
الفَرْقُ بَيْنَ الثَّوْرَةِ وَالمَعْرَكَة
تارة يخوض الإنسان ثورة بحجم معيَّن، وتارة أخرى يخوض معركة في زمان ومكان خاصّين، وإن نظرة الناس إلى مفهوم المعركة يختلف عن نظرتهم إلى مفهوم الثورة، إذ أنهم يفرّقون بينهما في العديد من المواضع.
وكما أن هناك اختلافاً في النظرتين لكلا الأمرين فكذلك يوجد تفاوت بين نظرة وأخرى لمفهوم المعركة فقط أو لمفهوم الثورة فقط.
هناك معارك لا يُمكن أن تُبرّر بأي شكل من الأشكال، وهناك ثورات مرفوضة من أساسها، والسبب فيه يرجع إلى قيمة أهدافها وأسلوب فرْضها أو كيفية تنفيذها وتحقيق أهدافها.
فقد تكون المعركة دفاعاً عن النفس أو انتقاماً من فئة أو مجرد اعتداء على مجموعة من الناس أو ورقة ضغط لتحقيق بعض المطالب الخاصة.
وقد تحمل الثورة نفس الأهداف بغض النظر عن كونها تستدعي حدوث معركة عسكرية أو لا، إلا أن النظرة العامة للثورة تكون بشكل إيجابي في الأغلب، أما النظرة للمعركة فإن الذي يسبق إلى الأذهان بالتبادر إنما هو الأمر السلبي حتى يثبت العكس.
وهذه النظرات المتعددة كانت موجودة لدى كثير من الناس عند معركة كربلاء وبُعيد انتهائها بقليل حتى ذاب الثلج وظهر المرْج وبانت الحقيقة وكُشفت النوايا وسقطت الأقنعة.
وبعد تلك المقدمة أقول: هناك فرق بين ثورة الإمام الحسين(ع) ومعركة كربلاء التي كانت جزءاً تنفيذاً من تلك الثورة وليست هي الثورة كلها لأن ثورة الإمام(ع) قد بدأت قبل معركة كربلاء بوقت طويل، وليست المعركة سوى جزء من الثورة التي بدأت قبل المعركة واستمرت بعدها وما زالت مستمرة حتى يومنا الحاضر، وقد تحقق حتى الآن الكثير من أهداف تلك الثورة التي كانت تلك المعركة المباركة إحدى طرقها بل هي أبرز عنوان من عناوينها لأن المعركة على أرض الطف هي التي كشفت عن الثورة وبيّنت العديد من أهدافها، ولذا فإن من كان حاضراً في ساحة تلك المعركة عرف في يومها الكثير مما كان خفياً عنه قبل ذلك، وهذا ما دفع بالبعض إلى تغيير رأيه في الحكم القائم وآثر الموت مع الإمام الحسين على الحياة في ظل الحكم الأموي اليزيدي الظالم.
وبمعنى آخر: فإن معركة كربلاء حصلت بسبب الثورة وليس العكس، فلم تكن المعركة انطلاقاً للثورة التي كانت قائمة قبلها، بل يمكن القول بأن المعركة أحدثت انطلاقة ثانية للثورة فشحنتها أكثر وأضفت عليها القوة والعزيمة وأكدت بأن الثورة قد تستلزم البذل من الثوار، وأن هذا البذل قد يكون كبيراً إلى أقصى الحدود.
وبمعنى ثالث أوضح من المعنيين الأوليين فإن لثورة كربلاء ثلالث مراحل:
الأولى: مرحلة التأسيس والتي دامت سنوات وشارك فيها النبي وعلي وفاطمة والحسن(ص) أيضاً.
الثانية: مرحلة التنفيذ للجانب العسكري من الثورة وهو ما حدث على أرض كربلاء في العاشر من شهر محرم الحرام عام إحدى وستين للهجرة.
الثالثة: وهي مرحلة الإكمال والمتابعة من النقطة التي أوصلها إليه الإمام الحسين(ع) وقد بدأت هذه المرحلة من عصر العاشر من المحرم في ذات السنة.
وبمعنى رابع: إن المعركة العسكرية بدأت وانتهت في نفس اليوم، أما الثورة فقد بدأت قبل المعركة ولم تنتهي حتى هذه اللحظة لأن الأهداف التي حملتها ثورة كربلاء تصلح للتماشي مع كل جيل وزمن عبر التاريخ.
فمفهوم الثورة من أوسع المفاهيم العامة إذ أنه يشمل الثورة الفكرية والثورة العلمية والسياسية والإقتصادية والدينية وغير ذلك مما توفرت فيه مقوماتها.



