
بقلم: الشيخ علي فقيه
نِهَايَةُ عَابِد
ليست قصةً من وحي الخيال، ولا حكايةً نقصُّها للأطفال، بل هي واقعٌ أليم، أصاب عابداً كان زاهداً فأصبح من المأثومين بسبب انصياعه لوسوسة الشياطين، فدفع الثمن غالياً، ووضعه ذنبه بعد أن كان عالياً، وإليكم جوهر الحكاية لنستفيد منها عبرةً ودراية.
قرأتُ في بعض الكتب عن رجلٍ عابدٍ، وناسكٍ زاهد، امتلأ قلبه باليقين، ووهب نفسه لإحياء الدِّيْن، وتحرَّك بأنوار الإيمان، مقتدياً بتوجيهات القرآن، آخذاً بالرُّخَص والعزائم، لا تأخذه في الله لومةُ لائم، سلك هذه الطريق، وخشي من عذاب الحريق، وهو علامة أهل الإيمان، وصفات أهل الإحسان، واتّسم بقوة العزيمة، وشدّة الشَّكيمة، فقضى عمره في تحصل العِلم وتعليمه، ونشرِهِ وتعظيمه، لم يُقصِّرْ في خدمة الناس، رغمَ وساوس الخنّاس، الذي أتاه من فوقه وتحته، وفي نومه ويقظته، فكان في وجهه كالطَّود العظيم، لا تحرّكه شدة العواصف، ولا تزلزله كثرة القواصف، حتى عجز الشيطان عن إغوائه، وقرّر التوقّف عن إغرائه، وباء بالفشل الذريع، وهو في نظره أمرٌ فظيع، فرجع اللعين إلى إبليسه، وأخبره بعدم جدوى تدليسه، فأشار عليه الغوي، باستعمال أسلوبٍ قوي، فأشار عليه بتحريك نار الحسد، وهو بمثابة حبلٍ من مَسد، فعاد إليه وأعاد الكرة، وكان عنده أملٌ هذه المرة، ثم بدأ بتنفيذ الغُواية، وجعل أعز أصدقائه نقطة البداية، إذ كان للعابد زميلٌ في الدراسة، قد تفوّق عليه بالحكمة والفَراسة، فأتاه هذا الشيطان، ودخل عليه دون استئذان، وأشعل في قلبه نيران الحسد، وهي لا ينجو من لظاها أحد، إلا المخلصين، وهم قِلّة قليلة، لأن الأكثرين نفوسهم عليلة، وراح يزيد في حقده عليه، ويتزلّف بالتقرّب إليه، بعد أن علِم نقطة ضعفه، واستماله إليه رغم أنفِه، وكلّمه من باب الناصح الغَيور، وجعلها نقطة العبور، فوسوس له قائلاً، أنتما بمستوىً واحد، وكلاكما على العِلم قاعد، فلماذا علا شأنه دونك، وكثيرٌ من الناس لا يقدّرونك، لقد ذاع سيطه في البلاد، وانتشر خبره بين العباد.
وكرّر القول عليه، وكان يأتي كلَّ ليلةٍ إليه، فتمّت العملية بنجاح، وأخرج العابد من الخير والصلاح، فحوّله بلحظة من مطيعٍ لربه إلى مُنصاعٍ لنفسه، فعبد بدل الإله هواه، وباع آخرته بدنياه، حيث أدار مسامع قلبه للشيطان، فخرجت منه خشية الرحمن، وانطفأت فيه أنوار الإيمان، بعد أن أفنى عمره في الطاعة، وقضاه في الزهد، وأذابه في الإخلاص، وقُبَيل وفاته بمدة استحوذ عليه عدوُّه المبين، فأفرغ قلبه من كل يقين، حيث اطمأنّ لغير الله، وليس له ملجأٌ سواه، ولهذا انتصر عليه إبليس واستهواه، حيث دخل إلى قلبه من باب ضَعفه فحرمه ثواب جهده الكبير وأحبط له عمله الطويل، وقد حصل ذلك عند الإحتضار، أجارنا الله من كل سلوكٍ ضار، فدفعه الحسد إلى إنكار الشهادة ونَبْذِ العبادة، وفارقت روحه الحياة، بعد أن كفر لحظة الممات، فأصبح ضحيّةً من ضحايا اللعين، ومن شره بالله نستعين، ونسأله العفو للدنيا وللدين، كيلا تكون الخاتمة كما ذَكَرْنا، والنهاية كما عرفنا.
ولسنا من سطواته بمأمن، فلا تأمنوا لهذا العدو الخبيث، وتعاملوا معه على قاعدة قوله تعالى(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) صدق الله العظيم.



