محاضرات

لِمَاذَا اخْتَارَ الإِمَامُ الحُسَيْنُ(ع) أَرْضَ كَرْبَلاءَ لِثَوْرَتِه

بقلم: الشيخ علي فقيه

تَساؤُلاتٌ حَوْلَ بَعْضِ المَوَاقِفِ الحُسَيْنِيَّة

في هذا البحث الموجز سوف نطرح مجموعة من الأسئلة الهامة حول بعض ما صدر من الإمام الحسين(ع) نفسه، وحول بعض الأسئلة التي طُرحت من قِبل الآخَرين، وأنا أعتقد أن طرح هذه الأسئلة والإجابة عليها أمر نافع للمؤمنين ولكل طالب معرفة حيث أن كثيراً من القضايا العقائدية الخاصة في مجال الثورة متوقفة على فهم الإجابات التي برأيي تحل مشكلة كبيرة في هذا المجال، وهذا ما دفعني إلى العمل عليها.
هناك بعض الأخوة يتريثون قليلاً قبل طرح تلك الأسئلة وربما لا يأتون على ذكرها خوفاً من تبعاتها التي قد تكون في بعض الأحيان خطيرة في بعض المجالات، ولكنني شخصياً أرى أن نفعها أكبر من إثمها وأن إيجابياتها أعظم بكثير من سلبياتها فيما إذا طرحنا الأسئلة بشكل دقيق وأجبنا عليها بشكل أدق، أي بكل موضوعية ومنطق بعيداً عن الغلو والتعصب الأعمى وبعض السلوكيات التي كانت السبب في التشتت الفكري أو العقائدي، فلو عرفنا كيف نجيب على تلك الأسئلة بالدليل المنطقي والقطعي فلم يعد للإثم أي مكان ولا للسلبية أي مجال.
فالخوف على العقيدة في بعض الأحيان قد يكون مضراً بها، والذي ينبغي أن يخاف هو صاحب العقائد الفاسدة، وليس صاحب العقيدة السليمة التي يُذعن بصحتها القاصي والداني، وهناك فرق من الناس يخافون من إظهار عقائدهم كلها أو بعضها لأنهم موقنون بفسادها، أما عقيدة المسلم فهي العقيدة الوحيدة التي بُذل الكثير من أجل نشرها في كل المجتمعات البشرية قديماً وحديثاً، فليس عندنا ما نُعاب به أو عليه، وليس لدينا ما يُخاف عليه من الضياع أو السقوط، فالإنسان المسلم الشفاف المنطقي هو أجرأ إنسان على بيان عقيدته التي يعتز بها ويضحي بنفسه من أجلها، ولا يمكن لأحد أن يستنقص من شأنه لدى بذله بالغالي في سبيلها حيث يعلم الجميع بأن العقيدة الحقة هي أغلى شيء في نظر المعتقد بها، فإذا كان أصحاب العقائد الفاسدة يقدمون الغالي والنفيس في سبيل عقائدهم تلك، فكيف بصاحب العقيدة التي ثبتت صحتها عنده وعند غيره؟ فلا شك بأن التضحية في سبيل هذه العقيدة سوف يكون أعظم من تضحيات أصحاب العقائد الأخرى.

لم يصل موكب الإمام الحسين إلى كربلاء عن طريق الصدفة، ولم يكن ذلك بسبب جعجعة الطريق بهم، وإنما كان ذلك مكتوباً ومبرَماً في علم الله تعالى وفي إرادته، وما تلك الجعجعة التي أوصلتهم إلى تلك الأرض سوى وسيلة طبيعية لتحقيق هدف عظيم قد تحقق.
والدليل على ذلك هو أنه عندما وصل الإمام(ع) إلى أرض الطف أمر من كان معه بالنزول فيها والتخييم عليها بعد أن أخبرهم بأنها موضع شهادتهم.
وأما اختيار تلك الأرض المقدسة موضعاً لمعركة كربلاء فهو أمر يرجع إلى الله عز وجل، ولا أريد أن أدخل في موضوع خصوصية تلك الأرض لأن خصوصياتها إنما ظهرت بعد شهادة الحسين عليها ودفنه في تربتها، وما كان من شأن تلك الأرض بعد الشهادة فهو واضح، أما ما كان قبل ذلك فمردُّه إلى الله تعالى، ونحن لا نشك بوجود حكمة إلهية في ذلك إلا أنه تعالى لم يُطْلعنا عليها.

هَلْ طَلَبَ الإمَامُ(ع) مِنْ أَعْدَائِهِ أَنْ يُسْقُوهُ مَاءاً

هذا من جملة الأمور المتداوَلة على المنابر وفي المجالس، وخصوصاً عند تحريك المشاعر وتجييش العواطف، فلقد كتب بعضهم وقال الآخرون بأن الإمام(ع) عندما احتدت وطأة الحرب وشعر بالضعف وقف في الميدان وقال للقوم: أسقوني شربة من الماء لقد تفتت كبدي من الظمأ:
ويمكن القول بأنه لا يوجد مستمع للسيرة الحسينية إلا ومرّت على مسامعه هذه العبارة، ويمكن القول أيضاً بأنه لا يوجد خطيب حسيني إلا ويذكر هذه العبارة باستثناء بعض المتريثين في إبداء الرأي حول بعض المواقف والمحطات، وأنا واحد منهم.
إن للكلام أسساً وأصولاً وقواعد يقوم عليها، وإن للنقل أساليب خاصة وقواعد متَّبَعة قد جُعلت بهدف عدم الوقوع في الخطأ، وبالأخص الأخطاء الكبرى التي تعكس آثاراً سلبية قاسية على العقيدة وأهلها.
وإنه من الممكن أن تكون تلك العبارة قد صدرت من الإمام(ع) أثناء المعركة ولكن هناك نقاط هامة يجب أن نقف عندها كيلا نقع في الخطأ تجاه المعصوم.
النقطة الأولى: وهي البحث في السيرة والتحقيق في هذه المسألة، وهذا أمر لا يقدر عليه سوى المحققين لأنهم أهل اختصاص في هذا المجال، فهم بحسب معرفتهم يقررون ما إذا كانت تلك العبارة صدرت من الإمام أو أنها من الروايات الموضوعة، أو من لسان الحال الذي خُلط بينه وبين الواقع في العديد من الوقائع.
وهنا ينبغي التنبيه إلى مسألة لسان الحال أو قول الشعراء الأدبيين والشعبيين فإن كثيراً من قراء السيرة يُدخلون أشعاراً أثناء قراءتهم للسيرة مما يوهم البعض بأن هذا كلام الحسين أو أحد الذين كانوا معه في كربلاء، وهذه نقطة حساسة يجب أن يعالجها قراء العزاء أنفسهم فيفصلوا بين كلام الإمام أو أحد أصحابه أو أحدٍ من أهل بيته وبين كلام الشعراء أو لسان الحال.
وبسبب كثرة الأمثلة أفضّل أن لا أذكر شيئاً منها حيث أصبحت قراءة العزاء مركّبة من وقائع وأحداث حقيقية ومن كلامٍ آخر، ومع الأسف فإن الكلام الدخيل على المجلس فاق النصف منه وربما أكثر من ذلك.
يبدأ الخطيب بمقدمة شعرية، ثم يطرح فكرة معينة يذكر فيها رأيه الخاص أو رأي غيره، ثم يبدأ بقراءة السيرة الممزوجة بالأشعار وألسنة الحال حتى يتوهم السامع بأن الحسين هو قال ذلك، أو بأن السيدة زينب(ع) هي التي قالت ذلك، وهنا يكمن الخطر الفعلي الذي يجب التنبه له من قبل الخطباء أولاً ثم بعد ذلك من قبل المستمعين.
وقبل أن أتم الكلام أريد أن أحيط فكرتي وأحصّنها من الهجمات التي سوف تُشنّ عليها بسبب التسرع وعدم الإدراك لدى البعض بل لعدم تعاملهم بالمنطق والدليل والعقل، ومع الأسف فإن كثيراً منهم يتعاملون بمنطق الهوى الذي هو من أكبر الأسباب الهادمة للحق.
أنا أقبل النقاش مهما كان حاداً بشرط أن يقوم على الأسس المطلوبة، أما النقاش القائم على الجهل أو التعصب الأعمى فإنني أرفضه من أساسه، ولست على استعداد لأن أضيّع الوقت في خوض النقاشات البزنطية مع احترام الكامل لكل الناس من مسلمين وغيرهم.
أنا عندما طرحت الكلام حول هذه النقطة لم أكن متسرعاً في طرحها بل جاء ذلك بعد دراسة واسعة ووافية للموضوع، ولكي أثبت لكم كثرة المداخيل الطارئة على السيرة بسبب بعض الناس قديماً وحديثاً أجري لكم عملية حسابية هي التي تثبت صحة كلامي.
إن معركة كربلاء لم تستغرق من الوقت سوى ساعات قليلة حيث أنها بدأت في صبيحة اليوم العاشر وانتهت بعد ظهر ذلك اليوم، وقد كان الواحد من الطرف الحسيني يتقدم إلى الميدان تلو الآخر، ولا شك بأن هذا الواحد كان قبل الهجوم أو الدفاع يتكلم مع الإمام الحسين ويودعه ثم ينزل إلى أرض المعركة، فبعضهم كان يصمد لدقائق معدودة وبعضهم تجاوز صموده العشرة دقائق أو أكثر بقليل، وإن أطول وقت استغرقه مقاتل من مقاتلي الطرف الحسيني هو الإمام الحسين(ع)، وتلك الساعات القليلة(ساعات المعركة) لم تكن لتسمح بكثرة الكلام خصوصاً من الطرف الحسيني الذي كان همه الدفاع عن الحق وعن حرم رسول الله والأطفال.
فلو فرضنا أن أفراد الجيش الحسيني قضوا تلك الساعات كلها بالكلام ولم يسكتوا لحظة واحدة وقارنّا بين الكلام الذي ينشأ في هذا الوقت وبين الكلام الذي يُنقل عن كل واحد من أفراد الجيش الحسيني لاحتاج كلامهم من الوقت أسابيع أو أياماً عديدة على الأقل.
ومن هنا ندرك بوجود مداخيل كثيرة لا علاقة لها بالأمر وأنها شكّلت عائقاً كبيراً في وجه البيان المنطقي الشفاف.
فلماذا نستعمل تلك المداخيل ونحن بالغنى عنها من الأساس لأن ما عندنا من تفاصيل الحق تكفي لبيان كل شيء من دون زيادة أو نقصان.
إن الحق لوحده كفيل بأن يكشف عن الحقيقة كما هي، أما كثرة المداخيل فهي التي جلبت الويلات للنهج الحسيني عبر التاريخ.
والمسؤول عن هذه القضية هو الذي لا يقبل بهذا الكلام ولا يرضى بالنقاش وكأن السيرة الحسينية أصبحت حكراً عليه دون سواه، وربما كان ما عنده لا يسمن ولا يغني من جوع، ولربما أيضاً كان ما عنده هو سبب الجوع.
لماذا نهتم بجوانب لا علاقة لثورة الإمام بها من قريب أو بعيد ونؤجل البيان المطلوب إلى النهاية، فهل نحن بحاجة إلى زيادة البحوث لتغطية الأوقات المطلوبة؟ أنا شخصياً من المعتقدين بأن بيان الفكر الكربلائي المتعلق بما كان قبل الثورة وعندها وبعدها لا يمكن أن يظهر كله في غضون عشرة أيام فقط، الأمر يحتاج إلى وقت أطول من ذلك بكثير، ولا أبالغ لو قلت بأن هذه العملية قد تستغرق سنة كاملة.
هناك تقصير واضح من قِبل المعنيين بهذا الشأن، فعليهم أن يعطوا اهتماماً أكبر لهذا الموضوع لأنه يستحق منا أعلى درجات الإهتمام حيث أنه يختص بصلب عقيدتنا الحقة.
لماذا يوجد كثير من المؤمنين حتى يومنا الحاضر يظنون بأن معركة كربلاء استغرقت عشرة أيام؟ السبب هو الأسلوب المتبع بين الخطباء الذين لا يركزون على مثل هذه الجوانب.
ليست مسؤولية الخطيب محصورة في إبكاء الحاضرين بل إنها أوسع دائرة من ذلك بكثير، إن واجبه الأول هو أن يكشف لك كل الحقائق وجميع التفاصيل المتعلقة بالشأن الكربلائي.
وكلامي لا يحط من عزيمة أحد في تقديري الخاص بل هو يبعث على العمل الجدي الذي يكفل عملية البيان والتواصل بيننا وبين الإمام الحسين(ع)، وطريقة التواصل لا تنحصر في تحريك المشاعر والعواطف فقط بل هي تنشأ عن بيان تلك الشخصيات العظيمة التي رسمت طرق الخير للبشرية.
فإن أول نقطة يجب الإهتمام بها هي مسألة التحقيق كيلا ننقل شيئاً لا واقع له ونتحمل تبعاته عند الله تبارك وتعالى، وما أسهل إلصاق المفاهيم لدى البعض ممن لا يشعرون بالمسؤولية الشرعية ولا يقيمون وزناً للمساءلة الإلهية في يوم الحساب.
لا يجوز لأي إنسان أن ينقل أي حديث أو رواية ما لم تكن خاضعة للدراسات الخاصة في هذا المجال، ولا يمكن التذرع بمقولة أن فلاناً ينقل هذه الرواية في الكتاب الفلاني ما لم يكن ذاكر الرواية من أهل هذا الفن، وهذا هو المرض الخطير الذي لا نجد له دواءاً حيث أن كثيراً من الناس يؤمنون بصحة الرواية لمجرد أن فلاناً كتبها أو فلاناً نقلها، وهذا عين الضلال الذي يعود على صاحبه بالخسران المبين.
يجب أن نعمل دائماً بأوامر الله عز وجل، ومن جملة تلك الأوامر قوله تعالى في سورة النحل(فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) وقوله مثل ذلك في سورة الأنبياء(فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) ولا معنى لهذا التكرار سوى لفت الأنظار إلى أهمية الموقف وخطورته، ومن هنا وردت الأحاديث الصحيحة التي تؤكد على هذا المعنى، والتي كان منها الحديث القائل: من أفتى الناس برأيه فليتبوأ مقعده من النار: ولا أعتقد بأن الأمر يقف على موضوع الفتوى في الفقه بل هو شامل لنقل الروايات أيضاً.
النقطة الثانية: وهي أنه إذا ثبت ورود العبارة عن الإمام(ع) وجب الإنتقال إلى النقطة الثالثة.
النقطة الثالثة: وهي إدراك المراد من العبارة، فعندما قال الإمام الحسين(ع) للقوم: أسقوني شربة من الماء: فهل كان يقصد ذلك فعلاً؟ أي هل أنه كان خائفاً من الموت عطشاً مع أنه بعد لحظات سوف يسقيه جده بكأس لا يظمأ بعدها أبداً؟ فهل كان هم الحسين(ع) في تلك اللحظات المصيرية الحاسمة أن يتذوق طعم الماء تاركاً وراءه قضية عالمية رسالية ليس كمثلها قضية في التاريخ؟ وهل نسي الحسين(ع) عطش أولاده وأخوته وأصحابه وراح يبحث عن الماء لنفسه وهو الذي وصل إلى مشرعة الماء ورفض أن يشرب مواساةً منه لمن قضى من الأبطال قبله عطاشى.
لماذ نحاول دائماً أن نكون يداً على الحسين(ع) بدل أن نكون عوناً له؟ ولماذا نضعه في هذا الإطار الضيق بل في هذا المستوى المهين والمشين وهو بريء مما ننسبه إليه في هذه الدعوة؟
لماذا لا ننظر إلى الحكمة من وراء كلامه ونحن نعرف من هو الحسين وما هو الحسين وكيف كان في الشدائد بطلاً مقداماً لا يخشى سوى الله عز وجل.
لا أريد أن أطيل الشرح أو العتاب في هذا الشأن ولكنني سوف أختصر الجواب بكلام وجيز فأقول: إن الحسين(ع) على فرض صحة أنه طلب الماء فلقد طلبه وهو يعرف أنهم لن يسقوه نقطة ماء كيلا يعينوه على أنفسهم، وقد طلب الماء قبل ذلك لطفلٍ رضيع فكان الجواب منهم سهماً ذبح الطفل من الوريد إلى الوريد، فالذي يمنع رضيعاً من شرب الماء ويقتله لن يرق قلبه للخصم الأول والجهة الأخطر، وكان الإمام(ع) على علم بكل ذلك وأن أوامر يزيد في هذا الشأن كانت صارمة وأن كل من يسقي أحداً من الطرف الحسيني نقطة ماء سوف يكون عقابه الموت.
وبناءاً على ما ذكرناه يظهر لنا بأن خلفية كلامه(ع) في هذا الطلب إنما كان إلقاء الحجة على القوم ليس أكثر كيلا يتذرعوا بعد ذلك بأنه لو طلب الماء منهم لسقوه.
كيف يطلب الماء من قوم خيّروا الأطفال بين شرب الماء وشتم أبيه علي، وبقي الأولاد والنساء بلا ماء مدة طويلة بعد انتهاء المعركة، وقد كانوا يرمون الماء أمام أنظارهم بهدف التشفي والإنتقام.
فقبل أن ننقل أية عبارة بهذا المستوى أو نذكر أية قصة من هذا النوع وجب علينا بيان كل ما يتعلق بها كيلا نتسبب بزرع الأوهام في صدور بعض الناس.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى