مؤلفات

قِصَّةُ اسْتِبْقَاءِ بَنْيَاميْنَ عِنْدَ يُوسُف

قِصَّةُ اسْتِبْقَاءِ بَنْيَاميْنَ عِنْدَ يُوسُف

(قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)
بدأت ملامح لقاء يوسف بأبيه يعقوب(ع) من لحظة دخول أخوته عليه وهم له منكرون، ومنذ تلك اللحظة بدأ يوسف بالتخطيط للإجتماع بأبيه بعد فراق دام لعقودٍ من الزمن، وقد أحب يوسف أن يمهّد لهذا الإجتماع عبر مكيدة اصطنعها ليُبقي أخاه بنيامين عنده، ولعل هذا السلوك كان رسالة يوجّهها لأبيه يعقوب من باب تمهيد الأمر له.
فبعد أن طلب منهم إحضار أخيهم بنيامين معهم أمر بوضع السقاية في رَحل بنيامين حتى يتهمه بالسرقة كحجة له لإبقائه عنده، فتوسل أخوته إليه أن لا يفعل ذلك حرصاً على سلامة أبيهم الذي لم يعد بإمكانه أن يتحمّل فراق أحد من أولاده بعد أن فقد ولده يوسف.
(قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ)
العدل يستدعي إبقاء من وُجد المتاع في رحله، ولا يتحمّل أحد وِزر أحد، وأصر على رأيه فأجبرهم على العودة إلى الديار دون أخيهم، ورغم كل محاولاتهم لاسترجاع أخيهم لم يظفروا مما أجبرهم على العودة إلى الديار دونه.
واللافت في الآية الكريمة قوله(مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ) حيث لم يكن فيها اتهام بالسرقة، فلا سرقة ولا اتهامٌ بها، غاية الأمر أن يوسف طلب أن يُبقي الذي وُجد المتاع في رحله لا أكثر ولا أقل، سواء كان سارقاً أم بريئاً، وهنا تظهر لنا عظمة القرآن أكثر، هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من أي مكان.
(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)
كرهوا العودة إلى الوطن بعد تلك الحاثة حيث سيتهمهم أبوهم ويؤنبهم كما أنبهم من قبل عندما تخلّصوا من يوسف، ولم يكن بإمكانهم تحمّل التبعات.
وتُعتبر هذه الآية من أروع ما ورد في القرآن الكريم من حيث البلاغة حيث اختصر الله سبحانه أكثر من جملة بكلمتين اثنتين(خَلَصُواْ نَجِيًّا)
فعندما يئسوا من العزيز اتخذوا لأنفسهم مكاناً بعيداً عن الناس ليتناجوا به ويتسارّوا، وعندما انفردوا بأنفسهم قام أخوهم الأكبر وقال لهم: هل نسيتم بأن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً بإرجاع بنيامين إليه؟ وقد اسودت صفحتنا مع أبينا لما فعلناه بأخينا يوسف، وبما أن الحال هكذا فلن أبرح أرض مصر حتى يحكم الله إما بموتي أو بإرجاع أخي بنيامين لأنني لا أملك شيئاً أعتذر به لأبينا، هيا ارجعوا إلى أبيكم وأخبروه بكل ما حدث.
(ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ)
أخبروا أباكم بأن ولده بنيامين قد سرق صواع الملك، وهذا ما نشهد عليه لأننا رأيناه بأم أعيننا.
(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)
بهذه الآية انتقل القرآن بنا من مصر إلى فلسطين موطن نبي الله يعقوب، فبعد أن رجعوا إلى أبيهم دون بنيامين قامت قيامته عليهم واتهمهم بالتقصير كما فعلوا بيوسف من قبل، فأجابوه بقولهم، إذا كنت لا تصدقنا فاسأل أهل مصر بنفسك أو اسأل القافلة التي كنا فيها فلقد عرفوا بالأمر كما أخبرناك، ونقسم إننا صادقون هذه المرة.
(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)
ليس بمقدور يعقوب سوى أن يصبر، وما حمله على ذلك إنما هو شعورٌ في قلبه، وقد تمنى أن يجمعه الله بهم جميعاً دفعة واحدة(أي يوسف وبنيامين وأخوهم الأكبر الذي بقي في مصر) ولعله منذ تلك اللحظة بدأ يشعر يعقوب بلمسات ابنه يوسف في كل ما يحصل، ولعل فعل يوسف كان شيفرا نبوية يخاطب بها أباه الذي منّ الله عليه بالعلم.
(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)
لقد ذكّرته هذه الحادثة بولده يوسف الذي لم تغب صورته عن قلبه وعقله يوماً، وراح يبكي حزناً ويكظم غيظه ويصبر حتى أصيب بفقدان البصر من كثرة البكاء مما جعل أبناءه يشعرون بالخجل على جريمتهم في حق أخيهم يوسف، وقد استغربوا كيف أن أباهم ما زال يذكر يوسف بعد مضي عقود من الزمن على اختفائه.
(قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ)
كأنهم يحاولون التخفيف عن أبيهم بعد أن رأى شدة حزنه، فإذا بقيت تذكر ابنك يوسف فسوف تمرض أو تموت.
(قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
إنه جواب عبدٍ امتلك قلباً مفعماً بالإيمان.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى