يُحكى أنّ ملِكاً جشعاً استغلّ جهل قومه واستعطفهم بكلامه المعسول وأسلوبه الشيطاني ككثير من ملوك الأرض في الماضي والحاضر، وكان يكذب عليهم في كل خطاب يلقيه على مسامعهم وهم يصدقونه ويهتفون له بطول العمر، وكانوايُبجّلونه كثيراً ويتكلمون عن فضائله لأي مسافر يقدم عليهم أو يأتي إليهم، حيث بنى لهم صرحاً(غرفة كبيرة) لتعليم أولادهم ومركزاً للطبابة(غرفتان واحدة للمرضى وأخرى للطبيب) كلّف له طبيباً لمعالجة أبناء قومه، وأرسل الكثير من أبنائهم للعمل في الخارج.
لقد كلّفه بناء الصرح والمركز ألف دينار ذهبي، وقد جمع بسببهما من أهل مدينته عشرين ألفاً وأكثر، وكان يأخذ منهم الضريبة على التعليم وعلى الإستشفاء وهم يضحكون فرحين بعطائه لهم، وقد اعتبر الملك هذين الصرحين مصدراً لتمويل قصره.
وأما أولادهم المسافرون فلم يعُد منهم أحد، ولم يُرسل أحد منهم فلساً لأهله، لماذا؟ لأنه لم يُرسلهم للعمل بالتجارة، بل أرسلهم لحراسة الحدود بالقوة، وهم يظنون بأنَّ أولادهم يعملون في التجارة وسوف يرجعون إليهم محمَّلين بالأموال والهدايا.
وكان من بين بني قومه رجالٌ ونساءٌ مستعدين للتضحية بأنفسهم في سبيله لأنه(كما يرون) مثلهم الأعلى.
وذات يوم أرسل مذياعه الخاص لدعوة الناس إلى تناول العشاء في قصره وأوعز إلى وزيره أن يشجعهم على التسابق لحمل ما عندهم من أغنام ومحاصيل لزوم العشاء، وأنه لَفخرٌ لهم أن يدخلوا القصر بالهدايا، ففعلوا ذلك، وحمل كل واحد منهم أجود ما عنده من قُماش، وأسمن ما عنده من نعاج حتى امتلأت مخازن الملك تلك الليلة، لقد فاض عنهم الكثير من المواشي والمؤمن التي باعها وزير الملك للتجار وقد اشتراها أولئك البسطاء مرة أخرى.
كان الواحد منهم يشتري نفس الجرة التي قدّمها هدية للملك، وهو يظن بأنها تشبهها، وهكذا في جميع السلع والأغراض، وراحوا بعد ذلك العشاء يتسامرون الحديث عن كرم الملك وسخائه ونوعية وكمية الطعام الذي وضعه أمامهم في تلك الليلة، وراح شعراؤهم ينظمون الشِعر في كرم الملك.
وكان من بينهم شاب عاقل يفهم الحقيقة فقام إليهم ووبّخهم أشد توبيخ على جهلهم المطبق، وأخبرهم بالحقيقة التي يجهلونها أو يتجاهلونها وأنَّ الملك يضحك عليهم، وقد أثبت لهم القول بالدليل القاطع عندما أتاهم ببعض الأغراض التي حملوها إلى قصر الملك وقد ابتاعها من أحد التجار، وكان قبل تقديمها للملك قد وضع لها علامةً مميَّزة، فاتهموه بالكذب، فقال لواحد منهم قد اشترى جرته من السوق، فقال لها اقلبها واقرأ ما كُتب تحتها، فقال له وما كُتب تحتها؟ فقال كتبت عبارة(هكذا هم الجهلاء) فقلبوا الجرة وإذ بهم يقرأون تلك العبارة، وقد اتهمه شاري الجرة بأنه دخل إلى داره خلسة وكتب عليها ذلك ليُبعدنا عن حب الملك فاتهموه بأنه جاسوس يعمل على تدمير النظام فوشوا به إلى وزير الملك الذي أمر باعتقاله وإعدامه.
وبعد تلك الحادثة فهم الجيل الجديد حقيقة الملك، ولكنهم خافوا من التصريح بالحقيقة كيلا تكون نهايتهم كنهاية ذلك الشاب الذي لو صدّقه بنو قومه لما مات.
مات الملك، وورثه ولده، وكان أفظع من أبيه، ثم مات وورثه ولده فكان أخطر، وكلما أتت أمّةٌ لعنتْ أختها.
فلا بدّ من التخلي عن التعصُّب الأعمى وأن ننظر إلى الأمور بوعي وحكمة وأن لا نسمح لأحد أن يستغل طيبتنا كائناً مَن كان.
قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين)
إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات
جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين
الشيخ علي فقيه