِيْدَة

عندما بدأت مؤشرات العذاب تدنو من قوم يونس بعد أن كفروا خرج يونس من بينهم، وبعد فترة من الزمن استخبر عن حالهم فعلم أنهم لم يهلكوا فغضب لذلك وسافر عبر البحر، وفي أثناء السفر عرض لهم حوت كبير يريد أن يلتهم واحداً منهم فألقى يونس بنفسه إلى البحر متكلاً على الله تعالى، وشاهد الحوتُ جسماً يتحرَّكُ في الماء، يغالبُ الأمواجَ العاتيةَ فاتَّجَهَ إليه، والتقمَه ابتلاعاً، دون أن يمزِّق منه لحماً، أو يهشم له عظماً، وقد أوحى الله تعالى إليه: “إني لم أجعل عبدي لك رزقاً، ولكني جعلت بطنكَ له مسجداً، فلا تكسرنَّ له عظماً ولاتخدشنَّ له جلداً
ومضى الحوتُ في طريقِهِ، لايلوي على شئ.وتابعت السفينة طريقها وقد ساد رُكّابها حزنٌ طفح على وجوههم جميعاً، وقد كان صاحبُهم بينهم منذ لحظات، ثم لبثوا أن أخذهم العجبُ الشّديدُ: إذ سرعان ما عادت الريح طيِّبة، رخاءً، وعادَ الجو إلى صحوهِ وإشراقِهِ، بينما انصرف الحوتُ وشأنَه وكأنَّ شيئاً لم يكن
واستقرّ يونس في جوف الحوت،.. وكأنّه في جوف قبرٍ مظلمٍ، تتحرك فيه مياهٌ جيئةً وذهاباً..
وعصفت به وحشةٌ رهيبةٌ قاسيةٌ، كادت تقطع أنفاسَه..
فذكر الله، مسبِّحاً له، مقدِّساً إياه، وهو سجين ظلماتٍ ثلاثٍ: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة جوف الحوت.
أما المدَّة التي بقيها يونسُ في جوف الحوت، فقد اختلف العلماء والمفسِّرون فيها: فمن قائلٍ: ثلاثة أيام،.. إلى قائلٍ: بل، سبعة. وقيل: عشرون يوماً. وقيل: أربعون.
والكلام هنا هو في أنه كيف بقي يونس في بطن الحوت حياً؟ وكيف تنفس؟ وماذا أكل؟ وماذا شرب؟ كل تلك الأمور هي معجزات من الله تعالى أجراها لنبيّه يونس، ولتكون تلك المعجزة آية للناس حيث لا شك بأن الذين كانوا معه في السفينة قد أخبروا الناس بأمر الحوت، ولذا عندما رجع إليهم يونس حياً سالماً كان لذلك الأمر أثر كبير على صفاء عقولهم وأرواحهم.
وفيه قال تعالى(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) وقال تعالى(وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ)

مُعْجِزَةُ شَجَرَة اليَقْطِيْن

قال سبحانه(فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ)
ويشاء الله تعالى أن يشمل عبده اللاّهج باسمه، برحمته وهو حيثُ هو في هذا القبر الحيِّ المتنقِّلِ به في قيعان بحار الدُّنيا!. فأوحى إلى الحوت: أن الفِظ عبديَ على الشاطئ الأمين.. ففعل!.
وخرج يونسُ – وقد قاءه الحوتُ يتلمَّس طريقَه على الشاطئ، وقد رقَّ جلدُه بسبب ملوحةِ مياه البحر التي كان يقبع فيها، وهو في جوف الحوتِ.. ووَهنت قواه لفَرطِ ماعاناه، حتّى لكاد يُشرِف على الهلاك.
واقتعد ناحيةًمن الشَّاطئ، مفترشاً الرَّملَ.. فآذته حرارةُ الشَّمسِ.. فأنبتَ الله عليه شجرةً من يقطينٍ، فاستظَلَّ فَيْأها، وتناول منها ما اقتات به بعض الشئ..
وأخذت تسري الحياةُ في أوصاله شيئاً فشيئاً.. حتى تماسك على نفسهِ واستعادَ بعض قواه الخائِرةَ.

مُعْجِزَاتُ نَبِيِّ اللهِ أَيُّوْب(ع)

بعد صبرٍ على البلاء والطاعة ووسوسات الشيطان القاتلة، وبعد أن فاق صبره حدود المعقول دعا أيوب ربه أن يكشف عنه هذا الإمتحان فاستجاب الله له، وكان في مكان بعيد عن الناس فأمره الله تعالى بأن يضرب الأرض برجله ففعل فنبعت له عين ماء فشرب منها واغتسل وبلحظات ذهب عنه المرض بحيث عندما أتت إليه زوجته كالعادة لتعطيه الطعام والشراب وجدته واقفاً سليماً معافاً فلم تعرفه للوهلة الأولى، ثم رزقه الله تعالى بعشرين ولداً، أي ضعف الذين ماتوا، ثم أرجع له أراضيه خضراء نضرة مثمرة، فهذه عدة معجزات أجراها الله تعالى على يد نبيّه أيوب(ع)، وفيه قال تعالى في سورة ص(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ)

مُعْجِزَاتُ نَبِيِّ اللهِ زَكَرِيّا(ع)

كانت أم مريم(ع) أخت زوجة نبي الله زكريا، وكانت أم مريم عاقراً وقد رزقها الله بتلك البنت الطاهرة الكريمة العابدة، وقد رأى زكريا تلك الآية وغيرها من المعجزات التي اختُصت بها مريم ابنة عمران فامتلأ قلبه أملاً بأن الله تعالى سوف يستجيب له ويرزقه بولد رغم أن سنّه المتقدمة وشيخوخة زوجته يمنعان طبيعياً من الإنجاب، ولكنه كان يعلم بأن اليد التي أنجبت مريم وأنزلت لها الرزق الطيب من السماء قادرة على تحقيق أمنيته الكبرى في هذه الحياة، وهي أن يكون له ولد، فعند ذلك دعا زكريا ربه أن يرزقه بولد فاستجاب الله له عندما نزلت عليه الملائكة وكان في المحراب يصلي ونقلت إليه بشارة رب العالمين فعمّت نفسَه الفرحة وامتلأت بالبهجة والسرور وبشكر الله تعالى على نعمه الكبرى وآياته الباهرة.
لقد رُزق زكريا بولد، وكان هذا الحمل معجزة، وقد طلب زكريا من ربه أن يعطيع علامة على وجود الحمل، فقال له الله تعالى إن علامة ذلك أن لا تستطيع الكلام ثلاثة أيام، وهذا ما حصل بالفعل عندما استقر الحمل في بطن زوجته التي ناهز عمرها المئة عام، وقد تم الحمل ورُزق زكريا بهذا المولود المعجزة الذي جعله ربه نبياً، وقد وُلد يحيى بعد بشارة الملائكة بخمس سنين، وقد ذُكرت هذه المعجزة في عدة من سور القرآن:
منها: في سورة آل عمران حيث يقول تعالى(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء * فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء)
ومنها في سورة مريم حيث قال سبحانه(ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)
وقد استجاب الله دعاء زكريا لأنه دعاه بقلب سليم مفعم بالإيمان ومليء بالإخلاص والصدق والنزاهة، وقد أخبرنا الله تعالى عن دعاء زكريا حيث قال(وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)

مُعْجِزَةٌ أُخْرَى
ومن المعجزات التي جرت لنبي الله زكريا هي أنه عندما لاحقه اليهود ليقتلوه وصل إلى واد ليس فيه مخبأ وكان هناك شجرة كبيرة فانفلقت نصفين فدخل فيها ثم رجعت كما كانت فوصل اليهود إلى هناك فلم يعثروا عليه فأتاهم الشيطان اللعين ودلهم على مكانه فشروا الشجرة بالمناشير وقد نُشر معها جسد نبي الله زكريا الذي غسّلته الملائكة وصلّت عليه.

مُعْجِزَاتُ نَبِيِّ اللهِ يَحْيَى(ع)

ترتبط معجزات يحيى(ع) بمعجزات أبيه زكريا(ع) حيث كانت ولادة معجزة من الله تعالى.
ومن معجزاته أنه أوتي النبوة في الصبا فحمل مواريث النبوة وهو ولد صغير، وكان مرجعاً في الشريعة الموسوية يحفظها كلها، وهاتان معجزتان له ذكرناهما على وجه الإختصار، وقد ذكر الله تعالى نبيّه يحيى في العديد من السور القرآنية.
ففي سورة آل عمران(فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ)
وفي سورة الأنعام(وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ)
وفي سورة مريم(يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا)
وفي سورة مريم أيضاً(يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا)

مُعْجِزَاتُ نَبِيِّ اللهِ دَاوُوْدَ(ع)

لقد اصطفى الله عبده داوود واختاره للنبوة ووهبه الكثير من النعم ومنّ عليه بالحكمة والعلم، وبالإضافة إلى ذلك أجرى له وعلى يديه العديد من المعجزات:
منها: أن الجبال كانت تسبح معه عندما يذكر الله عز وجل، ولكن لا أحد منا يفقه تسبيح هذه الموجودات، وقد أشار الله تعالى إلى هذا التسبيح الخاص حيث يقول(وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)
ومنها: أن داوود عندما كان يبدأ بذكر الله تعالى كانت الطيور تتوقف عن الطيران وتحط في أماكن معيّنة وتشارك داوود في ذكره لربه، وفيه قال تعالى في سورة الأنبياء(وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) وفي سورة ص (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ) وقد ورد عن الإمام الصادق(ع) أنه ذكر قصة داوود وقال: إنه خرج يقرأ الزبور وكان إذا قرأ الزبور لا يبقى جبل ولا حجر ولا طائر إلا جاوبته:
ومنها: أن الله تعالى جعل الحديد بين يديه ليّناً حتى يتسنى له أن يصنع الدروع الحديدية ويبيعها، وفيه قال تعالى في سورة سبأ(وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)
ومنها: أن داوود أعاد لبني إسرائيل التابوت الذي ألقي به موسى في اليم عند ولادته، وكان بنوا إسرائيل يقدسون هذا التابوت، فوعدهم بإعادة التابوت لهم بعدما انتُشل منهم كعلامة على صدقه، وكان ما وعدهم به بأمر من الله تعالى، وفيه قال سبحانه(وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
ويُحكى بأن موسى(ع) قد وضع الألواح في ذلك التابوت وكثيراً من الأشياء التي تخصه، وجاء في التاؤيخ أنه عندما وقع هذا الصندوق بيد عبدة الأوثان في فلسطين ووضعوه في معبدهم فراحت تنزل عليهم المصائب فظنوا بأنها تقع عليهم بسبب هذا الصندوق فعزموا على إبعاده عن ديارهم ولكن لم يرض أحد منهم القيام بتلك المهمة خوفاً من هذا الصندوق فربطوه ببقرتين وأطلقوهما في الصحراء وقد صادف أنه في ذلك الوقت تمّ تنصيب طالوت ملكاً على بني إسرائيل وقد أمر الله تعالى بعض الملائكة بأن يسوقوا الصندوق نحو مدينة أشموئيل وعندما رأى بنوا إسرائيل الصندوق بينهم اعتبروه إشارة من الله على اختياء طالوت ملكاً عليهم، والملائكة لم تحمل الصندوق بل ساقت البقرتين إلى ذلك المكان فصحّ نسب ذلك إليهم.

مُعْجِزَاتُ نَبِيِّ اللهِ سُلَيْمَان(ع)

لقد أجرى الله تعالى على يد سليمان(ع) كثيراً من المعجزات الدالة على عظيم القدرة، وقد أشار الكتاب العزيز إلى عدة منها:

مُعْجِزَةُ لُغَةِ الحَيَوَان

لقد منّ الله سبحانه على نبيّه سليمان بأن علّمه منطق الطير، والظاهر أنه علّمه منطق كل الحيوانات بدليل خطاب سليمان مع النملة، ولبس ذلك على الله بعزيز.
قال تعالى في سورة النمل(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)
ولكن القدَر المتيقَّن هو أنه كان يكلّم الطير والنمل، وليس ذلك سوى معجزة من الله تعالى.
أما كلامه مع الهدهد فقد قال تعالى في هذا الشأن(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ)
وأما كلامه مع النمل فقد قال سبحانه(حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)
وأما في الأحاديث فقد ورد أن سليمان(ع) كان ماراً على شاطئ البحر فرأى نملة تحمل في فمها طعاماً فوقفت أمام الشاطئ فخرج من الماء ضفدع ففته فمه فدخلت النملة فيه ثم بعد فترة خرج الضفدع من البحر ففتح فمه فخرجت النملة فسألها سليمان عن ذلك فأخبرته القصة، وهي أنه يوجد في قعر الماء دودة عمياء وقد أمر الله النملة بأن توصل إليها رزقها كل يوم وقد سخّر لها الله هذا الضفدع لينقلها.

مُعْجِزَة الرِّيْحِ التِيْ تَجْرِي بِأَمْرِه

قال سبحانه في سورة الأنبياء(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ)
وقال في سورة سبأ(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ)
من معجزات سليمان(ع) أن الله تعالى سخّر له الريح تجري بأمره فهو يتصرف في الريح بأي وجه من الوجوه، فلقد كان يستخدمها للتنقل من مكان إلى مكان، وقد كانت تحمله كلما أراد ذلك، وهذا هو عين الإعجاز، يعني كان بإمكانه أن يجتاز القارات بوقت قصير جداً، ولعل الإشارة إلى الشهر هو أن ما كان يقطعه سليمان من المسافات بيوم واحد كان غيره يحتاج إلى شهر كامل لقطع تلك المسافة.

مُعْجِزَة تَسْخِيْرِ الجِنّ

قال سبحانه وتعالى(وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)
وقال تعالى في سورة ص (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ)
وقال في سورة الأنبياء(وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ)
لقد سخّر الله تعالى مجموعة من الجن كانوا يعملون بين يدي سليمان في مختلف المجالات، كان منهم البنّاء للمحاريب والتماثيل والقدور الجميلة الكبيرة التي يعجز الناس عن صناعتها، وكان منهم من يغوصون في البحر ويستخرجون منه اللآلئ وغير ذلك.
وهنا ننكر ادّعاء من يدعي السيطرة على الجن أو الإتصال بهم لأن الأمر يتطلّب معجزة، والمعجزة لا تحصل إلا للنبي.

مُعْجِزَة الإِتْيَانِ بِعَرْشِ بَلْقِيْس

قال سبحانه(قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)
عندما أرسل سليمان كتاباً إلى ملكة سبأ قررت أن تزوره وتقدم له الهدايا، وقبل وصولها إلى قصره طلب ممن يعملون عنده من الجن أن يأتوه بعرشها فتصدى للمهمة شخصان، أحدهما قال له أنا آتيك بعرشها قبل أن تقوم من مقامك يعني قبل أن تنتهي من عملية القضاء وإدارة الشؤون، وبمعنى آخر في ساعات قليلة، وأما الثاني فقال له أنا آتيك به بلحظة واحدة، وبينما هما يتحاوران وإذا بعرش بلقيس أصبح بين يدي سليمان، فشكر سليمان ربه على تلك النعم.

مُعْجِزَةُ إِسَالَةِ عَيْنِ القِطْر

قال تعالى(وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ)
أي جعل له مادة النحاس كالماء يتصرف بها كيفما يشاء، كما ألان الله الحديد لأبيه داوود، وقد ذكر التاريخ كثيراً من المعجزات التي جرت على يد سليمان(ع).

مُعْجِزَاتُ كَلِيْمِ اللهِ مُوْسَى(ع)

يُعتبر كليم الله موسى بن عمران(ع) من أكثر الأنبياء ذِكراً في القرآن الكريم، وقد كانت معجزاته كثيرة جداً لأن القوم الذين بُعث إليهم كانوا ذوي نفوس شريرة وضعيفة الإيمان ولا يُؤمَن عليها من الكفر بين لحظة وأخرى، وقد كانت تلك المعجزات ذات جهتين: جهة تتصل بموسى(ع) وجهة تتصل بتبليغ الدعوة، ونحن بإذن الله تعالى سوف نذكرها كلها لأن الغاية من وراء الإعجاز هو بيان القدرة سواء كانت المعجزة لنفس النبي أم لغيره.

مُعْجِزَةُ الوِلادَة
رأى فرعون في منامه كأن ناراً أقبلت عليه من بيت المقدس وأحرقت بيوت مصر، وعندما استيقظ دعا المنجمين ففسروها بأنه سوف يولد في بني إسرائيل غلام يسلبك ملكك ويغلبك على سلطانك، فسألهم هل وُلد هذا المولود فقالوا لم يولد بعد ولكن ولادته أصبحت قريبة، فأمر جميع القابلات بأن يقتلن كل مولود ذكر، وقد نفّذ هذا الأمر بشدة وإتقان، ولكنه مهما صنع وفعل واحتاط فلا يستطيع أن يقف في وجه الإرادة الإلهية، فلقد غفل عن قدرة الله ومشيئته، فلم يكن حكيماً في تصرفه، وإنما تسرع وارتكب آلاف الجرائم.
وقد استمر هذا الوضع سنوات طويلة حتى خشي بنوا إسرائيل على أنفسهم الفناء فأقبلوا إلى فرعون يعرضون عليه الأمر لأنه إذا استمر قرار القتل فسوف يموت الشيوخ ولا ينشأ بعدهم جيل يحمل إسمهم وصفاتهم ومعتقداتهم فرجع فرعون عن قراره الأول مستبدلاً إياه بقرار أخف حدة وشدة، وهو أن يسري الأمر عاماً ويتوقف عاماً، وقد صادف أن هارون(ع) ولد في العام الذي مُنع فيه القتل.
وأما موسى فلقد ولد في عام سريان القرار وكانت أمه عند الحمل به قد خافت خوفاً شديداً، وعند الولادة طلبت أم موسى من القابلة أن تخفي الأمر عن حراس فرعون الذين كانوا ينتظرونها خارج الدار فرقق الله تعالى بقدرته قلب القابلة فخرجت إلى الحراس وقالت لهم لم يكن ما في بطنها حمل وإنما كان دم جامد فصدقوها ورجعوا.
ولا شك بأنه كان للإعجاز دور في ترقيق قلب القابلة وتصديق الحراس لها حيث كان الظرف يمنع من أن يرق قلب قابلة أو يصدق الحراس كلام أحد لأن العقاب بالنسبة لهم كان الموت بعد التعذيب.

