أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء

أَخْبَارٌ وَأَنْبَاءٌ مِنْ حَيَاةِ الأَنْبِيَاء

نبِي اللهِ إِدْرِيْسُ(ع)

 

 

نبِي اللهِ إِدْرِيْسُ(ع)

 

قال الله سبحانه وتعالى (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا){مريم56/57}

وقال سبحانه(وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ){الأنبياء85/86}

يتفاوت حديث القرآن الكريم عن الرسل والأنبياء تفاوتاً ملحوظاً سواءٌ في كمية الألفاظ والآيات أو في المعاني والأبعاد، وقد نشأ هذا التفاوت من قيمة الدروس والعبر التي وُجدت في حياة هذا النبي أو ذاك، ولعلّ القرآن قد ركّز على العبر التي تعنينا مباشرة نحن المسلمين أمة خاتم الأنبياء(ص)، وقلة الكلام حول أحد الأنبياء كإدريس(ع) لا تعني خلوَّ حياته من المواقف المفيدة والأحداث الهامّة، بل ربما تعني عدم حاجتنا إليها بسبب اختلاف مضامينها مع ما نحتاج إليه في هذا الزمان.

وكثرة ذكر أحداث ومواقف بعض الأنبياء لا تعني حصر مواقفهم كلها في هذا الكم أو هذا العدد، فإنه بالتأكيد هي أكثر مما عرفنا أو مما وصل إلينا، ولكن القرآن المجيد لم يُعطِنا منها سوى ما له علاقة مباشرة بأوضاعنا، ولا عبرة بقرب زمن النبي الفلاني من زمان نبيِّنا، فقد يذكر الله لنا عبراً كثيرة من حياة نبي يبعد زمانه عن زماننا ويفصل بيننا وبينه آلاف الأنبياء، ومثال ذلك: إن نبي الله صالحاً أقرب زماناً لنا من نبي الله نوح، ورغم ذلك كان الحديث عن صالح موجزاً ومحدوداً، بينما الحديث عن نوح كان مكرَّراً ومنوَّعاً وكثيراً، والسبب هو قيمة الأحداث بالنسبة إلينا وليس بالنسبة إلى صاحبها، فلربما كانت أحداث إدريس في الأزمان الماضية وبالأخص لمن كان زمانه قريباً من زمانه تحمل ذات الأهمية لأحداث خليل الله إبراهيم بالنسبة إلينا.

فهذا هو محور القاعدة التي يتعاطى بها القرآن معنا، ومن خلال هذا المبدأ ننطلق في تعاطينا مع تعاليم الرسل والأنبياء.

فالوارد عن تاريخ نبي الله إدريس(ع) قليل جداً، ولم يأت القرآن على ذكره سوى في موضعين، مرة في سورة مريم ولم يتجاوز الحديث عنه فيها سطراً واحداً، ومرة في سورة الأنبياء وقد أُدرج إسمه بين ذِكر إسماعيل وذي الكفل(ع) مبيّناً لنا أنهم من الصابرين، ولعل السبب في ذلك هو أن ما جرى في حياة إدريس ليس له أثر مباشر على سلوكنا في هذا الزمن، ولربما كان الناس في قديم الزمان يتغنون بتاريخ إدريس بحجم الفائدة التي عادت عليهم من تاريخه وتجاربه.

وهنا لا بدّ من لفتة نظر هامة تتمحور حول أسلوب القرآن الكريم في البيان الموجز لأن إعجاز القرآن يكمن خلف إيجازه، فإنّ ذِكرَ الشيء بشكل سريع أو موجز في كتاب الله لا يعني عدم وجود الفائدة في هذا الشيء إذ لو لم يكن ذا فائدة كبرى لما تعرَّض إلى ذكره، وهذا يعني أن حكم القليل الذِكر في القرآن هو ذاته حكم كثير الذكر فيه.

والفكرة الأساسية التي يجب الإنطلاق منها هي أن الله تعالى اكتفى بذكر ما له منفعة مباشرة لنا، فما لم يكن فيه المنفعة المباشرة لنا فلم يتعرّض القرآن إلى ذكره لا من قريب ولا من بعيد، فنفس ذكر إدريس ولو على هذا النحو الموجز والضيّق يجعله بمستوى كل الذين ذُكروا في القرآن والذين بلغ عددهم خمسة وعشرين نبياً، وهذا يعني أن المفارقة بين الأنبياء دارت حول الذين ذُكروا في القرآن والذين لم يُذكَروا أصلاً، أما الذين أشار القرآن إلى ذكرهم ولو بشكل عابر فيجب التعاطي مع ما ذُكر عنهم كما نتعاطى مع ما ذُكر مع الذين امتلأت سور القرآن بذكرهم، وبمعنى آخر: ينبغي علينا أن نتعاطى مع الآيات المذكورتين اللتين تحدثتا عن إدريس(ع) كما نتعاطى مع مئات الآيات التي تحدثت عن كليم الله موسى(ع) الذي اعتُبر أكثر ذِكراً من غيره، وهذا الطرح يفتح أمامنا مجالاً آخر لبيان هذه النقطة، وهو أن إبراهيم الخليل(ع) أعظم من نبي الله موسى لأنه أبو الأنبياء، ورغم ذلك كان حديث القرآن عن موسى أوسع وأكثر من حديثه عن إبراهيم، فكثرة ذِكر واحد منهما لا تعني أنه أفضل ممن لم يُذكر عنه سوى القليل.

لعل كثرة ذكر بعضهم يعود إلى كونهم أصحاب شرائع سماوية، وبما أن شرائع السماء واحدة كان لا بد من بيانها للبشر، وبيان تلك التعاليم يُحتّم الحديث عن صاحبها أو ناقلها، فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتمهم(ص) هم من أنبياء العزم الذين اتصلت شرائعهم ببعضها البعض، وكان من الضروري أن يكثر ذكرهم من باب التواصل والترابط بين تلك الشرائع، ولعل هذا هو أهم أو أبرز الأسباب لكثرة الذكر.

ثم إنه قد تكون الأحداث الذي جرت بين إدريس وقومه لا تقل أهمية عن الأحداث التي جرت بين نوح وقومه أو بين موسى وقومه، ولكن –والله أعلم- ربما كان سبب كثرة الحديث عنهم دون إدريس وأمثاله من الأنبياء الكرام هو وجود المعجزات التي كانت وما تزال العلامات الأساسية لإثبات الوجود والوحدانية، فوجود المعجزات يفرض الإكثار من الكلام حولها لأنها الدروس الفعّالة في النفوس أكثر من فاعلية الحدث المجرد عن المعجزة.

وهذا ما يمكن أن نستفيده من خلال ملاحظة الحديث القرآني عن أصحاب المعجزات، فآدم(ع) لم يكن من أنبياء العزم، ورغم ذلك كان حديث القرآن عنه طويلاً، ولعل السبب الأبرز هو كون نفس وجوده معجزة، وحتى لو لم يكن له معجزة فينبغي الحديث عنه مطوَّلاً لأنه أصل البشرية، ولا بد للبشر من أن يعرفوا أصلهم، ولا يمكن لهم ذلك إلا من خلال الذكر الكثير والحديث الطويل.

لقد عوَّدَنا القرآن الكريم على هذا الأسلوب الرباني الراقي في عملية البيان، ولنضرب هنا مثالاً حول حديث القرآن عن بعض العبادات والمعاملات لنكشف من خلال ذلك أحد أهم أسباب كثرة الذِكر أو قلته، أو نكشف جزءاً من الحكمة فيه، فالصلاة عمود الدين، ورغم كونها كذلك فإن القرآن المجيد لم يحدثنا عنه طويلاً بل اكتفى في الإشارة إليها ضمن بضع آيات، بينما نجد حديثه عن النكاح والطلاق والإرث والحج والجهاد أكثر بكثير، والحكمة هنا لا تظهر من خلال كلامنا وتحليلاتنا وإشاراتنا مهما كانت عميقة، فإن الوسيلة الأنسب إدراك هذه الحكمة هي التفكر والتأمل في هذا الطرح الذي نجعل الحَكَمَ فيه عقول العقلاء.

ونلاحظ أيضاً بأن القرآن الكريم قد اختار من بين الأنبياء نماذج شكّلت نقطة وصلٍ بين السابق واللاحق، وكأنه تعالى عند ذكر الخمسة وعشرين نبياً قد ربط التاريخ الرسالي من أوله إلى نهايته.

مثال ذلك: يوجد بين تاريخَي آدم وإدريس زمن طويل يُعد بمئات السنين، فلو لم يذكر الله تعالى نبيّه إدريس لحصل بُعدٌ تاريخ واسع بين النبي السابق واللاحق، وبمعنى آخر لو لم يُذكَر إدريس لاختصر القرآن الكريم تاريخ الرسالات بشكل واسع، فلو أنه ذكر آدم ثم نوح لبقي هناك حقبة زمنية طويلة مجهولة، فذِكر إدريس بين آدم ونوح كان بمثابة ربط بين تاريخَي أبي البشر الأول وأبي البشر الثاني اللذَين تفصل بينهما مدة طويلة قد تُعد بآلاف السنين، بينما كان وجود إدريس لاغياً لتلك النسبة، فبدل أن يكون الفارق بالآلاف أصبح بالمئات، وهكذا الحال بين نبي وآخر ممن ذُكروا في الكتاب العزيز.

وهذا لا يعني أنه لم يوجد بين آدم وإدريس أنبياء آخرون، ولكن عصر إدريس كان مناسباً للفصل في الذكر القرآني، وقد نصَّ التاريخ الصحيح على وجود أكثر من مئة ألف نبي قد بعثهم الله تعالى للبشرية، وقد حدّد وظيفة كل واحد منهم، فبعضهم اقتصرت وظيفته على التبليغ والوعظ، وبعضهم كان له شريعة ومعجزات، وبعضهم كان له معجزات دون شريعة، وبعضهم لم يكن له هذه ولا تلك، ويمكن لنا أن نستفيد هذا المعنى من خلال موضعين قرآنيين أشارا إلى نقطتين هامتين في مجال التاريخ الرسالي.

الموضع الأول: قوله تعالى (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ){البقرة/253}

الموضع الثاني: قوله سبحانه (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ){غافر78}

فالذين قصّ الله ذكرهم في القرآن هم خمسة وعشرون نبياً، ذكر منهم ثمانية عشر في سورة الأنعام، وسبعة في سور متفرقة، والسبعة هم: آدم ، هود ،صالح، شعيب، ‏إدريس، ذو الكفل، محمد(صلوات الله عليهم أجمعين) والثمانية عشر الذين ورد ذكرهم في سور الأنعام هم: نوح، إبراهيم، يونس، موسى، عيسى، هارون، زكريا، يحيى، إسماعيل، يوسف، سليمان، داوود، الياس، اليسع، لوط، إسحق، يعقوب، أيوب.

ومن هؤلاء الأنبياء(ع) أربعة من العرب هم: هود وصالح وشعيب ومحمد(ص).

فالقرآن ذكر خمسة وعشرين، وقد ذكرت السنّة المطهرة أسماء أنبياء لم يرد ذكر أسمائهم في القرآن مثل: شَيث، الذي ذُكر في زيارة الناحية المقدسة، ويوشع بن نون، وغيرهما.

وهناك مَن اختُلف في كونهم أنبياء أم لا: كالخضر وذي القرنين وتبّع.

 

الفَتْرَةُ الفَاْصِلَةُ بَيْنَ إِدْرِيْسَ وَنُوْحٍ(عليهما السلام)

 

أشرنا في البحث السابق وبشكل موجز إلى المرحلة التي فصلت بين آدم وإدريس، ورجّحنا أن تكون تلك المرحلة قد شهدت نبوات عديدة حيث لم تخل الأرض في المراحل الأولى من الأنبياء الذين أسسوا الدين بوحي من الله وأرسوا قواعد الإيمان في كل مجتمع دخلوا إليه أو كانوا فيه، ولكن التفاصيل في تلك المدة كانت غامضة، فلم ترد إلينا نصوص تفصيلية حول تلك الفترة، وإنما رجَّحنا ثبوت أمور ونفيَ أخرى من خلال ربط شيء بشيء وحمل شيء على شيء وذلك من باب ضبط الأفكار والحفاظ على تسلسل  الحلقة التاريخية الرسالية.

ونفس ما قيل في تلك المرحلة بين آدم وإدريس يقال في المرحلة الفاصلة بين إدريس ونوح لأنها كانت فترة زمنية طويلة جداً، وقد دلنا عليها تكاثر النسل البشري وانتشارهم في كثير من بقاع الأرض، وهذا لا يمكن أن يحصل بسنوات قليلة بل بمئات السنين.

ولا شك بأن للبعد الزمني أثراً على اندثار كثير من المعالم والآثار وجزء كبير من أحداث التاريخ الذي يمحى شيئاً فشيئاً رغم اهتمام المؤرخين بجمع المعلومات التأريخية، وقوله تعالى(مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) هذا شامل لجميع المراحل، فلربما كانت تلك المرحلة مليئة بالأنبياء الذين لم يذكرهم القرآن الكريم، خصوصاً وأن الوضع في البداية كان حرجاً، فلا يُعقل أن تبقى الأرض خالية من الأنبياء في مرحلة التأسيس.

ولا نعني بهذا الكلام أن نبوة نوح ارتبطت بنبوة سابقيه، فلربما خلت الأرض منهم لعقود من الزمن ولكن مع وجود أخبار الأنبياء السابقين وعلومهم التي نشروها في المجتمع البشري، وذلك كوضعنا الحالي الذي فُصل بينه وبين عصر النبوة بألف وأربعمئة سنة تقريباً، وهذا لا يعني أننا معذورون بحجة أن الأرض خلت من الأنبياء، نحن لا ننظر إلى النبي الجسد بل إلى الرسالة والتعاليم التي زرعها في نفوس الناس وقلوبهم، فوجود آثار النبي كوجود شخصه، وهذه القاعدة كما جرت في هذا الزمان فقد جرت في الماضي أيضاً، ولكن نسبة الكفر والوثنية في العصور الماضية كانت أعلى من نسبتها في هذا الزمان وذلك بسبب العقول المتحجرة وكثرة أصحاب المطامع الذين وجدوا بأن الطريقة الفعالة لجمع الثروات هو الإتجار بالوثنية ومستلزماتها لأن صناعة التماثيل في الماضي كان هو الفن المنتشر والمعتمد في دعم الإقتصاد، وقد اختار الناس الوثنية لأنهم يحكمونها ولا تحكمهم.

وعلى فرض أن تكون تلك المدة الفاصلة بين إدريس ونوح مئة عام، فهذا يعني نشوء آلاف الأصنام وظهور عشرات الديانات الفاسدة، وهذا يكشف لنا عن صعوبة المهمة التي كلف بها نوح من قبل الله عز وجل.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى