الحياة مليئة بالدروس والعِبَر، والرابح هو الذي يستفيد من تجارب الماضين.
يُحكى أن شاباً كان يعيش في بيئة كافرة تعبد النار وتسجد للتماثيل التي لا تضر ولا تنفع، وكانوا يقدمون القرابين لتلك الآلهة المزعومة ويسرقها كهنة المعبد كالعادة، وكانوا يسهرون على إبقاء النار مشتعلة حيث لا يجوز في عقيدتهم أن تنطفئ، وقد رأى منهم العجب العجاب حيث كان عندهم طقوس غريبة وعادات عجيبة ما أنزل الله بها من سلطان ولا يقبلها العقل السليم.
وكان هذا الشاب دائمَ التفكر في الخلق البديع من سماء وأرضٍ وما فيهما والذي لا يمكن حدوثه صُدفة، وكان موقناً بأن النار ليست إلهاً ولا تستحق العبادة، فهي مجرد مخلوق وُجد لخدمة الناس فقط، وقد صرّح برأيه لبعض أقاربه الذين وشَوا به وبما يدعيه من إنكارٍ لربوبية النار، فحاولوا أن يعاقبوه على كلإره ولكنه نفد من العقاب بعد أن قرر الخروج من قبيلته والتجوال في البلاد الواسعة بحثاً عن الحقيقة التي طالما شعر بها، ولكنه لم يدركها في مجتمعه الضيق.
خرج من قبيلته متخفياً حيث حُكم عليه بالسجن حتى يرجع عن كفره، وراح يتنقل من بلد إلى بلد، ويلتقي بعالِم تلو العالِم، وعابدٍ بعد العابد، وقد سمع الكثير ممن لقيهم مما يطمئِن له قلبُه، وقد رأى في رحلته كثيراً من آيات الله في خلقه، من جبال عالية وسهول واسعة وأشجار وثمار وكثير من المخلوقات التي جم عن الإحصاء عددها.
رأى الكثير من العادات، وسمع الكثير من اللغات، ويوماً بعد يوم كان شوقه لمعرفة الحقيقة يزداد، وآخر مَنْ وصل إليهم كاهنٌ في معبَدٍ بطرف مدينة بعيدة وصلها ليلاً، ولم يكن هذا الكاهن بأفضل من قوم الشاب الذين عبدوا النار، لأنه كان يتمظهر بعبادة الله سبحانه، ولكن قلبه كان خالياً من الإيمان لأن جميع أفعاله كانت شيطانية تُخالف ما يُصرح به أمام الملأ من البسطاء الذين كانوا يصدقون أكاذيبه وخدعه.
وصل الشاب إلى ذلك المعبد في وقت متأخر من الليل، فطرق الباب مرات عديدة فقام الكاهن من نومه المريح وفتح له الباب غاضباً وقد نهره بكلام مزعج حيث أيقظه من النوم، وحاول أن يطرده حينها ولكن الشاب استنجد به في ظلام ذلك الليل الموحش وألح على الدخول حتى وافق على إدخاله، أما الشاب فقد اشمأز من الكاهن لحظة أن رآه، ولكنه كان مضطراً للمبيت في المعبد ليحمي نفسه من السباع وشدة البرد.
دخل إلى المعبد ونام على الأرض دون عشاء أو رداء بسبب بخل الكاهن وجشعه المميز، وكانت الأغطية كثيرة والطعام وفيراً في حجرة الكاهن فقط.
وفي الصباح الباكر استيقظ على صراخ الكاهن الذي كان يحمل بيديه أدوات التنظيف، وطلب من الشاب أن ينظف المعبد ويهتم بالحديقة مقابل طعامه وشرابه، وقد خيره بين العمل في التنظيف والبقاء في المعبد، أو المغادرة دون أي شرط، فوافق الشاب على مضض حتى يتمكن من التفكير والتخطيط، وكان الكاهن يأكل اللحم والشحم وأجود أنواع الفاكهة ويرمي إلى الشاب بعض كسيرات الخبز، وكان يبيت على فراش مريح، والشاب ينام على الأرض، وقد نحل جسمه بسبب قلة الغذاء وعدم الراحة، ولكنه تحمّل مرارة العيش في سبيل الوصول إلى الحقيقة التي يبحث عنها.
وكان كلما سأله الشاب عن مسألة دينية هرب من الجواب ولم يعلمه كلمة كيلا يكون في المدينة مَن يعرف أحكام الدين غيره.
وذات يوم كان الكاهن جالساً مع بعض الأغنياء وقد طلب منهم إنفاق أموالهم في سبيل الفقراء بحجة أنه يعطيهم الكثير وعددهم كبير وهم يحتاجون إلى الكثير من الأموال والمعونات وأنه يريد أن يبني لهم بيوتاً تأويهم، وراح يعظهم بلسانه حتى أقنعهم بدفع ثرواتهم للفقراء، وقد أعطوه الكثير من الذهب والفضة ثم انصرفوا، وعندما حل الظلام سمع الشاب صوت فأس يُضرب في أرض الحديقة فخرج ليستطلع الأمر فوجد الكاهن يحفر حفرةً قرب شجرة كانت وسط الحديقة ليدّخر فيها الذهب والفضة لنفسه، فوقع الشاب في حيرة من أمره لا يعرف ما يصنع، أيخبر القوم بالحقيقة أم يبقى ساكتاً، وبعد تأمل طويل قرر أن ينتظر الفرصة المناسبة للكشف عن حقيقة الكاهن الطماع.
وفي صبيحة بعض الأيام استيقظ الشاب ولم يسمع صوت الكاهن كالعادة فدخل إلى حجرته فوجده جثة هامدة فأسرع إلى أهل المدينة وأخبرهم بوفاته فأتوا على الفور ليشاركوا في دفنه، وبعد الإنتهاء من مراسم الدفن طلب من الأغنياء الذين بذلوا أموالهم للكاهن أن يحدثهم بالأمر فأخبرهم عن حقيقة الكاهن التي يجهلونها فثاروا عليه واتهموه بأنه يُغرض في هذا الكلام فأخذهم إلى مكان الحفرة واستخرج منها أموالهم وأرجعها إليهم فاعتذروا منه ولعنوا الكاهن في قبره.
ثم سافر إلى بلد آخر فالتقى بأحد العلماء وتلقى الدروس على يديه ووصل إلى غايته المنشودة بعد أن رأى من أخلاق عالِمه كل جميل، فأحب الدين نتيجةً لتلك الأخلاق الفاضلة التي تمتع بها ذلك العالم الرباني.
قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين)
إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات
جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين
الشيخ علي فقيه