مُعْجِزَةُ الإِفْتِتَانِ بِمُوْسَى

قال سبحانه(وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)
من معجزات الله تعالى التي صنعها لموسى(ع) أنه كان كل من رآه افتتن به وأحبه مباشرة، وهذا ما جعل القابلة تقنع بكلام أم موسى، وهذا ما جعل فرعون يقبل برعايته لأنه أحبه بمجرد أن نظر إليه، وكان فرعون شاكاً بأمر موسى أكثر من أي طفل آخر، ولكن بسبب تلك المحبة التي ألقاها الله تعالى في قلوب الناس تجاه موسى فقد امتنع فرعون عن تنفيذ قراره فيه وسمع كلام زوجته آسية في شأن هذا الولد.

مُعْجِزَةُ الصَّنْدُوْق الذِي وُضِعَ فِيْهِ مُوْسى
اطمأنت أم موسى بعد أن وافقت القابلة على إخفاء أمره، وراحت ترضعه داخل المنزل وتحطاط من الزوار والمارين بقرب المنزل، وقد بقي الأمر مخفياً حوالي ثلاثة أشهر إلى أن رآه أحد المارة عن طريق الصدفة فذهب إلى الذباحين مسرعاً وأخبرهم بالأمر فأسرعوا إلى دار أم موسى لذبح الولد فأقبل الذباحون إلى منزلها فأخبرتها إبنتها بالأمر، فاحتارت أم موسى بأمر ولدها، فلا مكان تخبؤه فيه لأن الحراس سوف يفتشون الدار كله، وهذا يعني الموت المحتم لموسى وأمه وأخته والقابلة ولكل من كان على علم بأمر هذا المولود، وفي مثل هذه الحالة لا يمكن الخلاص إلا بقدرة الله عز وجل الذي أجرى في حينها معجزة على يد هذا المولود المبارك.

لقد ألهم الله تعالى أم موسى بأن تضع هذا المولود في صندوق خشبي وأن تلقيه في اليم ففعلت ذلك وتوجهت قدرة الله وأمره إلى هذا الصندوق ومن فيه فحفظه من الغرق ومن افتراس الأسماك له حتى أوصلته يد القدرة إلى يد العدو الأكبر له(فرعون)
وفي ذلك قال تعالى(إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ)

مُعْجِزَةُ عَدَمِ احْتِرَاقِ مُوْسى بِالنَّار

عندما وصل الحراس إلى باب الدار ورأتهم أم موسى وقعت في حيرة وخوف شديدين، ماذا تصنع بهذا الولد البريء وأين تخبئه؟ وليس هناك مكان آمن لأن الحراس سوف يفتشون في كل جهة وزاوية حتى يجدوا هذا المولود فألقته في التنور المشتعل بلا شعور فدخل الحراس إلى المنزل وفتشوا كل الأمكنة ولم يبحثوا داخل التنور المشتعل لأنها وإن ألقت الولد فيه فإنه سوف يموت بعد دقيقة، ولأجل ذلك لم يخطر ببالهم أن يبحثوا عنه في التنور، ولعل التفتيش قد استغرق وقتاً طويلاً، فلم يجدوا شيئاً فخرجوا، فأتت أمه إلى التنور وهي موقنة بموته، ولكنها فوجئت عندما وجدته سليماً لم يُصب بأي أذى، وقد جعل الله عليه النار برداً وسلاماً كما جعلها على جده إبراهيم(ع) من قبل.
وقد تُوِّجت تلك المعجزة بجملة من الكرامات:
منها: عدم اقتراب الحراس من التنور.
ومنها: عدم اعتراف القابلة بالحقيقة.
ومنها: عدم فَقد أم موسى وعيها عندما تذكرت أنها وضعت الولد في التنور المشتعل.
ومنها: عدم استدعاء القابلة والتحقيق معها مجدداً.

مُعْجِزَةُ وُصُوْلِ الصّنْدُوْق إِلَى دَارِ فِرْعَوْن

إن اليد الغيبية التي حفظت موسى في اليم من الغرق أو الإفتراس هي التي جعلته يصل إلى بيت فرعون حيث كان الحرس متواجدين على الشاطئ فلفت انتباههم صندوق عائم على وجه الماء فأخرجوه وإذا بهم يرون مولوداً فحملوه إلى فرعون فأراد قتله فتدخّلت يد القدرة مجدداً لتمنعه من ذلك، وقد حصل ذلك بواسطة زوجته آسية بنت مزاحم التي تبنّته، وفي هذه الكعجزة قال تعالى(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)
فلم يلاحظ أحد منهم وجود سر خطير وراء تلك الحادثة التي كانت بداية زوالهم ومؤشّر هلاكهم.

مُعْجِزَةُ الشَّجَرَةِ المُشْتَعِلَة

قال سبحانه(وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) إلى قوله تعالى(وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى)
عندما رجع موسى(ع) من مدين فاصداً موطنه الأصلي وكان برفقة زوجته، وصادف سفره في فصل الشتاء، وبينما هو سائر في الليل رأى ناراً من بعيد فطلب من زوجته أن تبقى مكانها ليذهب إلى موضع تلك النار علّه يجد أحداً أو يرجع بشيء من تلك النار من أجل الدفء فذهب إلى هناك وعندما وصل إلى المكان رأى أمراً غريباً محيّراً للعقول، رأى شجرة تشتعل بالنيران ولكنها لا تحترق فاندهش من الأمر وأدرك أن فيه سراً غامضاً، وبينما هو كذلك وإذا به يسمعى ذبذبات صوتية خلقها الله تعالى ليخاطبه بها، وهناك حصل له أربع معجزات:
الأولى: تلك الكلمات التي سمعها فلقد خلق الله عز وجل ذبذبات صوتية خرقت سمع موسى وأدرك المراد منها.
الثانية: تلك النار التي تخرج من شجرة خضراء فلا النار تنطفئ ولا الشجرة تحترق.
الثالثة: تحوُّل عصاه إلى ثعبان بقدرة الله تعالى.
الرابعة: تحوُّل يده إلى يدٍ ناصعة البياض مع أنه كان أسمر اللون.
وهناك كلّفه الله تعالى بالذهاب إلى فرعون ودعوته إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وفي تلك الوادي حصلت أربع معجزات، اثنتان منها لموسى، وهي النار والتكليم، واثنتان له وللناس وهما الثعبان واليد البيضاء.

