
حَبْسُ الحُقُوْق
في رواية الأعمش عن الإمام الصادق(ع) عَدَّ حبس الحقوق من كبائر المحرمات إذا لم يكن هناك ضيقٌ وعُسر، حيث يقول(ع) : وحَبْسُ الحقوق من غير عسر:
ولو علِم الإنسان ما في حبس حقوق العباد من التبعات لما حبس حق أحد منهم، ويكفينا في تصوير حالة الحابس ما ورد عن الإمام الصادق(ع) حيث قال: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين الصَّدود لأوليائي؟ فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم، فيقال: هؤلاء الذين آذوا المؤمنين ونصبوا لهم وعاندوهم وعنَّفوهم في دينهم، ثم يُؤمَر بهم إلى جهنم:
وفي رواية أخرى قال(ع) : كانوا والله الذين يقولون بقولهم ولكنهم حبسوا حقوقهم وأذاعوا عليهم سرهم:
ربما يكون الحابس للحق مشابهاً في ظاهره لأهل الإيمان، ولكن باطنه مختلف عن بواطنهم، فعندما يحبس حقوق الناس وهو قادر على إرجاعها فلا يكون حينئذ مؤمناً حقاً لأن المؤمن الحقيقي يجب عليه أن يترجم إيمانه عملياً.
وشد موقف على الإنسان في يوم القيامة هو أن يدعي عليه شخص أن له بذمته حقاً، وهذا ما أرشدنا الإمام السجاد(ع) إليه حيث قال: يؤخَذ بيد العبد يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، ألا مَن كان له قِبل هذا حق فليأخذه، ولا شيء أشد على أهل القيامة من أن يروا من يعرفهم مخافةَ أن يدّعي عليهم شيئاً:
فكيف سيتصرف المحقوق عندما يطالَب من قبل المخلوقين بحقوقهم عليه، فلكي يرتاح من ذلك فما عليه سوى إرجاع الحقوق إلى أهلها قبل أن يأتي يوم لا يستطيع أن يفعل شيئاً فيه.
ولذا فقد قال(ص) لأصحابه: أتدرون من المفلس؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم ولا مال ولا متاع له، قال(ص) : إن المفلس من أمتي من أتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وحج، ويأتي قد شتم هذا وأكل مال هذا، وهتك دم هذا، وضرب هذا، فيؤتى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياه عليه، ثم يُطرح في النار:
وحبس الحقوق هو أن يكون للناس عليك ديون لم تؤدها إليهم مع قدرتك على إرجاعها، أما مع العسر فلا يكون ذلك حبساً للحق بل عجز وقصور، والأفضل أن نتعاطى في هذا المجال بمقتضى قوله تعالى(وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)
ولقد علّمنا ربنا طريقة ينبغي اتّباعها عند الدين للطرفين، وذلك لكي يحفظ الإنسان حقه وحقوق الآخرين حيث قال سبحانه(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
والدَّيْن على قسمين: دَين حالّ، ودَينٌ مؤجَّل، أما الحالّ فهو الدَّين الذي لا مدة له، أو كان له مدة وانتهت، وأما المؤجل فهو الذي له مدة قد اتفق عليها الطرفان،(الدائن والمَدين)
فلا يحق للدائن المطالبة بالدَّين إلا عند حلول الوقت المتفق عليه، ولا يجوز للمدين أن يمتنع عن إرجاع الدَّين عند حلول أجله، ومهما كان الحال فعلى كل طرف منهما أن يتحمّل الآخر حتى يفرّج الله عن المعسور، فقد رُوي عن عثمان بن زيد عن الإمام الصادق(ع) : قال: قلت: رجلٌ لي عليه دراهم، وكانت داره رهناً فأردت أن أبيعها؟ فقال(ع) : أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه:
ويُروى أن محمد بن أبي عمير(وهو من أصحاب الكاظم والرضا والجواد عليهم السلام) كان رجلاً غنياً فذهب ماله وافتقر بسبب قربه من الإمام الكاظم(ع) وعلاقته به، حيث ألقي القبض عليه وحُبس أربعة أعوام وعُذِّب عذاباً شديداً، وقد كان لمحمد بن أبي عمير على رجل عشرة آلاف درهم، فباع هذا الرجل داره التي كان يسكنها بعشرة آلاف درهم، وجاء إلى محمد بن أبي عمير ليرد له دَينَه، فقال له محمد بن عمير: ما هذا؟ قال الرجل: هذا مالك الذي لك عَلَيَّ، فقال محمد: ورثتَه؟ قال الرجل: لا، قال محمد: وُهِبَ لك؟ قال الرجل: لا، قال محمد: هو ثمن ضيعة بعتَها؟ قال الرجل: لا، فقال محمد: ما هو؟ قال الرجل: بعت داري التي أسكنها لأقضي دَيني، فقال محمد بن أبي عمير: حدّثَني ذريع المحاربي عن أبي عبد الله(ع): قال: لا يخرج الرجل من مسقط رأسه بالدَّين، إرفعها فلا حاجة لي فيها، وإني لَمحتاجٌ في وقتي هذا إلى درهم واحد، وما يدخل ملكي منها درهم واحد:
الشيخ علي فقيه



