قصص وحكايات

قصص القرآن الكريم(الحلقة 34)

قِصةُ إِرَمَ ذَاتِ العِمَاد

 

 

قِصةُ إِرَمَ ذَاتِ العِمَاد

 

في مطلع سورة الفجر أشار الله تعالى بالعموم إلى قومٍ شدادٍ ومدينةٍ رائعة الجمال لم يعُد لها وجود على الأرض بسبب العذاب الذي صبّه الله تعالى عليها وعليهم لما ارتكبوا من ذنوب عظام وأخطاء جسام كان أبرزها تكذيب الأنبياء وإنكار دعوة التوحيد.

ولعل(إرم ذات العماد) إسمٌ لمدينة كان يعيش فيها قوم نبي الله هود(ع) وقد كانوا طوال البُنية أشداء الأجسام، ولهذا استطاعوا رفع أعمدة مدينتهم بكل سهولة.

ولا نعني بالطوال أنهم عمالقة كتلك الأساطير التي يتلوها البعض، بل نعني بالطوال أنهم كانوا أطول من الطول العادي بقليل كأولئك الموجودين في زماننا فإن هناك نسبة لا بأس بها منهم.

أما تلك الحكايات الخرافية عن قومٍ طول الفرد منهم سبعون ذراعاً فهذا ما لا وجود له سوى في الأوهام.

ولعل هذه المدينة المشار إليها في الآية الكريمة هي تلك الجنة التي بناها حاكمهم(عاد) الذين ينتسبون إليه، والذي سُميت المدينة باسمه فيما بعد فصحّ تسميتهم بقوم عادٍ نسبةً لجدهم، أو نسبةً لمدينتهم.

وقيل إنّ إرَم هو اسم شخص، ولكن كونه اسم مدينة أنسب بدليل ما أتى بعده من آيات تكشف عن المراد(الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) فيُفهم من ظاهر الآية أن الحديث هو عن مدينة وليس عن شخص.

وقد حُكي كثيراً عن اكتشاف تلك المدينة، ولهذا تجدون كثيراً من المؤرخين يصفونها بناءاً على ما وصلهم من الذين ادعَوا بأنهم قد عرفوا مكانها ودخلوها.

ولكن القرآن اكتفى بذكر اسم تلك المدينة ووصفٍ عام لها، وهي أنها ذات عِماد، ثم تلا هذا الوصف وصفٌ آخر وهو أنه لم يُخلق مثلها في البلاد حيث ورد في بعض الأخبار أنّ شداد بن عاد قد جمع كل ذهب وجواهر المناطق التي هي تحت حكمه وزخرف بها قصور تلك المدينة التي عندما تقرأون وصفها تحسبونها جنة على الأرض.

وقد ذكر بعض المفسّرين قصّة اكتشاف مدينة “إرم” العظيمة في صحاري شبه الجزيرة العربية وصحاري عدن، وتحدثوا بتفصيل عن رونقها وبنائها العجيب، ولكنّ القصّة أقرب للخيال منها للواقع.

غير أنّ كل ما قيل حول تلك المدينة يندرج تحت عنوان الأساطير والحكايات الخيالية التشبيهية، وليس هناك نصٌ واضح وصريح يكشف عن حقيقية تلك المدينة التي اختزن الله علمَها لنفسه.

فلو كان في بيان صفتها فائدة معتدٌّ بها لذكرها لنا كتاب الله.

وإليكم العبرة القرآنية من هذه القصة كما ذكرها الله تعالى في سورة الفجر.

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)

وما أعجبُ له من بعض فِرق المسلمين أنهم تبنّوا فكرة أنها مدينة تشبه الجنة وأنّ حولها ألف قصر مزخرف، وأن أحد أتباع معاوية وصل إليها وأخذ من كنوزها شيئاً وأهداها إلى معاوية، وما إلى ذلك من الخرافات التي لا يأتي من ورائها سوى التشويش على الأذهان وتحريف الحقائق وإضاعة الوقت دون أية فائدة، فلقد تركوا أسس الإسلام وأهم العقائد وصبوا اهتمامهم على وهمٍ لا يُسمن.

وهي طريقةٌ متَّبَعة عند الذين يريدون النيل من الدين الحنيف فيهتمون بالقشور ويُهملون اللّب، ويتَقوّلون الأكاذيب ويصدقونها نتيجة خفّة عقولهم وتزلزل عقائدهم.

إنّ أخطر المراحل التي يمر بها الدين هي تلك التي يصدّق الناس فيها الخرافة وينبذون الحقيقة، وهذا وباء ألمّ بالكثيرين من الناس، من المسلمين وغيرهم، عافانا والله وإياهم من أمراض النفوس.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى