
في البحث الماضي صببنا الكلام على أنواع الموت الثلاثة التي أشار إليها أمير المؤمنين علي(ع) في بعض أحاديثه، وفي هذا البحث سوف يتركز الكلام على أن العمل له أثر مباشر على جميع المراحل التي سوف يمر بها من لحظة مفارقة روحه لبدنه بل حين انتزاعها أيضاً.
وأنا على قناعة تامة بأن كثيراً من الناس يرغبون في معرفة هذه الأمور التي تعنيهم بشكل قوي، وهذا ما شجعني على طرح هذه الدراسة حول الموت والبرزخ ويوم القيامة، وهو إن شاء الله تعالى عمل إيماني قربوي يحمل لنا ولكم الكثير من الأجر والثواب لأنه يرسم لنا الطريق الصحيح الذي يجب أن نسلكه في دار الدنيا لنعبر بسلام وأمان إلى عالم الآخرة وبالتالي إلى الرحمة الواسعة التي تترجمها الجنة ويشير إليها نعيمها.
وقد تحصل بعض التكرارات البيانية في هذه البحوث وهي متعمَّدة من قبلنا لأن التكرار يأتي بحسب الحاجة، فليس في التكرار للأمور المصيرية الكبرى نقص أو عيب فهو أسلوب قرآني واضح حيث أن الله تعالى كرر ذكر بعض الوقائع والأحكام عشرات المرات وذلك من باب التأكيد على مضمون المكرَر ومن باب الإحتجاج الذي لا ينفع قبالَه أي عذر.
وهنا أريد أن أوجه الكلام حول ثلاثة أمور لها صلة مباشرة بالظروف التي تحيط بالإنسان أثناء الموت وبعده، ولا بد للمؤمن أن يعرف ذلك ليمهد ويعمل حتى يخفف عن نفسه مشقات تلك المراحل التي نسأل الله تعالى أن يرحمنا هناك إذ لا تنفع المرء سوى رحمة ربه.
الأمر الأول: وهو بيان أثر سلوك الإنسان على مقدمات الموت:
وأعني بمقدمات الموت ما يعبّر عنها بسكرات الموت، ولو أن أحداً تفكر فيما سوف يرى وبما سوف يشعر وبالحالة الحرجة التي يكون عليها، ولطالما حذرنا النبي وآله من تلك المواقف ورسموا لنا طرقاً لو سلكنا فيها لكنا في أمان، وإن أعظم من وصف حالة الإنسان عند الإحتضار أي وهو ينازع سكرات الموت هو الإمام أمير المؤمنين(ع) حيث قال: لاَ يَنْزَجِرُ مِنَ اللهِ بِزَاجِرٍ، وَلاَيَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ، وَهُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّةِ، حَيْثُ لاَ إِقَالَةَ وَلاَ رَجْعَةَ، كَيْفَ نَزَلَ بِهمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ، وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ، وَقَدِمُوا مِنَ الْآخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ. فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهمْ: اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وَحَسْرَةُ الْفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ، وَتَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ. ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً، فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ، وَإِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنِهِ، عَلَى صِحَّةًٍ مِنْ عَقْلِهِ، وَبَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمْرَهُ، وَفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ:
وهناك مقطع من دعاء للإمام زين العابدين(ع) أردده دائماً في مجال الوعظ لأنه من أهم المواعظ التي تحرك المشاعر الإيمانية داخل الإنسان وهو قوله(ع): وَاَعِنّي بِالْبُكاءِ عَلى نَفْسي، فَقَدْ اَفْنَيْتُ بِالتَّسْويفِ وَالاْمالِ عُمْري، وَقَدْ نَزَلْتُ مَنْزِلَةَ الاْيِسينَ مِنْ خَيْري، فَمَنْ يَكُونُ اَسْوَأ حالاً مِنّي إنْ اَنَا نُقِلْتُ عَلى مِثْلِ حالي اِلى قَبْري، لَمْ اُمَهِّدْهُ لِرَقْدَتي، وَلَمْ اَفْرُشْهُ بِالْعَمَلِ الصّالِحِ لِضَجْعَتي، وَمالي لا اَبْكي وَلا اَدْري اِلى ما يَكُونُ مَصيري، وَاَرى نَفْسي تُخادِعُني، وَاَيّامي تُخاتِلُني، وَقَدْ خَفَقَتْ عِنْدَ رَأسي اَجْنِحَةُ الْمَوْتِ، فَمالي لا اَبْكي اَبْكي، لِخُُروجِ نَفْسي، اَبْكي لِظُلْمَةِ قَبْري، اَبْكي لِضيقِ لَحَدي:
إن سكرات الموت قابلة للشدة والرخاء، والعامل الأوحد في هذه المعادلة هو عمل الإنسان قبل حلول أجله حيث لا يبقى للعمل أي أثر عندما تحضر الملائكة لقبض الروح.
الأمر الثاني: وهو أثر سلوك الإنسان على نفس عملية خروج الروح من الجسد:
قبل قليل أشرنا إلى أثر عمل الإنسان على سكرات الموت وهي التي تسبق خروج الروح ربما بلحظة أو ساعة أو أيام، ولعل شدة سكرات الموت وطول مدتها فيه منفعة للإنسان وتكفير لبعض الذنوب التي كان قد ارتكبها في حياته فتكون كما ورد في بعض الأحاديث تلك الشدة عند الموت كفارة لذنوب الإنسان ليصل إلى يوم القيامة ولا تبعة يُسأل عنها وهذه من الألطاف الإلهية بعباده.
فكما كانت سكرات الموت رهيبة وشديدة فكذلك عملية خروج الروح من الجسد فإنها إما أن تكون مريحة أو قاسية مؤلمة، وعمل الإنسان هو العامل المؤثر في ذلك المقام سلباً وإيجاباً.
الأمر الثالث: وهو أثر سلوك الإنسان على مرحلة البرزخ ومرحلة القيامة بجميع تفاصيلها وأحداثها.