مُعْجِزَةُ العَصَا والتَّحَدّيْ الكَبِيْر

عندما كلّف الله تعالى كليمه موسى بالذهاب إلى فرعون قام موسى بتلك المهمة ودخل على فرعون ودعاه إلى الله تعالى وإطلاق سراح بني إسرائيل فطلب منه فرعون أن يعطيه دليلاً على صدقه فألقى عصاه فتحولت إلى ثعبان كبير فارتعب فرعون لذلك ولكن عندما هدأ روعه تحدى موسى بأنه سوف يهزمه عن طريق السحرة حيث اتهمه بالسحر فوافق موسى على ذلك وعُيّن يوم للمواجهة، وقد سمّى القرآن ذلك اليوم بيوم الزينة، فجاء الوقت المحدد واجتمع في الطرف الفرعوني أعظم السحرة في العالَم لتكون الغلبة من نصيب فرعون فبدأ السحرة بالمواجهة، وكانوا يحملون في أيديهم حبالاً فخيّل للناس بأنها أفاعي تتحرك، وعلى الفور أوحى الله إلى موسى بأن يلقي عصاه فألقاها فإذا هي ثعبان كبير حقاً وصدقاً فدخل الرعب إلى قلوب جميع الحاضرين وقد عمدت الأفعى إلى حبال السحرة فابتلعتها وعندما رجع الثعبان عصا بقدرة الله لم يكن هناك وجود لأي حبل من الحبال التي ألقاها السحرة، وقد سجد السحرة أمام تلك القدرة وأعلنوا من فورهم الإيمان برب موسى لأنهم أدركوا بحسب خبرتهم أن ما جاء به موسى إنما هو الإعجاز وليس السحر كما يقول فرعون، وعندما سمع فرعون ذلك بُعت وصُعق لأن السحرة قد صنعوا دليلاً على صدق موسى أكبر من الدليل الذي صنعته المعجزة لأنه لو أصر السحرة على كون الثعبان سحراً لابتلعهم ولم يُبق لهم باقية، وعلى فرض أنه لم يبتلعهم ولم يقروا بالحق فسوف يظن الناس بأن الثعبان سحر، ولكن عندما سجد السحرة أمام موسى فهم الجميع بأن الأمر خارج عن حدود السحر.
وفي بيان هذه المعجزة الكبيرة قال الله تعالى في سورة الأعراف(وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ)

مُعْجِزَةُ انْفِلاقِ البَحْر
عندما آمن كثير من بني إسرائيل بموسى(ع) بعد أن جاءهم بمعجزة العصا توعدهم فرعون وهددهم بالتعذيب والقتل لهم ولذويهم لحق بهم يريد القبض عليهم فهربوا فوصلوا إلى مكان كان فيه البحر أمامهم والعدو وراءهم ولم يكن ليُكتب لهم النجاح إلا عن طريق الإعجاز فأوحى الله تعالى إلى كليمه موسى بأن يلقي عصاه في البحر ففعل ذلك فانفلق البحر نصفين وظهر القاع بينهما فسلك موسى وبني إسرائيل تلك الطريق بين جبلي الماء حتى وصلوا إلى بر الأمان، وفيه قال تعالى في سورة الشعراء (فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ)

مُعْجِزَةُ إِغْرَاقِ فِرْعَوْنَ وَجُنُوْدِه

لم يقف الإعجاز هناك عند حدود اجتياز موسى والمؤمنين تلك الطريق بين جبلي الماء، ولكن كان لتلك المعجزة تتمة، وقد تمت المعجزة باجتياز المؤمنين ووصولهم إلى بر الأمان، وبإغراق فرعون وجنوده عندما أصبح الجميع في منتصف تلك الطريق.

مُعْجِزَةُ إخْرَاجِ جُثَّةِ فِرْعَوْنَ وَإِيْصَالِهَا إِلَى الشَّاطِئ

لقد تمت تلك المعجزة بإلقاء جثة فرعون إلى الشاطئ لكي يكون ذلك آية للناس وعبرة حتى لا يفكر واحد منهم بأن يفعل كما فعل فرعون الذي أهلكه الله تعالى، ودور الإعجاز هنا هو أن آلاف الجثث من جنود فرعون لم يبق لها أثر في البحر إلا جثة فرعون لتكون عبرة للناس، ولم يحصل ذلك إلا عن طريق الإعجاز، وفيه قال تعالى(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)

مُعْجِزَةُ إِحْيَاءِ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ بَعْدَ مَوْتِهِم
قال تعالى(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
اختار موسى سبعين رجلاً من بني إسرائيل للميقات، وبينما هم على الجبل وإذا بهم يطلبون من موسى طلباً غريباً لا يمكن أن يتحقق، لقد طلبوا منه أن يروا الله تعالى بالعين، وقد علّقوا أمر إيمانهم على تلك الرؤية فأراهم الله العبرة عندما أنزل عليهم صاعقة من السماء فيها رعد وبرق وقد زلزلت بهم الأرض فمات السبعون، فعندها تحيّر موسى ماذا يقول لبني إسرائيل؟ وهل أنهم سيصدقونه أم أنهم سوف يتهمونه بقتلهم، فعند ذلك دعا ربه بأن يحييهم فاستجاب الله له وأحياهم وقد رأوا بعضهم البعض كيف ترجع إليهم أرواحهم.

مُعْجِزَةُ الغَمَامِ وَالمَنِّ والسَّلْوَى

من المعجزات التي صنعها الله تعالى مع قوم موسى أنه أظلهم بالغمام أثناء تواجدهم في الصحراء في سنوات التيه، ثم أنزل عليهم مادة من السماء إسمها(المن) وهي مادة لذجة ولعلها نوع من أنواع الحلوى، كما وأنول عليهم طيور السلوى(السمّن) فأكلوا منها الكثير ولفترة طويلة، وقد أضيف بذلك ثلاث معجزات إلى سجلات الإعجاز في عهد موسى(ع).
وفي ذلك قال تعالى(وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)

مُعْجِزَةُ الإِسْتِسْقَاء
عندما كان موسى(ع) وبنوا إسرائيل متوجهين إلى بيت المقدس أصابهم عطش شديد في الصحراء فطلبوا من نبيّهم الماء فأوحى الله إليه بأن يضرب الحجر بعصاه، وإذا باثنتي عشرة عيناً من الماء العذب تخرج من الأرض بإذن الله وقوّته، وقد أخرج لهم هذا العدد من العيون كيلا يقع الخلاف بينهم لأنهم كانوا اثني عشر مجموعة، كل مجموعة منهم تشكّل قبيلة، وكل تلك القبائل ترجع بالنسب إلى أولاد يعقوب(ع)
وفي بيان هذه المعجزة التي تُوّجت بالغمام أيضاً ليحميهم من الحر قال تعالى في سورة الأعراف(وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
وقال في سورة البقرة(وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) أي كلوا من المن والسلوى واشربوا من تلك العيون.

مُعْجِزَةُ رَفْعِ الجَبَل
قال تعالى(وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
لقد قلع الله تعالى جبلاً كبيراً من مكانه وجعله يحلق كالغيمة فوق رؤوس بني إسرائيل، وكان الغرض من ذلك هو حثهم على الإيمان الصحيح والإلتزام بأوامر الله ونواهيه التي أنزلها إليهم في التوراة، وهناك شعروا بخوف شديد وظنوا بأن الجبل سوف يقع عليهم ويقتلهم جميعاً.
ويا ليتهم بعد تلك المعجزة ثبتوا على الإيمان بل عادوا إلى ما كانوا عليه قبل الإعجاز، ولذا قال تعالى في سورة البقرة(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ )

مُعْجِزَةُ المَسْخِ إِلَى قِرَدَةٍ وَخَنَازِيْر

أمر الله عز وجل قوماً من بني إسرائيل أن يوقفوا أعمالهم يوم السبت، وكان هؤلاء يسكنون منطقة قريبة من البحر، وكانت معيشتهم قائمة على صيد الأسماء، ولقد أراد سبحانه أن يختبر إيمانهم فكانت الأسماء تأتي بكثرة يوم السبت دون غيره من الأيام حيث كانت في غير السبت قليلة، فلم يطيعوا الله تعالى بل طمعوا بالسمك فعذّبهم الله عز وجل ومسخهم قردة وخنازير كعقاب دنيوي قبل عقاب الآخرة، وفي بيان هذه المعجزة قال تعالى في سورة البقرة(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) وفي سورة النساء(آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً) وفي سورة الأعراف(واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)

مُعْجِزَةُ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيْل

قُتل أحد الأغنياء من بني إسرائيل وكادت تقع بينهم مشاحنات وعداوات لا يعلم عاقبتها إلا الله تعالى، فأتوا إلى كليم الله وطلبوا منه القيام بمعجزة يحيي فيها هذا الميت ليعرفوا الحقيقة فأمرهم بأن يذبحوا بقرة ويضبوا جسد الميت بجزء من لحمها فظنوا بأنه يستهزئ بهم، فراحوا يطرحون الكثير من الأسئلة من باب المراوغة والأمر يشتد عليهم شيئاً فشيئاً.
فبعد أن أمرهم موسى(ع) بذبح بقرة راحوا يطرحون عليه الأسئلة ليس من باب الإطمئنان وإنما من باب التعجيز فانقلب السحر على الساحر وأصابهم العجز الذي أرادوه لموسى(ع) فبدل أن تكون مقدمات المعجزة معلَّقة على شرط واحد أصبحت معلقة على عدة شروط بسبب نفسياتهم الدنيئة، وهي أن لا تكون فارضاً، أن لا تكون بكراً، أن تكون عواناً بين البكر والفارض، أن تكون صفراء، أن تكون شديدة الصفرة، أن لا تكون ذلولاً، أن تثير الحرث، أن لا تسقي الحرث، أن تكون مسلّمة لا عيب فيها
وفي هذا الصدد قال رسول الله محمد(ص) ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم.
وبعد كل ذلك العناء أتوا بالبقرة المطلوبة وذبحوها وما كادوا ليذبحوها بسبب خبثهم وحقدهم وعنادهم ولكنهم خضعوا للأمر فذبحوا البقرة وضربوا المقتول بجزء من لحمها فعادت له الحياة بقدرة الله تعالى، وقد كانت تلك المعجزة موضع دهشتهم واستغرابهم.
لقد رأوا تلك المعجزة الكبرى بأم أعينهم وتكلموا إلى ذلك المقتول الذي أحياه الله بقدرته، وأخبرهم المقتول عن قاتله، ورغم ذلك كله..رغم النظر إلى تلك الآية التي لا تنكر عادوا إلى الكفر والضلال، بل إلى كفر أشد مما كانوا عليه قبل المعجزة.
وإلى موضوع هذه المعجزة قال تعالى(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ * قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ * وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)

مُعْجِزَةُ الحُوْتِ

سمع موسى(ع) بأن يوجد في منطقة معيّنة رجل صالح هو أعلم منه فذهب إليه ليتعلم منه ما لم يعلم، وقد أعطاه الله تعالى علامة على مكان تواجد هذا العبد(الخضر) وقد كانت تلك العلامة حوتاً ميتاً(سمكة كبيرة) ففي أي مكان تلجها الروح فهناك يجلس العبد الصالح، وصادف أن موسى(ع) قد نام لفترة أثناء السفر وكان معه يوشع بن نون وفي أثناء نوم موسى ولجتها الروح وقفزت من السلة واتخذت طريقها في البحر، ولعله كان مأكولاً منها، ولكن المعجزة حصلت بقدرة الله تعالى، وقد أضيف إلى سجل معجزاته معجزة أخرى، وفيه قال تعالى في سورة الكهف(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا * فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)
وهناك معجزات كثيرة حصلت على يد موسى بن عمران(ع) وقد أشار الكتاب العزيز إليها بقوله(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ)

مُعْجِزَاتُ رُوْحِ اللهِ عِيْسَى (ع)
مُعْجِزَةُ الوِلادَة

إن ولادة الإنسان العادي هي من المعجزات التكوينية الثابتة والدائمة، وهي التي تحصل عبر الإتصال بين الذكر والأنثى، وطروء أي خلل في تلك العملية قد يمنع من الحمل أو من أتمامه.
أما ولادة روح الله عيسى بن مريم(ع) فقد كانت مغايرة لغيرها من الولادات وذلك من جانب عدم الأب حيث وُلد بأمر الله وكلمته، ولعلها كلمة(كُنْ) وإذا أراد الله شيئاً فإنما يقول له (كن) وبمجرد إرادة الله للشيء فسوف يكون بكلمة أو بدون كلمة، وكلمة كن تعبير عن الإرادة فليس بالضرورة أن تُطلق هذه الكلمة حتى تتحقق الإرادة الإلهية.
قال تعالى في سورة آل عمران (إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)
وفي سورة مريم قال سبحانه(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا * فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا * فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا)
لقد كانت مريم(ع) عابدة زاهدة، وقد اتخذت لنفسها مكاناً بعيداً عن الناس لتتفرغ للعبادة، وفي يوم من الأيام وبين هي في ذلك المكان تعبد ربها وإذا بجبرائيل الأمين يأتيها بصورة إنسان ويخبرها بأن الله تعالى سوف يرزقها بولد سيكون نبياً فتعجبت للأمر إذ كيف ألد ولم يمسسني رجل؟ فأجابها بأن الله تعالى على كل شيء قدير، وأن هذا الأمر هيّن على الله تعالى، وقد كانت تلك من المعجزات الكبرى التي جرت لنبي الله عيسى(ع) الذي جعله ربه آية مثلما جعل آدم، وفي ذلك يقول تعالى(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)

مُعْجِزَةُ التَّكْلِيْمِ فِيْ المَهْد

ومن معجزات عيسى(ع) أنه كلّم الناس وهو ابن أيام قليلة، فلقد حدثت تلك المعجزة لأهداف عديدة، أهمها: بيان القدرة الإلهية وتبرئة مريم من التهم التي سوف تُنسب إليها، وقد كلّمهم بلغة واضحة وفصيحة كما يتكلم الكبار من العقلاء، وقد كانت تلك المعجزة موضع دهشة الجميع، وقد أشار الله تعالى إلى تلك الحالة الحرجة حيث يقول(يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)

مُعْجِزَةُ خَلْقِ الطَّيْرِ مِنَ الطِّيْن
قال تعالى(وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ)
يطالب أحبار بني إسرائيل عيسى بالآيات والمعجزات، فلكل نبي أياته ومعجزاته وبيّناته!.. وينهض عيسى لما يطلبون:لقد أيده الله تبارك وتعالى بروح القدس جبريل عليه السلام، وأيده أيضا بالبينات وهي المعجزات الدالة على صدقه فيما يبلغه عن الله تبارك وتعالى، ومن هذه المعجزات أنه كان يصور من الطين على صورة الطير فإذا نفخ فيه يكون طيرًا بإذن الله ومشيئته.
ففي إحدى المرات وقف عيسى( عليه السلام ) في البرّية يدعو بني إسرائيل إلى الروح . . إلى أن يتخلصوا من أسر المادّة، قال أحدهم : الروح هي الدماء التي تجري في عروقنا، قال عيسى بن مريم( عليه السلام ) : الروح هي كلمة الله، فقالوا اننا لا نفهم ما تقول، انحنى المسيح عليه السلام وتناول قبضة من الطين وقال : ما هذه ؟
فقالوا : قبضة طين، قال لهم :هل فيها روح ؟ فأجابوا: كلاّ، فقال( عليه السلام ): فإذا صنعت منها كهيئة الطير، وإذا نفخت فيها وأصبحت طيراً بإذن الله، قالوا بدهشة : ماذا تعني ؟ فقال لهم عليه السلام اعني انني قادر على أن انفخ فيها فتصير طيراً بإذن الله . . ذلك أن الله هو واهب الحياة . . وأن الله على كل شيء قدير.
وفي تلك اللحظات كان عيسى( عليه السلام ) يصنع في قبضته من الطين شكلاً يشبه الطير . .
وبعد أن اكتمل الشكل ، نفخ فيه… وفجأة تحولت قبضة الطين إلى حمامة بيضاء ، صفقت بجناحيها ، ثم طارت في الفضاء الأزرق .

مُعْجِزَةُ إِنْزَالِ المَائِدَة مِنَ السَّمَاء
قال تعالى في سورة المائدة(إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ)
في أحد الأيام ، وبينما كانوا يخلدون للراحة، بعد وعثاء السفر، في أرض مقفرة جدباء، وقد أخذ الإعياء والجوع منهم مأخذاً عظيماً، تساءلوا فيما بينهم عن الطعام، ولا طعام لديهم، فتوجهوا بالسؤال إلى “معلمهم” عيسى عليه السلام، فتوجهوا اليه قائلين : (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء)
وظهرت على محيّا النبي الكريم، علائم استغراب، وخوف، وحذر، فهل يشك تلامذته بقدرة الله بعد كل ما رأوه من معجزات وآيات ، لذلك أجابهم محذرا إياهم: إتقوا الله ان كنتم مؤمنين”ألم تؤمنوا بربكم، بعدما شاهدتم كل هذه المعجزات والبيّنات؟…”
فقالوا: حاشا لله أن نكون من المكذبين، أو المفترين، أو الشاكّين!.
فقال لهم : أخاف عليكم الفتنة واللَّجاج المؤدين إلى المكابرة والعناد، وما جزاء ذلك إلاّ خزيُ الدنيا، وعذاب الآخرة !.
ولما تبيّن لعيسى صدقُ مقصدهم، وظهر له صحيح ما انطوت عليه سريرتهم ، سجد لله رب السماوات ثم رفع يديه ووجهَه الى السماء قائلاً:
(اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)
وقد استجاب الله تعالى لنبيّه دعوته، ومنحه طلبتهُ بعد أن حذّر الحواريين من العاقبة الوخيمة والعذاب الشديد الذي ينتظرهم في حال كفرهم به بعد هذه الآية .

مُعْجِزَةُ إِحْيَاءِ المَوْتَى

كان لعيسى(ع) صديق إسمه(عازر) وكان يمر عليه من وقت لآخر ليطمئن عليه، وفي ذات مرة جاء إلى منزله فخرجت أمه وهي تبكي فأخبرته بأن عازو قد مات ودُفن منذ ثلاثة أيام.
وفي اليوم الثاني حضر عيسى إلى بيت تلك الوالدة الثكلى واصطحبها معه إلى قبر عازر، وهناك راح يدعو ربه بأن يهب الحياة لعازر، وفجأة انزاح التراب وانشق القبر وخرج عازر منه فعانقته أمه وقد عاش بعد تلك المعجزة عشرين عاماً.

مُعْجِزَةُ الإِرْتِفَاعِ إِلَى السَّمَاء

ولما بدأ الناس يتحدثون عن معجزات عيسى عليه السلام واخذت دعوته تنتشر ويكثر اتباعه ومناصروه حسده رهبان اليهود وخافوا أن يتبع الناس رسالته فيضيع سلطانهم، فراحوا يشيعون عليه أنه ساحر، وانه مرتدّ عن شريعة موسى.
ويجمع الكهنة كيدهم ومكرهم، مقرّرين القضاء على عيسى عليه السلام ، وليكن مايكون لأنهم كانوا في ذروة حقدهم عليه.
كان كهنة اليهود في اجتماع صاخب ، يبحثون في كيفية القاء القبض على عيسى بن مريم، وكان(ع) قد علم بمكرهم فأخذ يتخفى عن عيونهم، فلم يهتدوا إليه ولم يعثروا له على أثر، وبينما كان رجال الدين اليهود يبحثون في بيت المقدس أمر عيسى، وقد حيّرهم أمر اختفائه اهتّموا واغتمّوا ، ونشروا الجواسيس في كل مكان للبحث عنه .
نجح أحبار اليهود في الحصول على الضوء الأخضر في قتله من الرومان ، وهاهم يبحثون عنه في كل مكان ، وقد رَصدَوا جوائزَ مغرية لمن يعثر عليه أو يقدّم لهم معلومات تساعد في القبض عليه،
وقد وضع الحاكم الروماني مفرزة من الجنود تتولى القبض عليه وصلبه .
وكان المسيح يتنقل بخفاء من مكان إلى آخر ، وكان يمضي كل ليلة في مكان ومعه بعض أتباعه، وذات ليلة اختبأ عيسى في بستان مع بعض الحوّاريين، كانت تلك الليلة شتائية قارسة البرد ، وعندما نام الجميع تسلّل يهوذا وهو أحد تلامذته خارجاً، كان يفكر في الجائزة التي سيحصل عليها ، ولهذا اتجه إلى المعبد حيث كهنة اليهود يترقّبون الأخبار وهمس يهوذا في أذن الكاهن الأكبر ، وتسلّم حفنة من النقود الذهبية .
وأصدر الكهنة أوامرهم إلى مفرزة الجنودِ الرومان بمرافقة يهوذا الاسخريوطي .
كان يهوذا يسير والجنود يسيرون وراءه ، واستيقظ الناس وحدثت الفوضى ، واقتحم عشرات الجنود البستان ففرّ بعض الحوّاريون وألقى الجنود القبض على البعض الآخر.
وهنا تتحرك مشيئة الله سريعاً، على غير ما ينتظره أعداء الله ، فإذا بعيسى عليه السلام لاتراه عين، وقد كان منذ لحظات بين أيديهم، وأراد الله تعالى أن ينتقم من الغادر فألقى شبه السيد المسيح على وجه يهوذا ، ويشاهد اليهود رجلاً بينهم، فيتأمّلونه جيّداً، إنه يشبه عيسى كثيراً، فيتصايحون:
– هذا عيسى، هذا عيسى، فانقضّوا عليه، وأمسكوا بتلابيبه، وساقوه أمامهم مخفوراً.
اما الرجل، فقد أخذته المفاجأة، فما استطاع كلاماً، وانهالت عليه حشود الجماهير تتقاذفه أمامها صاغراً ذليلاً، وعند ذلك أخذ الرجل يصرخ بأعلى صوته: أنا لستُ عيسى، بل أنا الذي دلّكم عليه، أنا يهوذا الإسخريوطي، فهزئوا منه مقهقهين ووصلوا به إلى وسط الساحة وهم يجذبونه جذباً عنيفاً، ويجرّونه جراً شديداً، بعد أن ساروا به على درب الجلجلة، زيادة منهم في العذاب الأليم، وفي وسط الساحة، رفعوه بين الصخب والضجيج، وصلبوه، بعد أن جرّعوه كأساً من علقم، وتوّجوا رأسه بالشوك إكليلاً.
وفي بيان تلك المعجزة العظيمة قال سبحانه(وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)

مُعْجِزَاتُ خَاتَمِ الأَنْبِيَاءِ مُحَمَّدٍ(ص)

لقد عاش سيد الأنبياء محمد بن عبد الله(ص) أربعين سنة قبل البعثة، وثلاثة وعشرين سنة بعدها، ولقد كانت حياته مليئة بالمعجزات والكرامات بدءاً من الكرامات التي رأتها حليمة السعدية(مرضعة الرسول) حين حلَّ النبي في دارها، ووصولاً إلى الإستسقاء به وهو ولدٌ صغير وانتهاءاً بأكبر المعجزات على الإطلاق وهي القرآن الكريم.
لقد كان شأنه في الإعجاز شأن غيره من الأنبياء، وقد ورد أنه(ص) من أكثر الأنبياء إعجازاً، ولعل سبب عدم الإهتمام بذكر معجزاته هو أن المعجزة الكبرى(القرآن) قد طغى على كل معجزة قبله.
ومن معجزاته(ص): خروجه ليلة المبيت دون أن يراه المحاصرون لبيته.
ومن معجزاته: أنه إذا تفل في بئر جافة فاضت بالمياه.
ومن معجزاته: أن النخلة التي كان يغرسها كانت تطعِم من سنتها الأولى، والمعلوم هو أن النخلة لا تطعم إلا بعد عشرات السنين.
ومن معجزاته: أنه إذا مسح على جسد المريض شُفي بإذن الله.
ومن معجزاته: تلك العنكبوت التي وضعت خيوطها على باب الغار الذي اختبأ بداخله وعدم هروب الحمامة التي كانت موجودة على باب الغار.
ومن معجزاته: أكل الأرضة للصحيفة التي كانت موجودة داخل الكعبة وبقاء إسم الله فقط.
ومن معجزاته: أن الجمادات كانت تسلّم عليه.
ومن معجزاته: أنه دلّ المنافقين على مكان تواجد الناقة الضائعة.
وهناك الكثير الكثير من المعجزات، ولكن أهمها وأكبرها هو القرآن الكريم، ولا نستطيع بهذا المختصر أن نذكر كل خصائص القرآن فلقد أُلِّف حوله مئات المجلدات وما زالت أسراره غامضة وأكثر تعاليمه مجهولة.
ولكن يكفي لإثبات إعجاز القرآن أن نذكر لكم بعض الآيات الحاكية عنه.
قال تعالى في سورة الإسراء(قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)
وفي سورة الحجر(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)
وفي سورة الواقعة(فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)
وفي سورة الجن(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا)
وفي سورة الإسراء(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا)
وفي سورة النساء(أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا)
وهناك الكثير من الآيات التي تكشف عن إعجاز القرآن الكريم، فهو معجزة بألفاظه وتراكيبه ومعانيه وإخباره عن الغيب وعدم قدرة الناس على نقض آية منه.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى