كبائر الذنوب

سِلْسِلَةُ كَبَائِرِ الذنُوْب

النَمِيْمَة

 

 

النَمِيْمَة

 

وهي أن ينقل الشخص كلاماً سمعه من شخص إلى الشخص المَعنيّ بالكلام بهدف إشعال نار الفتنة بين المتكلم وبين المَعنيّ بالكلام.

والنميمة من الذنوب التي ثبت أنها من الكبائر عن طريق الوعيد عليها بالعذاب في القرآن الكريم، وقد ذكر الله عز وجل النمّام في قوله(وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ  هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ)

والمشّاء بنميم هو الساعي للإفساد بين الناس عبر نقل الكلام لهم، وبالأخص عندما يزيد في الكلام أو ينقص منه ليضع الزيت على النار، فهذا مفسد في الأرض يستحق أشد العقاب لأنه صاحب مهنة هي في الواقع غاية في الشيطنة، وقد ورد عن النبي وآله(ص) الكثير من النصوص التي تحذّر من السعاية بين الناس، وتبيّن عاقبة ذلك بهدف التخويف من الإقدام على هذا السلوك ليعتبر العاقل بما يُنقل إليه عنهم ويعمل بوصاياهم ويهتدي بهديهم ويسير على طبق تعاليمهم الربانية.

فعن رسول الله(ص) قال: شرُّ الناس المُثلِّث، قيل يا رسول الله، وما المثلّث؟ قال: الذي يسعى بأخيه إلى السلطان، فيُهلِك نفسه ويهلك أخاه ويُهلِك السلطان:

وهذا الأمر قام به كثير من الناس عبر الزمن، وما زال قائماً حتى هذه الأيام لأن كثيراً من الناس يتزلفون إلى الحكّام بوسائل عديدة، منها شديدة السوء، ومنها ما هو أقل سوءاً، ومهما كان مستوى السوء فيها فإن المؤدّى واحد، وهو الهلاك لجميع الأطراف المشارِكة في الظلم.

فالذي يسعى بأخيه إلى السلطان سوف يهلَك إما عن طريق السلطان الذي سوف يعمل على التخلّص منه كيلا يفضحه عند الناس، وإما سوف يهلكه الله تعالى في الدنيا والآخرة، وهؤلاء كالعملاء الذين باعوا ضمائرهم لأعداء أوطانهم وأديانهم، فعندما قضى العدو وطره فيما قضى تخلّص منهم بألف طريقة وطريقة.

وأما الطرف المظلوم فإنه سوف يهلَك من قبل السلطان الذي لا يخشى الله في دماء الناس، وإن من السلاطين من لا يهدأ لهم بال حتى تُهدَر يومياً أمامهم كثير من دماء الأبرياء كما حصل في بعض الدول العربية المعروفة.

وأما السلطان فإنه سوف يهلك إذ أن الله عز وجل سوف يعاقبه في الدنيا والآخرة، وكل ذلك تمَّ بالنميمة التي حرّمها الله تعالى لسوئها وقبح عاقبتها على الجميع.

وقد أشار رسول الله(ص) في بعض المناسبات إلى العاقبة السيئة التي سوف يصل إليها الساعي بإخوانه، وإنها لشر العواقب حيث سوف يجمعه الله تعالى في جهنم مع شرار الخلق، ومهما كانت نسبة النميمة قليلة فإن عاقبتها عند الله عز وجل واحدة، فلو ارتكبت هذا الأمر مرة ومُتَّ عليه أو ارتكبته مئة مرة ومتَّ عليه، ومن عواقب النميمة ما قال الرسول الأكرم(ص):من سعى بأخيه إلى سلطان أحبط الله تعالى عمله كله، وإن وصل إليه مكروه أو أذىً جعله الله تعالى مع هامان في درجةٍ في النار:

يعني مهما أُصيب النمام بالمصائب من جراء نميمته فإن هذا الأذى لن يخفف عنه العذاب في يوم الحساب لأنه ظالم على كل حال، والظالم له عقاب في الدنيا وعقاب في الآخرة.

وفي كتاب غرر الحِكم ورد العديد من الأحاديث عن أمير المؤمنين علي(ع) يذكر فيها مساوئ السعاية بالإخوان، منها: الساعي كاذب لمن سعى إليه، وظالمٌ لمن سعى عليه: ومنها: شرُّ الناس من سعى بالإخوان ونسي الإحسان: ومنها: النميمة شِيمة المارق: ومنها: أسوأ الصدق النميمة: ومنها: من سعى بالنميمة حاربه القريب ومَقَتَه البعيد:

فلو أدرك الإنسان حجم الضرر المجعول في النميمة على جميع الأطراف لتخلّى عنها من دون تردد لأن سوءها لوحده يُعتبَر موعظة للمتعظين، فهي أشبه بالنار الملتهبة، وكيف يمكن للعاقل أن يحرق نفسه بنار لا علاج لآثار حروقها.

وما ورد عن النبي وآله(ص) في هذا المجال لَهُوَ أكبر حجة علينا حيث لم يدع الرسول وآله أمراً يتعلق بهذا الشأن إلا وبيّنوه لنا من باب إرشادنا نحو الأصلح وإبعادنا عما هو سبب الهلاك لنا في الأولى والآخرة.

فعن رسول الله(ص) قال: إياكم والنميمة: وعنه(ص) : إياكم والعَضْهَ، النميمةَ القَالَةَ بين الناس: وعنه(ص) : قال لأصحابه: ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس: وعنه(ص): لا يَعْضَهْ بعضكم بعضاً:

وعنه(ص) : ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: المشّاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبُرَآء العيب:

وانظر أيها العاقل الذي يوجد في قلبك ذرةٌ من خشية الله تعالى إلى آثار النميمة عليك عندما توضح في قبرك وحيداً فريداً لا أُنسَ لك سوى العمل الصالح الذي كنت تفعله في الدنيا، وها هو رسول رب العالمين(ص) يبيّن لنا جزءاً من آثار النميمة في بيت الوحشة فيقول: إحذَر الغيبة والنميمة، فإن الغيبة تُفطِر، والنميمة توجب عذاب القبر:

وفي بيان سوء النميمة وشدة قبحها والعقاب عليها، ورد عن رسول الله(ص) قوله: كادت النميمة أن تكون سحراً:

وأكثر الناس يدركون حجم عذاب الساحر، ونفس ورود هذا التشبيه لأكبر دليل على شدة عقاب النمام والساعي بين الناس من دون رحمة ولا شفقة، وهو يعلم سوء ما يفعل.

وعنه(ص) : لا يدخل الجنة نمّام:

ونحن لا نتصوّر أن إنساناً مسلماً يسلك هذه الطريق الوعرة لأن المسلم عاقل لا يفعل ما يهلكه، فإذا فعل ذلك لم يكن عند الله مسلماً وإن ادعى ذلك في حياته، وفي بيان هذه الحقيقة ورد عن النبي الأعظم(ص) نه قال: إن النميمة والحقد في النار لا يجتمعان في قلب مسلم:

وأما هذه التحذيرات الواردة عن المعصومين(ع) وجدهم الأعظم(ص) نوجّه نصيحة خاصة للأمهات والأخوات أن لا يقعن في النميمة، وأن يحفظن إيمانهن بالتخلي عنها، وها هو رسول الله(ص) يذكر لنا ولكن عقاب النسوة اللواتي تمشين بالنميمة فيقول: لمّا أُسريَ بي رأيت امرأة رأسها رأس خنزير، وبدنها بدن الحمار، وعليها ألفُ ألفِ لونٍ من العذاب، فسُئِل: ما كان عملها؟ فقال: إنها كانت نمّامة كذّابة:

ولعل تخصيص الأمر هنا بالنساء هو أنهن يشكّلن النسبة الكبرى في ارتكاب هذا السلوك، والأمر بيّن للجميع.

وفي هذا المجال ورد عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: إياك والنميمة فإنها تزرع الضغينة وتُبَعِّد عن الله والناس:

وعنه(ع) قال: إياكم والنمائم، فإنها تُورِث الضغائن:

وبهدف بيان ضرورة التباعد عن أهل النميمة وعدم معاشرتهم جاء في كتاب الإمام علي(ع) إلى النجاشي والي الأهواز: إياك والسُّعاةَ وأهل النمائم، فلا يَلتزِقَنّض بك أحد منهم، ولا يراك الله يوماً ولا ليلة وأنت تَقبل منهم صرفاً ولا عدلاً، فيسخطَ الله عليك ويَهتِكَ سِترَك:

وعن الإمام الصادق(ع) : إنّ من أكبر السحر النميمة، يُفَرَّقُ بها بين المتحَابَّيْن، ويُجلَب العداوة على المتصافيَيْن، ويُسفَك بها الدماء، ويُهدَم بها الدور، ويُكشَف بها السُّتور، والنما أَشَرُّ من وَطئَ على الأرض بقَدَم:

وقد رُوِيَ أن كليم الله موسى بن عمران(ع) استسقى لبني إسرائيل حين أصابهم قحط، فأوحى الله تعالى إليه: لا أستجيب لك ولا لمن معك وفيكم نمام قد أصرّ على النميمة: فقال موسى(ع) : مَن هو يا رب حتى نخرجه من بيننا؟ فقال الله تعالى: يا موسى، أنهاكم من النميمة وأكون نماماً؟ فتابوا بأجمعهم فسُقُوا:

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى