
قِصَةُ نَبيِ الله سُلَيْمان(ع)
(وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ)
هي قصةُ إيمان وحكمة ومودة بين نبي الله سليمان(ع) وامرأة رفيعة الشأن كانت تعبد الشمس من دون الله ثم اهتدت إلى الحق بسبب ما رأت من أخلاقٍ نبوية عالية وبعض الكرامات التي اختُص بها سليمان سلام الله عليه وعلى نبيّنا وآله الأطهار.
وهي من القصص القرآنية الشيّقة التي يجب الغوص في أبعادها، والدخول إلى بعض تفاصيلها حتى ندرك تلك العظمة الدالة على قدرة الله سبحانه وتعالى.
وبلقيسُ امرأةٌ ذكيةٌ كانت ملِكةَ سبأ، ولسبأ تاريخٌ عريقٌ يعودُ إلى ألف سنةٍ قبل الميلاد، وهي من أكبر قبائل اليمن، فهي دولةٌ قويةٌ وجميلةٌ ومزدهرةٌ بمبانيها وحدائقِها وكثيرٍ من الفنون التي ظهرتْ فيها، وقد حدّثنا القرآن الكريم عنها حيث وصفها الله بقوله(لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) ولنا وقفة خاصة حول قضية هاتين الجنتين إن شاء الله، فإن لهما قصةً رائعة.
أما قصة عرش بلقيس فهي من القصص الشيّقة التي تُظهر لنا مدى ملك نبي الله سليمان الذي وهبه ربه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وهي تشتمل على أكثر من قصة في وقت واحد قد جمعتُها تحت عنوان واحد لتكون الفائدة أفضل.
تبدأ هذه القصة بالخبر الذي حمله الهدهد إلى سليمان، وتنتهي بإيمان أهل سبأ وملِكتهم بلقيس، ولا يمكن الوصول إلى النتيجة المطلوبة من قصتنا إلا بذكر كل ما يتعلق بها حتى نفهم ما حدث لعرشها بشكل صحيح لأنه موضوع قصتنا هنا، ولا تتوقف القصة عند ذاك العرش ككرسي جميل، بل تتعدى إلى مانتج عن ذلك العرش من كرامات وهداية.
كان لنبي الله سليمان(ع) طيرُ هدهد يعتمد عليه في التقصي عن العديد من الأمور، وقد علّمه الله سبحانه منطق الطير، وهذا معجزة أجراها الله تعالى لنبيّه سليمان، وكان هذا الهدهد كثير اللهو والعَبَث.
وفي يوم من الأيام راح نبي الله سليمان يتفقد الطيور فلم يجد الهدهد فيها وقد غاب عنه فترة لا بأس بها، فظنّ سليمان بأنّ الهدهد يلهو كعادته فتوعّده بالتعذيب إن لم يأته بخبرٍ ذي قيمة وفائدة.
وبعد فترة عاد الهدهد إلى قصر سليمان(ع) الذي سأله عن سبب غيابه الطويل(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ)
لقد أراد أن ينجو من العذاب فبادر نبيَّ الله سليمان بما أحاط به من معلومات فأخبره بأنه ذهب إلى مملكة سبأ ووجد فيها امرأة قوية تحكمهم وأمرُها مطاعٌ في قومها، وأنهم يملكون العدّة والعتاد والمال الكثير وجميع مقومات الدولة القوية، ثم أخبره بجمال عرشها الذي لم ير مثله في حياته، ولكنهم رغم ازدهارهم وتطورهم غير أنهم يعبدون الشمس من دون الله تعال(إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ)
ظنّ سليمان بأن الهدهد يكذب عليه حتى ينجو من العقاب، فقال له سوف نرى إن كنت كاذباً أم كنتَ من الصادقين، واستبقاه حتى يكلفه بمهمة، فكتب سليمان كتاباً ابتدأه ببسم الله الرحمن الرحيم ودعا فيه ملكة سبأ وقومها إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وإلا فسوف يدخل مدينة سبأ ويقاتلهم ويهزمهم بجيشه الجرار، وكان جميع الملوك يخشون سليمان ابن داود حيث لم يملك أحد جيشاً كجيشه ولا عتاداً كعتاده.
سلّم الكتاب إلى الهدهد وأمره أن يذهب إلى قاعة الملكة بلقيس ويلقي لها بهذا الكتاب ليرى ما سوف يكون ردُّها، وأمره أن يحرص على إيصال الكتاب إليها شخصياً بأية طريقة كيلا يقع في يد غيرها وتفشل الخطة.
(اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ)
توجّه الهدهد مسرعاً إلى مدينة سبأ حاملاً معه الرسالة، فوصل إلى نافذة غرفة نوم بلقيس، ورمى الكتاب إليها فوقع بين يديها، ففتحته وقرأت ما كُتب فيه، فشعرت بأنّ الخطر بات يتهدد مملكتها وأنه قاب قوسين أو أدنى، فدعَتْ مستشاريها وقادة جيوشها إلى اجتماع طارئ وعرضت محتوى كتاب سليمان عليهم حيث تعوَّدت أن لا تقطع أمراً إلا بعد المشاورة والدراسة مِن قِبَل أهل التخصص في مملكتها.
(قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ)
ثم وصفت كتاب سليمان بالكريم.
(قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ* إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
ولعلها فهمَت فحوى الرسالة وأنّ سليمان يدعوها وقومها إلى الإيمان بالرحمن الرحيم.
وقيل في معنى وصف كتاب سليمان بالكريم أنه مختوم، حيث كان يُطلق على الرسائل الممهورة بالكريمة، وقيل إنه كريم لحُسن خطه وبيانه، وقيل غير ذلك، ومهما قيل فهو كريمٌ بكل المقاييس.
وعندما سمع القوم باسم سليمان(ع) ارتجفوا خوفاً من قوّته وفَزَعاً من هيبته ومدى سلطته وحجم نفوذه، إلا الذين لم يعرفوه فكان لهم رأيٌ آخر، وهناك تضاربتْ الآراء، فالذين يعرفون سليمان ويخشون قوّته عرضوا عليها فكرة الإستسلام، والذين لا يعرفون مَن هو هذا الملِك العظيم أشاروا عليها بالمواجهة العسكرية.
(قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ).
رفضت الملكة بلقيس الفكرتين معاً، فلا قتال ولا استسلام، بل هناك خطة عرضَتْ لها علّها تنجح بها إن نفّذتها لأنها تعرف من يكون سليمان، فقد سمعت عن قوته التي لا تُضاهى، وعن مُلكِه الذي لا يوصف، وبما أنّ قرار الفصل يعود إليها فقد اقترحت أن ترسل لسليمان بهدية تليق بمقامه الرفيع علّه يرجع عن قراره في غزو بلادهم(وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ)
جهّزوا أجمل وأثمن ما عندهم من الهدايا النفيسة وأرسلوها إلى سليمان وراحوا ينتظرون عودة الرسل ليعرفوا الخبر، ولا شك بأن تلك الأيام كانت صعبة عليهم لأن الخبر الذي سيرجع به الرسل يحدد لهم المستقبل، وكانوا ينتظرون عودة الرسل على أحرّ من الجمر.
انتشر خبر الحرب في قوم سبأ التي تحولت بساعة واحدة من دولة عظمى إلى دولة لا حولَ لها ولا قوة رغم امتلاكها لجيشٍ جرّار وأسلحة فتاكة وأموالٍ طائلة، ولا قيمة لكل ذلك أمام قوة سليمان(ع).
وصل رسل بلقيس إلى قصر نبي الله سليمان، وشعروا بوهن هداياهم أمام العظمة التي شاهدوها وأن تلك الهدايا لا تساوي ذرة في ملك سليمان، فوضعوا تلك الهدايا بين يديه وهو ينظر إلى صناديقهم باستصغار وربما باحتقار مع أنها مملوءة بالذهب والجواهر النادرة، فأدرك بأنها لعبةٌ من ألاعيب بلقيس حيث يُدرك كيف يتصرف أي ملِك عندما يحيط به الخطر، وكان يعلم بضعفها قبل أن يلتقي بها أو برسلها، فرفض أن يستلم هداياها وأمر الرسل بإرجاعها إليها وحمّلهم رسالةً غليظة اللهجة حيث توّعد بلقيس وجيشها بضربة موجعة وقاضية(فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ)
رجع الرسل إلى سبأ خائبين، ولما رأوا الهدايا قد رُدّت إليهم علموا بأنَّ سليمان رفضها وأنه مصممٌ على القتال، وهناك ازداد خوفهم وظنوا أنهم أُحيط بهم.
وعندما رأت بلقيس ما حدث لمملكتها فكّرت بإنهاء الوضع عبر طريقة أخرى علّها تؤثّر على رأي سليمان فقررت أن تذهب إليه بنفسها لتحل تلك المشكلة وترى ماذا يريد منها سليمان ومن شعبها حيث لم يبق لها سوى هذا الخَيار أو الحرب التي ليست لمصلحتها، وفي ذات الوقت أرادت أن تكتشف بنفسها قوة سليمان الذي انتشر خبره بين الملوك في كافة أنحاء الأرض.
ولم يوافق على رأيها أغلبية وزرائها، ولكنهم مضطرون للقَبول حيث لم يبق أمامهم غير هذا الخَيار، أما بلقيس فقد رأت الصواب في رأيها فقررت الذهاب إليه بنفسها، وأصرَّت على رأيها في تلك المرة حيث شعرت بأنه الحل المناسب لتلك الأزمة التي أحاطت بها وبقومها، وقد حلّلت شخصية سليمان من خلال رسالته وأدركت بأنه لا يريد شيئاً لنفسه كباقي الملوك الذين لا يشبعون، أما سليمان فإنه يدعوهم إلى الإيمان بربه، وهذه نقطة إيجابية تبشّر بالخير.
فمن فورها قرّرت أن تذهب إليه بنفسها لتضرب عصفورين بحجرٍ واحد، تستعطف سليمان، وترى حجم قوّته في نفس الوقت، وقد رافقها في رحلتها بعض قادة جيشها لاستقصاء الأمر، وقد باؤوا بالفشل وشعروا بضعفهم لحظة وصولهم إلى مملكة سليمان التي لم يروا مثلها من قبل فعدلوا من فورهم عن فكرة الحرب الخاسرة، حيث أدركوا بأنه لا يقدر جيشٌ في هذا العالَم أن يواجه قوة سليمان عسكرياً.
ولم تكن خطتها هذه بعيدةً عن ذهن سليمان المتصل بالوحي الإلهي، ولم يكن يطمع في الإستيلاء على مملكتهم التي لن تزيد شيئاً في ملكه، بل كان هدفه أن يدفع بهم نحو ترك عبادة الشمس وأن يعبدوا الله ربَّه وربهم.
فأراد أن يُثبت لها ولقومها مدى قوّته التي استمدها من قوة رب العالمين سبحانه، فسأل الجنَّ مَن منكم يستطيع أن يأتيني بعرش بلقيس في أسرع وقتٍ ممكن، ولعلّ هذا الطلب قد حصل قبل وصول بلقيس إلى قصره بفترة وجيزة.
(قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)
ولعله كان يعلم بأنّ بلقيس سوف تأتي وتُسلم حيث لا مفرّ لها ولا لقومها من هذا الأمر عندما يروا ما سوف يرونه عنده.
(قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)
ولعلّ المراد بقوله(قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ) يعني قبل أن تُنهي مجلسك الذي ربما يستغرق ساعة من الوقت، أو لعل المراد قبل أن تقف من جلوسك، يعني في غضون ثانية واحدة، وهناك حصلت منافسة بين ذلك العفريت القوي الذي يستطيع أن يأتي بعرش بلقيس في غضون ثانية، وبين شخصٍ عنده عِلم الكتاب، وتدل الروايات على كون الذي عنده عِلمٌ من الكتاب هو من الإنس وليس من الجن، وقيل هو الخضر(ع) وقيل غيره، وقيل هو نفس نبي الله سليمان، وأياً يكن الأمر فقد استطاع الذي عنده علمٌ من الكتاب أن يربح المنافسة بعدما أتى بالعرش في رمشة عين أو التقاط نفس، وهذا ما أشار إليه الله عز وجل بقوله(قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)
وفي تلك الأثناء فرح سليمان كثيراً وشكر ربه على نِعَمه الكبرى وعلى تلك القدرة التي وهبه إياها، وأنَّ ذلك امتحان لسليمان، أيشكر أم يكفر، ولكنه كان من الشاكرين.
وعندها طلب سليمان منهم أن يُحدثوا بعض التغييرات على عرش بلقيس ليرى إن كانت ستلاحظه أم لا، ولعله يريد اختبارها في ذلك لغايةٍ في نفسه.
نُقل عرش بلقيس العظيم من سبأ إلى قصر سليمان برمشة عين، وأمرهم بأن ينكّروا لها عرشها ليختبر ذكاءها وليكون ذلك عبرة لها علّها تهتدي إلى الحق بعد أن ترى قدرة الله سبحانه.
(قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ)
وكان عنده شعورٌ شبه مؤكَّد أنها ستؤمن بالله فور أن تصل وترى تلك العجائب الهندسية التي لم يصل إليها أحد من الناس عبر الزمن، وبالخصوص عندما ترى عرشها مستقراً في قصر سليمان.
وما كان أكثر عجباً من تلك الزخارف هو كلامه العذب وأسلوبه الرائع في التخاطب مع الآخرين وحسن استقباله وكرم ضيافته.
وصلت بلقيس مع الوفد المرافق لها وقد أُدخلت إلى القاعة التي وُضع فيها عرشها، فاستقبلها نبي الله سليمان الذي أحسن استقبالها، وقد رأت من حسن أخلاقه ما يحيّر العقول، فلو أنّ غيره من ملوك الأرض حصلوا على ذرة من ملكه لبغَوا في الأرض واستكبروا، أما سليمان فإنه رغم عظمته فهو إنسان متواضع وسَمْحُ الأخلاق.
لاحظ سليمان(ع) أنّ بلقيس تطيل النظر إلى العرش فسألها(فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ) فلم تجزم بأنه هو حيث لم تظن للحظة أنَّ أحداً في العالم يستطيع نقل عرشها بسبب وزنه الكبير وبُعده عن مكان سليمان، فلو أرادوا نقله من هناك إلى هنا لاستغرق الأمر معهم شهوراً، وهناك علمت بأنه عرشها وأدركت مدى القوة التي يتمتع بها سليمان(ع).
وهذا الحدث لوحده كفيلٌ بإقناعها أنّ سليمان قد دعاها إلى الهدى، ولم يكتف سليمان بذلك بل أراد أن يُطلعها أكثر على قدرة الله الذي يدعوها وقومها إلى عبادته فأدخلها إلى الصرح الممرَّد فكشفت عن ساقيها حيث ظنّت بأنه بركة مياه فأخبرها سليمان بأنه صَرْحٌ ممرّد وليس ماءاً، وهناك كشف الله الظلمات عن قلبها فآمنت بالله ورسله وأمرت قومها بالإيمان وقد صدّقوها بعد أن حكت لهم ما رأت من العجائب بأم عينها(قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
وما رأته من عجائب الهندسة والإعمار لدى دخولها القصر يوحي بأنه ليس من صنع البشر العاديين، وكانت تظن وقومها بأنهم أهل هندسة معمارية لا مثيل لها، ولكنهم عندما نظروا إلى النقوش والنحوت في تلك القوارير المزخرفة والتماثيل المذهّبة وما إلى ما هنالك مما يفوق التصوُّر أدركوا مدى العظمة التي عليها سليمان الملِك وسليمان النبي(ع).
قِصةُ الصافِنَاتِ الْجِيَاد
(وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ)
بهذه الكلمات يُجلي الله سبحانه تلك الصورة التي شوّهها اليهود حول نبي الله سليمان(ع) إذ أنهم يتهمونه بالخطأ الكثير وهو بريء من هذه التهمة جملةً وتفصيلاً، بل نِعم العبد، وهذه شهادة من رب العالمين في حق عبده سليمان الأواب، أي الذي يستغفر ويذكر ربه كثيراً عند أية غفلة.
وما سيأتي من كلام بعد قليل يُثبت لنا هذه الحقيقة رغم وجود اختلاف كبير في آراء المفسرين حول تلك الحادثة الشهيرة عندما جرى عَرضٌ لقوة سليمان وكثرة خيوله الأصيلة.
وكالعادة فإنني سوف أنقل إليكم أصح تلك التفاسير استناداً إلى ما ذكره كبارهم من علمائنا المعاصرين والماضين.
والقرآن الكريم في الآية المذكورة يتعرّض لذكر ذلك العرض العسكري لإظهار قوة سليمان، وقد احتملت هذه الآيات أكثر من وجهٍ للتفسير.
فالصافنات هي الخيول الأصيلة التي تقف على ثلاث قوائم وتكون مستعدة في أية لحظة للإنطلاق، والجياد هي الخيول السريعة التي تجود في الركض كما يجود الكريم بالعطاء.
(فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ)
ففي يوم من الأيام في وقت العصر استعرض سليمان خيوله الأصيلة يمتطيها الفرسان بشكل منسّق ومنظم، وقد صرّح بأنه يحب الخير، ولفظ الخير عند العرب يُطلق على الخيل.
وحبُّ سليمان لتلك الخيول لم يكن حباً لذاتها، بل أحبها لأنها سوف تكون وسيلة للإنتصار على الباطل، فيكون مردُّ هذا الحب إلى الله وليس إلى الدنيا وزخارفها كما توهّم البعض.
واستمر سليمان بالنظر إليها حتى توارت عن أنظاره وكانت كثيرة إلى حدٍّ لا يُحصى.
ولشدة استئناسه بها أعاد الإستعراض مرة أخرى، ثم راح يعبّر عن حبه لها بمسح سوقها وأعناقها وهو تعبير عن تقديره لها وللفرسان(رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ)
وأما قوله(عَن ذِكْرِ رَبِّي) معناه أن حبي للخيول ناشيء من ذكر ربي، وليس المعنى أنه يحبها أكثر من حبه لذكر الله.
فلو كان سليمان قد فعل أي قبيح أو كان يحب الدنيا كما توهّم البعض لَما مدحه الله قبل ذلك وأثنى عليه، ومدح الله له يصرف عن أذهاننا المعنى السلبي لتلك الحادثة.
لقد حاول الكثيرون أن يسيئوا إلى نبي الله سليمان لعدم فهمهم للحادثة المذكورة فادعى بعضهم بأنه التهى بالنظر إلى الخيل عن صلاة العصر فطلب من الملائكة أن ترد الشمس حتى يصلي ثم قطع أعناق الخيل، وهذا كله لا يتوافق مع مقام هذا النبي الكريم، ولا شك بأنّ يد الإسرائيليات قد دخلت إلى قلب هذا الحدث لتشوّه بسمعة هذا النبي الذي حُسد من قِبل الكثيرين على ما أعطاه ربه من النعم التي لا تُحصى حيث منّ الله عليه بملكٍ لا ينبغي لأحد من بعده.
لقد حاولوا أن يشبّهوه بأعتى الملوك لأن قتل الخيول جريمة أخلاقية وتبذير وإسراف، وسليمان معصوم لا يُقدم على أي خطأ، ولهذا يجب الحذر من تلك الأفخاخ وخطورة ناصبيها الذين لم يقفوا عند هذه الحدود وإنما لوثّت أيديهم القذرة الكثير من المفاهيم والأحداث.
قِصةُ إِلْقَاءِ الجَسَد على كُرسيّ سُلَيْمَان
(وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ)
هذا امتحان آخر من الله سبحانه لعبده سليمان، وقد اجتازه بنجاحٍ كالعادة، ولكنّ أيدي التحريف وُضعت مرةً أخرى على قصةٍ حدثت له ففسروها بآراء يهودية اعتمدها كتاب(التلمود) اليهودي المليء بالسخافات والخرافات.
مرة أخرى لم يَسلم نبي الله سليمان من ألسنة المحرّفين الذين ألصقوا بعض خرافاتهم بتاريخه العظيم ونسبوها إليه ظلماً.
لقد ادعت تلك الفرقة بأن شيطاناً سرق خاتم سليمان وجلس على كرسيّه، وهذا مجرد سخافة يهودية وخرافة إسرائيلية لا تمتُّ إلى الحق بصلة.
أما المفسرون المسلمون فقد فسروا هذه الآية بأن الله تعالى افتتن سليمان بولدٍ ميت لأنه في إحدى الليالي قرر أن يطوف على نسائه حتى يُرزق بأولاد يعينونه في شؤون الحُكم دون أن يردّ المشيئة إلى الله تعالى فرزقه ربه بولد ميت، ولعله هو المقصود بالجسد في الآية، أي أنه جسدٌ من دون روح، وهناك ندم سليمان على ما بدر منه من العجلة واستغفر ربه وأناب إليه(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ)
ولم يكن طلبه للملك العظيم بهدف التمتع بزخارف الدنيا، وإنما كان الهدف هو أن يستعمل هذا الملك في إثبات التوحيد وإعلاء كلمة الله عز وجل.
(فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ)
كانت الرياح تسير بأمر سليمان، وكان تحمله من مكان إلى آخر، وكان يقطع بالريح مسافات طويلة في وقت قصير، وإنه من نِعم الله الكبرى عليه، بل إنه درسٌ للبشرية يستفاد منه إدراك قدرة الله وعطائه وتكريمه وتسديده لعباده المخلصين.
(وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ)
وقد سخّر له الجن يغوصون في البحار ويستخرجون منه الكنوز التي كان يزخرف بها ما تبنيه مجموعة الجن البنائين.
(وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ)
حيث تملّك بهم وقيّدهم فلم يستطيعوا أن يفعلوا الشر، وقد قيل بأنهم مربوطون بالسلاسل، وهذا لا ينسجم مع تركيبتهم الشفافة التي لا يمكن ربطها بالسلاسل الحديدية.
هكذا هو عطاء الله لعباده في الدنيا، أما عطاؤه لهم في الآخرة فلا تحده حدوده، ولدى الله المزيد.
قِصةُ مَوتِ سُلَيْمَان(ع)
(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)
لا يمكن للعقل البشري أن يدرك مدى عطاء الله تعالى لنبيِّه سليمان بن داود(ع) فقد سخّر له الريح تجري بأمره وكانت تحمله من مكان إلى مكان(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) فقد كان يقطع في اليوم الواحد مسافةً يحتاج قطعها إلى شهرٍ كامل من السير، وسخّر له الجن يصنعون له المحاريب والتماثيل والزخارف(يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ) وعلّمه منطق الطير(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) ووهبَه المُلك والنبوّة في آن واحد، وكان ذلك استجابة لدعاء سليمان(ع) الذي أراد من خلال هذا الملك العظيم أن يُثبت قدرة الله تعالى، ولم يكن هدفه من ذلك أن يتمتع بزخارف الحياة، فقد سأل ربه أن يهبه مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وقد استجاب الله له وأعطاه كل ما يلزم لتأسيس دولة العدل ونشر التعاليم الإلهية في بقاع كثيرة من هذه الأرض(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ)
فأعطاه الله سبحانه ما لم يعطِ أحداً من الناس، وقد استعمل سليمان كل تلك العطاءات في سبيل ربه، وكان يأمر الجن بالبناء، وكانوا يعملون ليل نهار حتى يُنجزوا ما طُلب منهم.
ولعل سليمان(ع) قضى على فكرة أنّ الفقراء هم الذين يؤمنون بالأنبياء فقط، وأنّ عطاء الله سبحانه لا حدود له، وما أُعطي سليمان لا يمكن لقارون ولا لمن هو أغنى منه أن يحصلوا على ذرة منه، فمُلك سليمان حقيقي، وملكهم شبهُ وهمي.
عاش سليمان(ع) طيلة حياته في تبليغ رسالة ربه ودعوة الناس إلى الإيمان، وقد خضعت له الملوك والأمم والشعوب لما له من الملك العظيم والقوة التي لا تضاهيها قوة من رجالٍ وأسلحةٍ وخيول أصيلة وحيوانات تعمل بأمره والجبال تسير معه والطير، ورغم كل هذه العطاءات لم يُكتب له البقاء، فقد جاءت ساعة موته ولا بد أن يرجع إلى ربه، وفي شأن سليمان(ع) أعطانا أمير المؤمنين علي سلام الله عليه أبلغ موعظة ولا بدّ من التأمل فيها حيث قال(ع): فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً، أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلاً، لَكَانَ ذلِكَ سُلَيْمانُ بْنُ دَاوُد َعَلَيْهِ السَّلامُ، الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، مَعَ النُّبُوَّهِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ، فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ ، وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ المَوْتِ، وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً، َالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً، وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ:
ففي يومٍ من الأيام كان سليمان(ع) جالساً على كرسيٍ مرتفع وهو يتكئ على عصاه والجن تعمل بجد ونشاط، وحينها أدركه الموت الذي لا بُد منه فقُبضت روحه إلى بارئها وهو على تلك الحالة جالساً مفتوح العينين، وبعدما انتهت الجن من العمل الشاق دلهم على موته حشرة أكلت أسفل عصاه فسقط على الأرض فعلمت الجن بموته، وهناك اعترفوا بأنهم لا يعلمون الغيب وإلا لما لبثوا في هذا العذاب.
وهنا يتبين لنا كذب المنجمين الذين يدّعون الوصلة مع الجن وأنهم يمدونهم بعلم الغيب، فها هم الجن يعترفون بأنهم لا يعلمون الغيب، فلا يعلم الغيب إلا الله سبحانه فهو الذي يُطلع بعض عباده على شيء منه بإذنه.
وعلى قاعدة أنّ الشيء بالشيء يُذكر فقد ورد أنه عندما جاء عزرائيل إلى سليمان ليقبض روحه، قال له سليمان لما لم يرسل الله إليّ رسولاً يخبرني بدنو أجلي، فأجابه عزرائيل بأن الله تعالى قد أرسل له الكثير من الرسل ولكنه لم يتنبّه للأمر، فقال سليمان: كيف ذلك؟ قال عزرائيل: ألم تر الجنائز؟ قال بلى: قال تلك رسل الله إليك.
ونحن بدورنا نرى تلك الرسل في كل يوم ولكننا نتناسى أننا عما قليل سوف نُحمل إلى مثوانا الأخير، والعاقل هو الذي يعمل بتلك الإنذارات فيستغل كل لحظة من عمره في الطاعة وكسب الثواب حتى يكون في يوم القيامة من الفائزين.
قِصةُ إِسَالَةِ عَيْنِ القِطْر لِسُلَيْمَان
(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ)
بعد حديث الله سبحانه عن المواهب الإلهية لداوود(ع) شرع بالحديث عن المواهب لسليمان.
فقد سخّر الله للأب مادة صلبة(الحديد) تلين بين يديه العجين يصنع منها الآلات الحادة وذات البأس، وسخّر للإبن مادة رقيقة وهي الهواء الذي كان يجري بأمره حيث كان باستطاعته أن يحرك بالهواء السفن الكبيرة والطواحن ويطير به من مكان إلى مكان فيقطع المسافات الشاسعة بأقل وقت ممكن، وكان ذلك تسهيلاً له لإدارة شؤون ملكه وآية من آيات ربه.
وقبل الشروع في بيان موخبة إسالة القِطر تجدر الإشارة إلى معنى ما ورد في أول الآية الكريمة التي أشارت إلى غدوّ الريح شهر ورواحها شهر.
لقد هيّأ الله لنبيّه وسيلة نقل سريعة حتى يتفقد جميع أرجاء مملكته الواسعة، وكانت الريح تقطع به مسافة شهر من المسير في يوم واحد.
ثم أشارت الآية إلى موهبة إلهية ثانية استعملها سليمان في تطوير البناء والسلاح وصناعة المباني الكبرى والزخارف الجميلة، وهي النحاس السائل.
ولم تُشر الآية إلى أن الله تعالى قد علّمه إذابة النحاس أو أنه جعل له من الأرض عيناً سائلة من النحاس كالحمم البركانية، والله قادر على كل شيء، فلو كانت مصلحة مملكة سليمان تتطلب تفجير عين نحاس سائل لوهبه الله ذلك، وإن كان المصلحة في تذويبه فالأمر كذلك.
والمهم في الأمر هو أن الله تعالى منّ على سليمان بواسطة نقل سريعة وبمادة يقوّي بها مملكته من هذا السلاح والبناء والهندسة المعمارية.
والوجهان يصحان في المقام، وقد علّم الله عبده ذا القرنين من قبل كيف يذيب مادة النحاس ويغطي بها جدار السد المنيع الذي حجب به يأجوج ومأجوج في مكان لا يعرفه البشر.
ثم أشار الله سبحانه إلى موهبة ثالثة وهي تسخير الجن ليعملوا بأمر سليمان، فقد كانوا ينجزون من الأعمال في يوم ما لا ينجزه الناس في سنوات لأنهم أقوياء وسريعوا الحركة.
وما أريد أن أسلط الضء عليه في هذا المقام حتى نخرج بالدرس المستفاد هو كلامٌ يتعلق بحقيقة الموهبة الثالثة، وهي تسخير الجن.
فلا يمكن لبشرٍ أن يسيطر على الجن إلا بمعجزة من الله سبحانه، وما يدّعيه البعض من التواصل مع الجن في أيامنا الحالية إنما هو كذبٌ وافتراء حيث لا يمكن أن نتصل بهم إلا بمعجزة، والمعجزة لا تكون إلا لنبي.
أما الجن فهم مخلوقات سبق وجودهم وجود البشر على الأرض، وكثير من الخطابات القرآنية موجَّهة إلى الإنس والجن لأنهم مخلوقات عاقلة مكلّفون كالبشر تماماً، ومنهم المؤمنون ومنهم غير ذلك، وهذا ما تكفلّت ببيانه مفصَّلاً سورة الجن.
إنهم يسكنون في أماكن بعيدة عن البشر حيث وضع الله بيننا وبينهم حجاباً، ولا يمكن لأي بشر أن يخترق تلك الحجب إلا بمعجزة تخرق قوانين الطبيعة كما حصل لسليمان(ع).
فتحضير الجن بتلك الطرق الشيطانية إنما هو كذب وتضليل للناس البسطاء الذين يصدقون تلك الخرافات الخرافات.
والخلاصة هي أن الجن موجود ولكن لا تمكن رؤيتهم ولا يمكن التواصل معه إلا بمعجزة.
قِصةُ هَارُوْتَ ومَارُوْت
يوجد في القرآن الكريم نوعان من الآيات: محكَم، وهو الذي له وجهٌ واحد للتفسير، ومتَشَابه، وهو الذي يحمل أكثر من وجه، وإليه أشار سبحانه بقوله(هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) وهناك أنواع من الآيات المتشابِهات تحمل من وجوه التفسير أرقاماً خيالية، ولهذا فلا يمكن الجزم بإرادة الله من خلال المتشابِه إلا بالرجوع لأهل الذِكر الذين أمرنا الله سبحانه بالعودة إليهم لفهم المراد من آيات القرآن المجيد، والأمر الإلهي في هذا الشأن واضح(فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)
وإن دلّ هذا التنوّع في القرآن على شيء فإنما يدلُّ على عظمة هذا الكتاب المُنزَل على أعظم الأنبياء، والذي اشتمل على عِلم الأولين والآخرين لِما ورد في الحديث: العِلم كله في القرآن: والذي لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العِلم، وهذا نوعٌ من أنواع الإعجاز القرآني الذي هو في الواقع أعظم معجزة أوجدها الله عز وجل في هذا الوجود، ولذا عُبّر عنه بالمعجزة الخالدة، فقد أجرى الله سبحانه الكثير من المعجزات على أيدي أنبيائه(ع) كعصا موسى التي تحولت إلى ثعبان يلقف ما أفك السحرة، وكناقة صالح، وتفجير عيون المياه، وغيرها مما لا يمكن حصره في هذا الموضع، ولكنها حدثت وانتهت مع بقاء آثارها في قلوب البعض وعقولهم، أما القرآن الكريم فقد حدث في زمن خاتم الأنبياء محمد(ص) وما زال موجوداً وسيبقى إلى يوم القيامة(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)
ومن تلك الآيات المتشابهة التي حملت مئات الوجوه للتفسير والتي حيّرت عقول العلماء فضلاً عن غيرهم والتي تكشف لنا بوضوح عن عظمة كتاب الله العزيز قوله تعالى في سورة البقرة(وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ)
ونحن مجبورون على ذكر بعض المقدمات اللازمة قبل الشروع بهذه القصة التي لا يمكن فهم محتواها إلا من خلال تلك المقدمات التي نعتبرها المدخل الأساسي لفهم مضمون هذه القصة المحيّرة للعقول، والتي حدثت بعد وفاة نبي الله سليمان(ع).
وتُعتبَر قصة هاروت وماروت من عجائب القصص القرآنية التي بقي الكثير منها غامضاً بسبب تجاوز وجوه تفسيرها المليون وجه كما ذهب إلى ذلك العديد من المفسرين.
وليس بالضرورة أن نعرف كل شيء، بل ليس من العيب أن نكون قاصرين عن إدراك بعض المفاهيم، لأن عقولنا قاصرة عن معرفة الكثير مما هو كائنٌ فوق مستوى العقول وربما ما هو ضمن مستواها، ولا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا قول الله تعالى(وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)
لقد جرت هذه القصة العجيبة بعد موت نبي الله سليمان(ع) أي في الفترة التي انتشر فيها السحر بشكل مخيف كاد يقضي على البشرية لولا حكمة الله الذي أرسل إليهما هاروت وماروت للحد من تلك الأزمة القاتلة.
وما نريد أن نعرفه هنا هو أنه كيف استطاع هذان الملكان الحد من انتشار السحر الضار.
لقد أصبح فنّ السحر في تلك الآونة الشغل الشاغل لليهود على وجه الخصوص الذين كانوا وما زالوا مصدراً للإضرار بالعقول والنفوس والأبدان، وكانوا يتنافسون في فن السحر، أيهم أكثر خداعاً وشراً.
فبعد موت نبي الله سليمان كتب بعض الشياطين(من الإنس أو الجن حيث يصح إطلاق إسم الشيطان على متّبع الشيطان) كتب كتاب سحرٍ ووضعه تحت سرير سليمان(ع) لتضليل الناس في شأن هذا النبي الذي سخّر الله له الجن والريح تجري بأمره، ثم أرشد الناس إلى الكتاب المفتعَل ففتحوه وقرأوه، وعلى إثر معرفتهم بمضامين هذا الكتاب الشيطاني اتهموا نبيّهم بالسحر ومرّت عليهم تلك المكيدة الشيطانية دون أن يتحققوا من الأمر حيث كان عندهم قابلية تقبُّل الشر بداعي الحسد تجاه هذا النبي الكريم، وقد قال بعضهم: بهذا تغلّب علينا سليمان: أي بالسحر، وتناسوا أنه نبيٌ مرسَل من عند ربه وأنه صاحب معجزات وكرامات.
فبعد أن تناسوا أنه نبيٌ يوحى إليه من ربه، وجّهوا الأنظار نحو هذا الكتاب الذي تلته الشياطين من دون أن يتأنوا ويدققوا ويحققوا في شأنه، وقد نسوا فضله وإيمانه ومعجزاته وتلك الخدمات الكبرى التي قدمها لهم، ودعوته لهم إلى الإيمان بالله الواحد الأحد.
وبما أنّ لهذه القصة خصوصية خاصة سوف أبينها لكم من خلال شرح كل فقرة من الآية الكريمة على حده.
وسوف نشرع هنا مباشرة ببيان القصة عبر شرح كل فقرة من الآية التي ذكرت لنا قصة هاروت وماروت في سورة البقرة.
(وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ)
اتبع اليهود ما أملته الشياطين عليهم من تلك الأكاذيب التي ألصقوها بالنبي سليمان بعد موته وهو بريء مما نُسب إليه جملةً وتفصيلاً، فقد كتب أتباع الشياطين كتاباً ونسبوه إلى نبي الله سليمان مدعين بأنه مصدر قوته، وقد أنكروا نبوته ومعجزاته وجميع إحسانه، وكان اليهود ألعن من الذين كذبوا على لسان نبي الله سليمان.
وقد اختلف المفسرون اختلافاً عجيباً في إرجاع ضمير(اتبعوا) هل هم اليهود، أم الذين كانوا في عهد رسول الله محمد(ص) واختلفوا في قوله(تتلوا) هل هو بمعنى الإتباع أو القراءة أو الكذب.
ولعل المراد بقوله(ملك سليمان) هو عهد النبي سليمان.
(وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ)
أي لم يكن ساحراً، بل الشياطين هم الذين كفروا لأنهم اتهموا سليمان بالسحر، ولأنهم علّموا الناس السحر الأسود.
(يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ)
الشياطين الذين كذبوا على الناس علّموهم السحر الضار، وكان الملكان هاروت وماروت قد بعثهما الله تعالى ليعلّموا الناس فنّ السحر حتى يردوا به كيد الشياطين، ولكنّ الناس استعملوا ما تعلّموه من السحر للتفريق بين المرء وزوجه ولغايات ليست بشريفة، وكان الملكان كلما علّما أحداً من الناس السحر كانا يحذرانه من ذلك ويخبرانه بأنهما يفعلان ذلك للإمتحان، فبدل أن يستعملوا ما تعلّماه من الملكين للخير استعملوه للشر بوسوسة من الشياطين الذين انتشر السحر بوسوستهم لتدمير المجتمع البشري.
(وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ)
(فلا تكفر) أي لا تستعمل ما تعلّمته من السحر في الشر والتفريق بين الناس، بل استعمله لدفع ضرر الشياطين، وفي حديثٍ للإمام الرضا(ع) مع المأمون جاء فيه: وأما هاروت وماروت فكانا ملكين علّما الناس السحر ليتحرزوا به عن سحر السَّحَرة ويبطلوا كيدهم وما علّما أحداً من ذلك شيئاً إلا قالا له إنما نحن فتنة فلا تكفر، فكفر قوم باستعمالهم لِما أُمروا بالإحتراز عنه وجعلوا يفرّقون بما يعملونه بين المرء وزوجه:
وهناك العديد من الأحاديث التي كشفت لنا عن حقيقة هذين الملكين اللذين كان إرسالهما امتحاناً من الله لليهود، ولكنّ اليهود كالعادة سلكوا طريق الشر ولم يسمعوا النصيحة ولم يحذروا.
فالهدف الأساسي من إرسال هذين الملكين كان تعليم الناس السحر الذي يدرأون به السحر الضار، فاستغل كثير ممن تعلموا عن هاروت وماروت السحر لفعل الشر.



