
الغِيبَة
الغيبة هي أن يُذكَر المؤمن في عيبٍ مستور فيه، وهو لا يرضى بذِكره، وقد يحصل هذا الأمر بحضور المؤمن أو في غيبته، وكلاهما أقبح من الآخر، لأنك إذا ذكرت هذا العيب في غيبته فقد اغتبتَه، وإذا ذكرت ذلك في حضوره فقد أتيت بذنبَين في وقت واحد، الغيبة، والإحراج، وربما يلحق بهما الإهانة والإستخفاف وإدخال الأذى إلى قلب المؤمن، وكلها صفات بشعة قد نُهينا عنها في شرعنا الحنيف.
والغيبة من كبائر الذنوب التي صرّح بها القرآن الكريم ونصّت عليها السنّة المطهَّرة حيث ذُكر فيهما الوعيد الواضح والقاضي بتعذيب المغتاب في النار الكبرى، هذا كله بالإضافة إلى التشبيه الذي ذكره القرآن في الغيبة مما يبيّن لنا حجم قبحها في نظر الخالق عز وجل.
نقل صاحب البحار أن رسول الله(ص) قال لأبي ذر: يا أبا ذر، إياك والغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنا…قال أبو ذر: يا رسول الله وما الغيبة؟ قال: ذِكرُكَ أخاك بما يكره: قال أبو ذر: يا رسول الله فإن كان فيه ذاك الذي يُذكَر به؟ قال(ص) : إعلم أنك إذا ذكرتَه بما هو فيه فقد اغتبتَه، وإذا ذكرتَه بما ليس فيه فقد بَهَتَّه:
وعنه(ص) : الغيبة أن تذكر الرجل بما فيه من خلفه:
وعنه(ص) : من ذكر رجلاً بما فيه فقد اغتابه:
وعنه(ص) : الغيبة ذِكرُك أخاك بما يكره:
وعن الإمام الصادق(ع) : الغيبة أن تقول في أخيك ما هو فيه مما قد ستره الله عليه، فأما إذا قلت ما ليس فيه فذلك قول الله(فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً):
فتارة تذكر عيب أخيك الظاهر، والذي يعرفه الناس، فهذا لا تجري عليه أحكام الغيبة، فإن هناك أحكاماً أخرى له، لأنك إذا ذكرت ذلك من باب التشهير والإستخفاف كان ذلك من إهانة للمؤمن، وإن لإهانة المؤمن عقاباً خاصاً، وأما إذا ذكرتَه في عيبٍ قد خفيَ على الناس فذاك هو الغيبة بعينها، وهذا ما أشار إليه الإمام الكاظم(ع) حيث قال: مَنْ ذَكَر رجلاً من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس لم يغتبه، ومن ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا يعرفه الناس اغتابه:
ولم يتعرّض الإمام(ع) في هذا الحديث إلى الخصوصيات الأخرى فإن سكوته عنها لا يعني جوازها، ولكن الأئمة(ع) بيّنوا لنا حرمة التجريح بالمؤمنين وعاقبة ذلك في يوم القيامة.
إن القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد وتوجيهٍ نحو الأصلح وتعليمٍ لأحكام الله من حلال وحرام، فمن عمِل بالقرآن نجا، ومن استنار بأنواره سلك الطريق ووصل إلى الرضوان.
إن القرآن الكريم أعظم كتاب سماوي أنزله الله تعالى للبشر، فهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم، وهو النور المبين، وهو المعجزة الخالدة التي واكبت كل العصور وعالجت جميع القضايا العامة والخاصة، فتارة نجد القرآن يعالج قضايا الأمم، وأخرى نجده يعالج قضايا الفرد بشكل تميّز به عن غيره في الأسلوب والمضمون والطريقة، فمرة يستعمل السموات والأرض للتمثيل، وأخرى يستعمل البعوضة للغرض ذاته، وهو الكتاب الذي وصف الله تعالى بقوله(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) وبقوله(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) وبقوله(وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً)
وقد حدثنا هذا الدستور العظيم عن الغيبة ليعالج بذلك قضايانا العامة والخاصة حيث أن الغيبة تتعلق بالفرد وبالمجتمع، فإنك تارة تغتاب فرداً، وأخرى تغتاب مجموعة كبيرة دفعة واحدة، ثم إن غيبة الفرد للفرد تتولد عنها مساوئ وعداواة من الصعب أن تنتهي بسهولة لأن آثار الغيبة سيئة جداً، وقد تمتد جذورها لتطال المجتمع كله.
ففي الحديث عن هذا السلوك الإنحرافي الكبير قال سبحانه(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)
وقال عز وجل(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
ولا يمكن للمؤمن الراجي عفو ربه والخائف من عذابه والعارف بحق ربه عليه أن يُقدِم على ارتكاب الحماقات التي تتبعها العواقب المهلكة، والتي تنتهي بالنتائج السلبية، وشر النتائج عذاب النار، وشر منه غضب الله على العبد لأن غضبه أشد من عذابه.
فالمؤمن الحقيقي عندما يمر على النهي القرآني الوارد في شأن الغيبة تأخذه الخشية فتردعه عن ركوب هذا الذنب العظيم الذي كانت كفارته معقَّدة نوعاً ما، ولأن المؤمن لا يسمح لنفسه بالنزول إلى هذا المستوى الوضيع الذي ترفضه الإنسانية فضلاً عن شرائع الله عز وجل.
وعندما ينزّه العبد نفسه عن ممارسة تلك السلوكيات التي يأمر بها الشيطان فإنه بذلك يعتلي المنزلة التي خصصها الله تعالى لأهل الخشية، ويرتقي بروحه إلى المستوى الذي أرادها الله عز وجل أن تكون فيه، لأن الله جل وعلا خلق العباد من أجل أن يبلغوا بسلوكهم واعتقاداتهم تلك المستويات التي تخوّلهم لحيازة النعيم في الجنة.
وترى المؤمن خائفاً مشفقاً عندما يعترضه أي حرام، أو عندما يقف الشيطان في طريقه يريد أن يوسوس له ويغريه ويمنّيه ليوقعه في المعصية، فتراه عند هذا الوضع مستنفراً ومنتبهاً وحذراً أشد الحذر كيلا يصرعه الشيطان مرة، لأنه إذا صرعه الشيطان مرة فقد قدِر على صرعه غير مرة، وإذا حصل ذلك أصبح الإنسان رهين الشهوات في هذه الحياة، وهذا معناه السقوط، وهذا السقوط يعني في نظر الإنسان المؤمن الخسارة الكبرى التي لا يمكن أن تُعَوَّض إلا بالأوبة السريعة والتوبة الصادقة والنية الحسنة.
الشيخ علي فقيه



