
ما هي الهجرة
الهجرة هي ترك الوطن من أجل تحقيق مصلحة كبرى أو هدف شريف أو عيش كريم، ولا تختص الهجرة بعالم الإنسان فإن هناك قبائل من المخلوقات الأخرى تهاجر سعياً وراء العيش الرغيد والوطن الآمن كالطيور وغيرها من أصناف الحيوانات التي تطلب الهجرة في فصول معينة.
أنواع الهجرة
تعتير الهجرة من العادات الطبيعية لدى الإنسان، وهي من أهم العوامل المساعدة على تغيير الأوضاع من حال معينة إلى حال أفضل.
وتتعدد أنواع الهجرة بتعدد أسبابها، ولأجل أن نحيط بالأمر من جميع الجهات يحسن بنا أن نبين تلك الأنواع ليسهل علينا فهم بعض المطالب التي سوف نتعرض لذكرها في هذا الكتاب.
الهجرة لطلب العيش الكريم
وهو أكثر أنواع الهجرة انتشاراً في أقطار العالم لأن جزءاً كبيراً من اقتصاد البلاد قائم على هذا النوع من الهجرة.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع من أنواع الهجرة حيث يقول(ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)
وقد كان ذلك رداً على الذين سلكوا طرق الحرام بحجة الفرق وعدم وجود عمل شريف للكسب.
ولا يخلو بلد في العالم إلا ومنه عشرات آلاف المهاجرين لطلب الرزق، وهذا يعني أن الهجرة أمر طبيعي يحققه الإنسان من أجل تحقيق بعض الأهداف بغض النظر عن ماهيتها.
الهجرة لطلب العلم
ولا يقل هذا النوع من الهجرة عن النوع السابق حيث تمتاز بعض الدول عن غيرها بنوعية العلماء في جميع المجالات، فالذي لا يجد في وطنه من يدرسه المادة التي يطلبها فإنه يهاجر من أجل أن يحقق رغبته.
ولا تختص هذه الهجرة بنوع من أنواع العلم فإن كثيراً من العلوم تتوقف معرفتها على الهجرة لعدة أسباب:
منها: كلفة التعلم: فقد تكون هذه المادة في الوطن مكلفة بشكل باهظ، بينما نجدها في الدول الأخرى أقل كلفة بأضعاف، وهذا ما يدفع أكثر شبابنا وفتياتنا إلى الهجرة.
ومنها: عدم وجود المختص بهذه المادة.
ومنها: عدم الإستقرار الأمني الذي يحول بين الطالب وطلب العلم كما يحصل في كثير من بلاد العالم.
وإن كثيراً من علمائنا الكبار قد حازوا علومهم الغزيرة عن طريق الهجرة حيث توجهوا إلى أماكن تواجد العلماء والمدرسين ليحصلوا على العلم.
الهجرة لطلب الثواب
إن كثيراً من المؤمنين يتركون الأهل والأوطان ويهاجرون من بلد إلى لد سعياً وراء كسب الأجر والثواب كمن يذهب إلى الأماكن المقدسة كمكة والمدينة والنجف الأشرف وكربلاء.
ويعتبر هذا النوع من الهجرة أمراً محبوباً لله سبحانه وتعالى حيث أخبرنا في كتابه المجيد بأن الذين يهاجرون من أجل الله ورسوله لهم أجر عظيم عنده حيث يقول(ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله)
الهجرة من أجل الدين وأهله
وهي النوع الذي يحقق به المهاجر مكاسب لدينه وأمته كما صنع النبي الأعظم محمد(ص) عندما هاجر من مكة إلى المدينة، وكما فعل الإمام الحسين(ع) عندما خرج من المدينة متوجهاً نحو كربلاء بهدف الإصلاح فيما فسد من أمور الدين.
وقد قلّ من يركب هذا النوع من الهجرة لأن أكثر الناس باتوا لا يفكرون إلا بمصالحهم الخاصة مخلفين وراءهم مسؤولية كبرى تجاه هذا الدين العظيم الذي أمرنا الله تعالى به.
كل واحد يلقي المسؤولية على الآخر مع أن الجميع مسؤولون على حد سواء.
ويعتبر هذا النوع من أعظم أنواع الهجرة لأن المنفعة من ورائها تصيب الأمة بكاملها وليس شخصاً واحداً أو مجموعة من الناس، كما صنع الإمام الحسين بن علي(ع) عندما هاجر من المدينة قاصداً كربلاء من الدين والأمة.
لقد كانت هجرة خالصة لله تعالى حيث عادت بالمنافع الكبرى على كل مسلم في العالم.
إنها هجرة من أجل القضايا الكبرى والمواقف المصيرية التي تعلقت عليها شؤون الأمة بكاملها.
الهجرة من الذنوب
كما يهاجر الإنسان من بلد إلى بلد ليحقق أهدافاً لنفسه كالعيش الكريم والعلم الوفير والوطن الآمن، كذلك فإن ناك هجرة يجب على الجميع أن يحققوها وهي هجران الذنوب.
والأمر الإلهي الوارد في هذه الهجرة واضح حيث يقول تعالى(والرجز فاهجر) أي تخل عن الذنوب لأنها حمل ثقيل وعاقبته أثقل.
فكما يسعى الإنسان لحفظ دنياه فكذلك يجب عليه أن يحفظ آخرته، وإن الوسيلة الوحيدة لحفظ الآخرة هي الهجرة من الذنوب.
الهجرة النبوية
المجتمع العربي قبل ظهور الإسلام
لقد كان المجتمع العربي قبل الإسلام مجتمعاً غريباً بطبايعه وعاداته وتقالده وأنظمته الفاجرة التي تسمح للقوي بافتراس الضعيف، وللغني بأكل الفقير، وللحاكم باستعباد الناس.
وبتعبير آخر.. كان مجتمعاً تحكمه شريعة الغاب وتسيطر عليه العادات القبلية الفاسدة التي كانت الساعد الأيمن للحكام والملوك، والأقوى هو الذي يحافظ على حياته وإن كان ذلك على حساب حياة الآلاف من الناس.
لقد كان المجتمع العربي آنذاك محاطاً بالفساد والوثنية والربا وكل المحرمات السماوية والإنسانية بحيث أصبح الظلم هو القانون العادل في نظرهم، الحق مع القوي دائماً، والضعيف مذنب في نظرهم، كان همهم الوحيد منافسة بعضهم البعض بجمع الثروات عن طريق الربا وبيع الأوثان والخمر والزنا بحيث لم يبقى لصاحب الإستقامة مجال للحياة بينهم، أصبح المستقيم غريباً والصالح منبوذاً والعادل لا يستحق الحياة.
لقد دفنوا الفتاة بحجة العار، ولكن السبب في دغنها يعود إلى مبدأ الإنتفاع، وبما أن الفتاة لا تكسب المال فقد دفنت حية يوم ولادتها، فهي تكلف والدها نفقة كبيرة ولن يعود عليه من تربيتها شيء.
هكذا كان المجتمع الجاهلي الذي بُعث إليه النبي الأعظم(ص) لينقل أفراده من الظلمات التي فرضوها على أنفسهم بأيديهم.
لقد بعث الله تعالى رسوله محمداً لينقذ المجتمع العربي من الوثنية والإنحطاط الأخلاقي والنفسي، وقد قال الله تعالى في ذلك(الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)
وقد أظهرت هذه الآية جملة من المهمات التي تحملها الرسول(ص) ، ولأجل أن يتضح الأمر أكثر كان لا بد من الإشارة إلى أهم الوظائف التي قام بها، ومن خلال عظمة الوظيفة التي قام بها النبي الأكرم ندرك عظمة المهمة التي قام بها الإمام الحسين(ع) في كربلاء.
المجتمع العربي عند ظهور الإسلام
في خضم تلك الممارسات البشعة والتقاليد البعيدة عن الإنسانية التي كان يمارسها المجتمع العربي ضد الضعفاء، وفي ظل تلك الظروف الصعبة التي لم يعد بإمكان الناس أن يتحملوها، حيث كان الفساد يزداد يوماً بعد يوم وتتوسع رقعة انتشاره لحظة بعد لحظة، ظهر للعالم نور ساطع زرع في نفوسهم الأمل بحياة كريمة ونظام عادل ينطوي تحته الجميع، إنه نور الرسالة والرسول الذي كان الأمل الوحيد في إنقاذ ذلك المجتمع الفاسد من فساده وعاداته السيئة.
في تلك الآونة بالذات استفحل الشر بشكل عنيف، واشتدت حدة الصراع بين الظالم والمظلوم،ونفد الصبر من صدور المظلومين والمقهورين، ولكن ليس بالإمكان فعل شيء لأن قوى الشر أقوى وأكبر، والموت المحتم لمن يتفوه بكلمة ضد مصالح الحكام الظالمين.
في تلك اللحظات الدقيقة التي كان كثير من الناس فيها يحتضرون، خرج من بينهم رجل منهم وقف في وجه الوثنية وأذنابها داعياً الجميع إلى الإيمان بإله واحد، متحدياً جبابرة العرب وأقوياءهم وحكامهم، محذراً لهم من الإستمرار في تلك الطريق اللعينة.
كيف تقبّل الناس فكرة الدين الجديد
في بداية الأمر كانت الدعوة مسغربة للضعفاء قبل الأشرار حيث لم تصدق عيون الضعفاء ما تراه حيث كان الخلاص في نظرهم شبه حلم لا يمكن أن يتحقق.
ولأجل ذلك لم ينتشر الإسلام بشكل سريع رغم رغبة كثير من الناس بالإلتحاق في ركبه لأنه دين يدعو إلى التسامح والرحمة والعدل والمساواة، فلم يجرؤ كثير منهم على إعلان الإلتزام بهذا الدين الجديد خوفاً من وثنيي مكة ومشركيها.
وقد كان هناك أشخاص يائسون من الحياة، لا فرق عندهم بين الموت في سبيل الدين الجديد وبين البقاء على ما هم عليه من حالات الظلم والفساد والإستعباد فأعلنوا الإسلام وكان ذلك عاملاً مشجعاً للآخرين.
وبعد سنوات عديدة من المبعث النبوي الشريف أخذت رقعة الإسلام تتسع شيئاً فشيئاً حتى دخل كل مجتمع وقبيلة وأمة.
ونلفت النظر إلى أن النبي(ص) قد عانى الكثير في تلك السنوات التي كان الإسلام فيها غريباً حيث لم يكن قد آمن به سوى علي بن أبي طالب وخديجة بنت خويلد سلام الله عليهما.
الوظائف الأساسية التي قام بها النبي محمد(ص)
لقد بعث الله تعالى رسوله محمداً (ص) وكلفه بمهام كثيرة تتعلق ببناء الإنسان والمجتمع الصالح القائم على الإيمان بالله عز وجل، وإذا قام المجتمع على الإيمان كان مجتمعاً إنسانياً راقياً لأن الإيمان يضفي عليه صفات الكمال.
ولا بد لنا من أن نشير إلى تلك الوظائف ولو بشكل موجز حتى تتضح لنا الفكرة المطروحة.
الوظيفة الأولى: الدعوة إلى الإعتقاد بوجود الله تعالى
لقد عمل النبي(ص) على إقناع الناس بوجود خالق قدير لهذه الموجودات، وقد أثبت لهم ذلك عن طريق العقل والإعجاز، فمن استطاع أن ينكر الدليل العقلي بحنكة معينة ويخدع الناس بذلك فإنه لن يستطيع أن ينكر المعجزة.
لقد عمل النبي(ص) على إبطال المعتقد الوثني في نفوسهم مثبتاً لهم ذلك بما لا يُنكَر، وقد استطاع في بداية الأمر أن يخرج الوثنية من قلوب كثير منهم.
فإذا أثبت لهم وجود خالق غير الأوثان التي كانوا عاكفين عليها انتقلت وظيفته إلى مرحلة ثانية لا تقل أهمية عن الأولى، وربما هي أصعب من الأولى،وهي:
الوظيفة الثانية: الدعوة إلى التوحيد
لم تكن هذه الوظيفة أقل من سابقتها بل يمكن القول بأنها كانت أخطر وأشد لأن فكرة التوحيد لم تكن بالمبدأ المقبول لدى الوثنيين والمشركين، فقد آمنوا بوجود خالق لهذه الموجودات، ولم يؤمنوا بوحدانيته لعظم هذا الأمر في نفوسهم.
وقد استطاع النبي الأكرم محمد(ص) بقوة إرادته ورحابة صدره ومقدرته على تحمّل العواقب القاسية من وراء تلك الدعوة أن يثبت للعالم كله وحدانية الله سبحانه وتعالى، وأنّ تلك الأوثان المصنوعة لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع فمن غير المعقول أن تمتلك تلك القدرة التي تؤمنون بها.
لقد دعاهم رسول الله(ص) إلى الإيمان بالتوحيد وقد واجه الجميع بقوله الشهير:قولوا لا إله إلا الله تفلحوا:
ولكن القلوب لم تكن واعية، والآذان لم تكن صاغية، مما أدى إلى اشتداد ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه، ولكنه صبر حتى حقق نتيجة كبرى وأقنع الآلاف منهم بفكرة التوحيد وثبتها في قلوبهم كيلا تتزلزل بالأهواء والأوهام التي كان يعمل الوثنيون على زرعها في عقول الناس وقلوبهم.
وبذلك استطاع أن يخرجهم من قوقعة الشرك والإلحاد إلى عالم الإيمان والتوحيد.
الوظيفة الثالثة: إبطال بعض العادات والتقاليد
في الفترة الفاصلة ما بين ارتفاع عيسى بن مريم غلى السماء ومبعث النبي الأكرم محمد(ع) كانت أوضاع المجتمع العربي تتأزم يوماً بعد يوم، ولعل السبب في ذلك هو خلوّ ساحة البشر من الأنبياء والرسل مدة تزيد على ستمئة سنة تقريباً.
ففي تلك الفترة الطويلة كانت العقائد رهينة الأوهام والأذواق والقوة، والقوي هو صاحب العقيدة التي يجب أن تُتّبع بين أفراد المجتمع، وذلك عن طريق أساليب العنف.
لقد استسلم الناس أمام فكرة التوحيد بعد صراع طويل بين النبي والمشركين، وقد وضعهم أمام الأمر الواقع الذي يحتم عليهم الإذهان بوجود الخالق ووحدانيته، ولكن المشكلة المعقدة كانت تكمن خلف عادات العرب وتقاليدهم التي شبّوا عليها فلا يمكن الإستغناء عنها بسهولة إذ ليس من السهل أن يستغني الإنسان عن عاداته التي ترعرع في أحضانها طيلة تلك المدة.
وهذا ما يحتاج إلى استنفار تام من قبل النبي(ص) وعمل دائم وسهر طويل إذ أن الإيمان بالله تعالى لا يكون مجدياً لهم إلا إذا تخلوا عن تلك العادات المخالفة لأحكام الشريعة.
وقد كانت تلك العادات كثيرة جداً ومنتشرة بشكل فظيع، فهم يحسبونها جزءاً من كيانهم، وهم أصحاي مبادئ خاصة، كيف يمكن لهم أن يتخلوا عن جزء من وجودهم.
إننا بهذه الكلمات نحاول أن نصور لكم صعوبة الموقف الذي واجهه رسول الله(ص) في حياته الرسالية.
لقد كانت تلك العادات هي الحاكمة والمسيطرة على أوضاع العرب تماماً.
ورغم تمسكهم بتلك العادات واعتقادهم بها استطاع رسول الله(ص) أن يخرجها من قلوبهم بطريقة نبوية وذلك من خلال تشريبهم المعتقد الصحيح الذي يتزاحم مع مثل تلك العادات، فهما لا يجتمعان، إما الإيمان وإما تلك العادات.
منهم من اختار الإيمان لأنه أدرك الصواب، ومنهم من بقي ملتزماً بتلك العادات وفضّلها على نعمة الإسلام بحجة أنه وجد آباءه عليها.
لقد كانت تلك العادات بعيدة عن منطق الإنسانية فضلاً عن منطق الأديان لأنها تهدف إلى تدمير القيم الإنسانية والمبادئ الربانية وتبديل النظام الذي خلقهم الله عليه.
ولا بأس بذكر نماذج عن تلك العادات السيئة.
وأد البنات
وهو من أقبح العادات سوءاً وفظاعة لأنها جريمة في حق نصف الإنسانية والمجتمع البشري الذي كونه الله تعالى من ذكر وأنثى.
لقد كان العرب في الجاهلية يتباهون بدفن البنات يوم ولادتهن بحجة أنهن يجلبن العار للآباء.
ولم يكن العار هو السبب في دفنهن وإن كان البعض قد أقدم على ارتكاب تلك الجريمة بهذا الهدف، وقد استعمل بعضهم هذه العادة من أجل أن يحقق لنفسه هدفاً آخر تحت عنوان العار.
إن الهدف الأكبر من إقدامهم على ارتكاب تلك الجرائم البشعة في حق الجنس الآخر هو المبدأ المادي النفعي حيث كانت تلابية البنت مكلفة من دون جدوى، أما تربية الذكور فإنها تعود على الآباء بالمنعة لأن الذكر في المستقبل يتحول إلى مصدر رزق للأب، ولكن البنت سوف يتزوجها رجل غريب ولا يربح الوالد من ورائها شيئاً.
لقد استمرت هذه العادة القبيحة إلى أن بعث الله نبيه الأكرم بدين الرحمة فأنقذ البنت من بين أيدي الآباء الظلمة وأعطاها الحق بالحياة كالذكر ووضع لها حقوقاً كبرى تناهز حقوق الذكور مع مراعاة بعض التفاصيل التي يمتاز بها الذكر عن الأنثى.
الوظيفة الرابعة: نشر فكر الإسلام وعقائده
وهي إكمال للوظائف السابقة حيث لا يمكن للعقيدة أن تستمر من دون أن يكون هناك حصن لها، وقد كان حصن العقيدة هو الفكر الإسلامي الواسع الذي يشتمل على كل ما ينفع الإنسان المسلم في الدنيا والآخرة.
وقد قضى رسول الله(ص) أكثر من عشرين سنة في مجال تعليم الناس أحكام الله من حلال وحرام، وتوجيههم نحو طرق الخير والفلاح.
وقد استوحينا هذه الوظائف من قوله تعالى(الذين يتبعون النبي الأمي..الخ)
المؤامرة على دين الحق
عندما أدرك المشركون حجم الخطر الذي بات يتهددهم من خلال نشر الإسلام بين الناس، ورأوا كيف أن كثيراً منهم يقفون إلى جانب الرسالة وحاملها مما يؤدي إلى وقف تجاراتهم وسحب البساط من تحت أرجلهم ولم يكن بالإمكان أن يقتلوا محمداً خوفاً من أبي طالب وعبد المطلب راحوا يؤذون المسلمين فقتلوا كثيراً منهم وأسروا الكثير وفرضوا الحصار على مجموعات كبيرة حتى يجبروهم على التخلي عن الإسلام، وقد نفذا هذا المخطط الشيطاني ولكنه لم يجد نفعاً حيث استقر المسلمون على إسلامهم رغم العقاب الأليم كما صُنع بوالدي عمار بن ياسر.
وعندما لم يحققوا أهدافهم من تلك الممارسات عمدوا إلى قتل النبي(ص) لأنه يشكل المصدر لحياة المسلمين ومعتقداتهم لظنهم بأن قتله سوف يغير تلك المعادلات.
لقد اعتمدوا فكرة قتله ولكن من يخلصهم من أيدي بني هاشم أصحاب المكانة العالية في الأوساط العربية؟
فأشير عليهم بأن يختاروا من كل قبيلة رجلاً، وكان عددها أربعين قبيلة، وبذلك يضيع دم النبي بينهم ولا يقدر بنوا هاشم على الأخذ بالثأر من أربعين قبيلة.
رسموا تلك الخطة بشكل محكم كيلا يفر النبي من الموت الذي اعتبروه محتماً في تلك الظروف واختاروا من الرجال أقواهم من أجل القيام بتلك المهمة.
غير أنّ إرادة علي بن أبي طالب وحبه لله ورسوله، وشجاعته الكبرى غيرت تلك المعادلات وأفشلت تلك الخطة بعملية التمويه التي قام بها أمير المؤمنين علي(ع) عندما بات ليلة الهجرة على فراش النبي ليوهم الرجال بأن رسول الله ما زال موجوداً على الفراش.
وقد خرج النبي(ص) من مكة سالماً ووصل إلى المدينة المنورة حيث الجماهير المسلمة تنتظره هناك بفارغ الصبر، وقد أرسى قواعد الإسلام فيها وجعلها قلعة المسلمين في ذلك الوقت، وقد حقق عدة انتصارات لدين الله من خلال تلك القوة التي أسسها في المدينة المنورة التي كانت منطلق الرسالة.
دوافع هجرة الرسول(ص)
لقد كان الدافع الأبرز من وراء هجرة النبي(ص) من مكة إلى المدينة هو العمل بحرية لأن نشر العقيدة الحقة يحتاج إلى توفر بعض المقدمات، ولم تكن تلك المقدمات متوفرة في مكة التي تحول كل أهلها إلى سلاح ضد النبي والمسلمين.
ولم يكن الدافع خوف النبي كما يدعي بعض المتوهمين فإن الذي عرج به إلى السماء وفلق له القمر وأجري على يديه مئات المعجزات قادر على أن يعيش بسلام في وسط مكة، ولكنه خرج من أجل الدين وليس من أجل نفسه.
وكذلك المأساة التي عاناها المسلمون من جراء تعذيب المكيين لهم فقد جعلت موضوع الهجرة مسألة ملحة إذ لم يعد أمام النبي(ص) غير هذا الخيار.
وقد كانت الهجرة هي الباب الوحيد للخلاص من ظلم المكيين والإستمتاع بالحرية.
ولولا هجرة النبي(ص) لما استطاع أن يؤسس دولة الإسلام العظيمة، ولأجل ذلك أطلقنا على هجرة النبي (الهجرة التأسيسية) وعلى هجرة الإمام الحسين(الهجرة الإصلاحية) أو(الهجرة من أجل الإصلاح)
وبعد أن تحدثنا بشكل موجز عن الهجرة النبوية آن الأوان للبدء بالكلام حول الهجرة الحسينية لنتعرف على نقاط الإلتقاء بين الهجرتين واتحاد أهدافهما، ثم نترك الحكم لأصحاب الضمائر الحرة في الحكم على ثورة الإمام أبي عبد الله الحسين(ع).
هجرة الإمام الحسين(ع)
من المدينة إلى مكة
لقد كان هدف النبي(ص) من ترك مكة في تلك الظروف الصعبة الإسلام والإنسان، وكذلك كان هدف الإمام الحسين(ع) من ترك المدينة المنورة، فإن نفس الظروف التي سيطرت على مكة المكرمة في عهد النبي سيطرت على المدينة في عهد الحسين(ع).
ولذا يمكن القول بأن دوافع الهجرة الحسينية هي ذاتها دوافع الهجرة النبوية ولكن مع وجود فوارق ثانوية:
الفارق الأول: وهو أنّ صاحب الهجرة الأولى هو النبي محمد بن عبد الله(ص)، وصاحب الهجرة الثانية هو الحسين بن علي(ع).
الفارق الثاني: أن هجرة النبي حصلت من أجل التأسيس، أما هجرة الحسين فقد حصلت من أجل الإصلاح، فالنبي أسس الإسلام والحسين حافظ على الإسلام.
الفارق الثالث: وهو التاريخ، فإن الأولى حصلت وكانت مبدأ التاريخ الهجري، أما الثانية فقد حصل بعد ستين عاماً من حدوث الأولى.
الفارق الرابع: إختلاف صور الطواغيت مع اتحاد الهدف، لأن الأهداف التي دفعتهم إلى قتل الرسول هي نفسها الأهداف التي دفعت بيزيد إلى قتل الإمام الحسين(ع).
دوافع الهجرة الحسينية
لو ألقينا نظرة سريعة على الفوارق التي ذكرناها استطعنا أن نستنبط حقيقة تلك الدوافع التي حثّت الإمام الحسين(ع) على مغادرة المدينة المنورة التي تحولت في عهد يزيد إلى قلعة للظلم والفساد والإفساد فلم يعد للمخلصين فيها مكان.
لقد كان المؤمنون في عهد يزيد يُقتَلون على التهمة والظنة بهدف إفراغ الأرض من القيم والأخلاق التي زرعها النبي(ص) في نفوس الناس.
إن الذي دفع بالإمام الحسين نحو الهجرة هو الإصلاح والقضاء على يزيد، ولكنه لم يكن بإمكان الحسين أن ينفذ أهدافه في المدينة التي أحكم يزيد فيها سيطرته، فقرر أن يذهب إلى الكوفة وهناك يمكن تأسيس جيش كبير يقف في وجه هذا المتغطرس.
والذي أكد مبدأ الهجرة هو أن يزيداً حاول أن يجبر الإمام الحسين(ع) على البيعة، فعندها وصف الحسين يزيداً بتلك العبارات المشهورة:ويزيد رجل فاسق شارب للخمر قاتل للنفس المحترمة ومثلي لا يبايع مثله.
ولم يدع يزيد بن معاوية الحسين وشأنه وإنما راح يضايقه وكل الموالين له بهدف زرع الخوف في نفوسهم، وهذا ما جعل فكرة الهجرة ضرورية لهم جميعاً.
ولعل بعض الكتب التي بعثها أهل الكوفة للحسين كانت خدعة من أجل إبعاده عن المدينة حتى يتمكن يزيد من تنفيذ جريمته البشعة بعيداً عن أنظار الموالين، ولم يكن الحسين جاهلاً بتلك المكائد ولكنه خرج نزولاً عند رغبة عشرات الآلاف من أهل الكوفة.
الإستعداد للخروج من المدينة المنورة
عندما أصبحت الهجرة أمراً ملحاً على الإمام الحسين ومن تبعه من المؤمنين استعد لمغادرة المدينة خفية عن عيون يزيد وجواسيسه حقناً للدماء التي كانت سوف تسفك لو بقي الإمام في المدينة.
لقد تجهز للسفر وجمع أهل بيته وبعض المؤمنين ممن خرجوا معه وعزم على المسير متوجهاً نحو الكوفة.
شاء الله أن يراني قتيلاً
لقد كان ذلك جواب الإمام الحسين(ع) لأحد محبيه في المدينة، وقد طلب هذا الشخص من الإمام أن يبقى في المدينة فهو موضع آمن له نسبة لباقي المناطق الخاضعة لسيطرة يزيد.
فأطلق الإمام(ع) هذا الجواب ليكون أذاناً ينبه به قلوب الغافلين عن الحق، وقد بين لهم من خلال هذا الكلام أنه عالم بالمصير الذي سوف يؤول إليه، ولأجل ذلك حسم الموقف قائلاً:شاء الله أن يراني قتيلاً:
المر ليس بيد الإمام الحسين وإنما هو بيد الله سبحانه وتعالى فهو الذي اختار طريق الجهاد له لأنها الوسيلة الأقوى للدفاع عن الحقوق والكرامات والمعتقدات.
ثم سُئل(ع) عن سبب إخراج النساء؟ فقال: شاء الله أن يراهن سبايا:
ونفس ما قيل حول السؤال الأول يمكن أن يقال حول السؤال الثاني فإن الحسين أعلم بعاقبة الأمر من جميع الناس.
وقد اتضح جلياً للقاصي والداني الحكمة من إخراج النساء معه إلى تلك الصحراء البعيدة وذلك بعد انتهاء المعركة، وسوف نذكر لكم تلك الحكمة في محلها.
نظرة الناس لتلك الهجرة
لقد كانت وجهات النظر مختلفة من قبل المجتمع المدني وقد انقسم الناس تجاه الهجرة الحسينية ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وهم بنوا هاشم الذين خافوا عليه من القتل لعلمهم بانحطاط يزيد أخلاقياً وإنسانياً ولكنهم كانوا عاجزين عن الخروج لأمر خارج عن إرادتهم كعبد الله بن جعفر الذي كان ضريراً.
القسم الثاني: وهم مجموعة من الضعفاء الذين كانت قلوبهم مع الإمام الحسين إلا أن خوفهم من يزيد منهم من الخروج مع إمامهم، وقد كان لهذا القسم حظ في الجريمة لأنهم تخلفوا عن نصرة سيدهم، وقد كان من الممكن أن يكون لخروجهم معه أثر كبير على الآخرين إذ كان من الممكن أن يكون خروجهم مشجعاً لكل الموالين.
القسم الثالث: وهم أعوان يزيد وأتباعه.
القسم الرابع: وهم الأصحاب الذين خرجوا معه من المدينة وقد ناهز عددهم الأربعين شخصاً.
هل شعر الإمام الحسين بالخوف
لم تسلم الثورة الكربلائية وصاحبها من اختلاق الأكاذيب بغرض تشتيت الأفكار والمعتقدات حول الإمام الحسين(ع).
لقد حاول أعداء الحق عبر قرون من الزمن أن يخدشوا نزاهة تلك الثورة ويحطوا من شأنها في نفوس المؤمنين والأحرار فراحوا يوجهون اتهامات كاذبة وأقاويل باطلة لتلك الثورة العظيمة بكل معانيها وأبعادها بهدف أن يعكسوا المعادلات فيجعلوا من الجزار ضحية ومن الضحية جزاراً، ولكن الحق أقوى والإستقامة أعظم فأبى الله تعالى إلا أن تصل الحقيقة إلى العالم كله، وباء المغرضون بالفشل الذريع وأرجعهم الله تعالى خائبين.
لقد تسلل الأعداء من نوافذ عديدة ولكنهم ووجهوا من قبل أهل الحق بجرأة وبسالة فلم يدعوا احتمالاً للتشويه إلا استعملوه، ولكن إرادة الله سبحانه فوق إرادة الجميع، فقد وجدوا لكل اتهام رداً مناسباً من قبل أصحاب النهج الحسيني.
ومن جملة الأكاذيب الكبرى في حق الإمام الحسين(ع) أنه خرج من المدينة هارباً من يزيد وخائفاً من الموت.
ونحن بدورنا نرد على هؤلاء بالتالي:
أولاً: إن الإمام الحسين ابن علي(ع) إمام معصوم، والمعصوم يستمد القوة والجرأة من الله مباشرة، فإذا اتهمنا الحسين بذلك فقد تعدينا الخطوط الحمراء التي وضعها الله سبحانه وتعالى.
ثانياً: ينبغي أن ننظر إلى تصرفات المعصوم من زاوية خاصة لأنه يتصرف بالعلم الذي وهبه الله إياه، فقد نظنه في بعض الأحيان مخطئاً، ولكننا إذا دققنا في أعماق الأمر وجدناه محقاً فيما قال أو فعل، فلا ينبغي أن ننظر في سلوك المعصوم كما ننظر في سلوك بعضنا البعض، ولا ينبغي أن نغفل عن التسديد الإلهي للمعصوم.
ثالثاً: لو كان خائفاً من الموت لما ذهب إليه برجليه لأنه كان يعلم المصير المحتم الذي دلّنا عليه بقوله:شاء الله أن يراني قتيلاًً:
رابعاً: لقد كان بإمكانه أن يبقى على قراره تجاه يزيد ويعيش بين أتباعه في المدينة ولا يستطيع يزيد أن يناله بسوء.
خامساً: لو كان خائفاً من الموت أو طالباً الحكم من أجل الدنيا فقد عرض عليه يزيد كل الدنيا في مقبل كلمة رضا منه فلم يتنازل عن ذرة من عقيدته ورفض الحياة تحت ظل يزيد مؤثراً الموت بعزة وكرامة.
سادساً: يجب أن نفرق بين الخوف من شيئ والخوف على شيئ، فإن هناك فرقاً كبيراً بينهما.
لقد خاف الإمام الحسين(ع) ولكنه خاف على شيئ..خاف على الإسلام من يزيد، وهذا ما دفعه للخروج، ولم يخف من يزيد قط، لأنه في نظر الحسين(ع) عبارة عن حشرة ضعيفة لا تخيف أحداً من الناس.
ونحن الحسينيين ننصح كل الذين يتهمون هذا الإمام العظيم بأن لا يصطادوا في الماء العكر، وأن يتخلوا عن هذا الأسلوب الشيطاني المخادع لأنه لن يؤثر في المؤمنين، بل على العكس هو يربطهم بالحسين أكثر ويثبتهم على العقيدة الحقة، لأننا ننظر إلى تلك الإتهامات على أنها أدلة واضحة على صحة ما قام به الإمام الحسين(ع) في كربلاء.
كما ونقول لهم: إن عاقبة هذا الإفتراء عذاب جهنم لأنكم بذلك تفترون على الله الكذب، والحسين(ع) يمثل الإسلام، وكل ما يقال فيه إنما يقال في الإسلام الذي هو دين الله الحق.
وإذا كان بعض المؤمنين قد أخطأ بالتعبير عن حالة الحسين لأثناء خروجه من المدينة أو عن حالته في كربلاء فهذا لا يعني أن الحسين كان ضعيفاً أو خائفاً.
الخائف لا يواجه آلاف السيوف بجسده ولا يضحي بأولاده وأصحابه ولا يفكر بمواجهة الظالم، ولكنه(ع) لم يكن خائفاً سوى من الله سبحانه وتعالى.
النساء وسيلة الإعلام لنقل الوقائع والأحداث
يرتبط البحث هنا بالبحث السابق لأن مؤداه مشابه لمؤدى الأول من حيث توجيه الإتهامات الباطلة والردود عليها.
فكما اتهموا الإمام الحسين(ع) بالخوف من يزيد والهروب منه فكذلك ألحقوا هذا الإتهام بتعقيب قد يُفهَم منه معنى الخوف لمن كان جاهلاً بحقيقة الحسين بن علي(ع).
لقد درس الإمام وضعه جيداً ولاحظ كل ما يصلح أن يكون جهازاً فعالاً بالمعركة التي سوف يخوضها في كربلاء، فقرر أن يُخرج معه النساء والأطفال، فقيل إنه أراد أن يحتمي بهم.
وقد ذكرنا في البحث السابق أن وسائل الحماية الأخرى كانت متوفرة بالنسبة له، ورغم ذلك اختار الخروج لعلمه بأن مصلحة الأمة متوقفة على هجرته.
ليس الحسين هو الشخص الذي يحتمي بالنساء والأطفال، فهو حامي النساء والأطفال والرجال والأمة بكاملها.
وليس الحسين من يستعمل تلك الوسائل الخفيفة للحفاظ على حياته، ولا يمكن أن يعرض حياة أحد للخطر.
إن أصحابه يشكلون له حماية أكبر من حماية النساء والأطفال، وقد طلب من أصحابه ليلة العاشر من المحرم أن يرجعوا إلى ديارهم وأهلهم لأنه ليس بحاجة إلى غير الله في تلك المعركة.
ونحن على اعتقاد تام بأن الحسين(ع) لو أراد البقاء على قيد الحياة لبقي حياً بألف وسيلة ووسيلة، منها وسائل طبيعية ومنها وسائل خارجة عن نطاق الطبيعة، ولكن شاءت الحكمة الإلهية أن يكون الحسين سبباً لبقاء الإسلام.
لقد تساءل كثير من الناس من المحبين والأعداء حول مسألة إخراج النساء والأطفال، وهم على يقين تام بأن هناك هدفاً خفياً من إخراجهم لأنهم يدركون حنكة الإمام الحسين(ع).
ما هي تلك الحكمة يا ترى؟
بحسب اطلاعنا على تفاصيل الهجرة الحسينية لم نجد نصاً أشار فيه الإمام الحسين(ع) إلى سبب إخراج النساء، غاية ما أشار إليه هو قوله الشهير:شاء الله أن يراهن سبايا:
وهذا لا يكشف عن وجه من وجوه السبب المطلوب.
وما نقوله تجاه هذا الأمر هو أن الإمام الحسين(ع) أُمر بإخراج النساء بطريق غيبي.
ولكن الإجابة على هذا التساؤل ظهر للجميع عقيب استشهاده، ويمكن لنا أن نبين هذا الأمر من ناحيتين:
الناحية الأولى: النساء
والناحية الثانية: الأطفال.
لقد شهّر أصحاب الشعارات الإنسانية المتسترون بغطاء حقوق الإنسان ورعاية الطفل شهّروا بفعل الإمام الحسين حول الأطفال مستغربين إخراجهم معه في تلك الظروف التي لا يجوز للطفل أن يراها أو يعيشها، ولكن الإمام الحسين يعلم من الله تعالى ما لا يعلمه كل الناس.
لماذا نظرتم إلى هذا العمل من الناحية السلبية ولم تنظروا إليه من الناحية الإيجابية، علماً بأن وجه الإيجاب فيه أقوى من وجه السلب.
فلو قرأنا سيرة كربلاء جيداً وأمعنا النظر في أهدافها ونتائجها، ونظرنا في جميع خصوصياتها من دون أن نهمل شيئاً، وربطنا الأحداث ببعضها لظهرت لنا الحكمة من إخراج الأطفال معه.
أنا أقول لأصحاب هذه الإتهامات: هل نظرتم إلى المهمة التي قام بها الأطفال في كربلاء وإلى أثر حالتهم بعد انتهاء المعركة، وبالأخص عندما جالوا بهم القرى والمدن.
هل فكّر أحدكم في أن وجود الأطفال في ركب السبايا بعد كربلاء كان النافذة التي دخل منها زين العابدين وزينب إلى قلوب الناس وعقولهم.
هل علمتم بأن وجود الأطفال بينهم جذب القلوب والأسماع إليهم حتى استطاعوا أن يخبروا الناس بالحقيقة التي حاول يزيد وأعوانه أن يخفوها عن الناس.
أوما علمتم بأن وجود الأطفال بين النساء منع من حدوث كارثة كبرى كانت ستحصل لركب السبايا الذين نظر الناس إليهم على أنهم مجرمون.
كيف تكون هذه الجماعة مجرمة وفيهم أطفال لا يعرفون معنى الإجرام.
لقد أحدث وجود الأطفال في كربلاء وفي ركب السبايا ثورة نفسية في قلوب الجميع، ووجودهم هو الذي هيّأ الأرضية المناسبة لبيان الحقائق التي كانت مخفية على الجميع.
لقد كان لوجود الأطفال في ركب السبايا أثر كبير على نجاح الثورة بعد استشهاد قائدها.
عندما نظر الناس إلى الأطفال تغيرت نظرتهم تجاه ركب السبايا وبحثوا عن الحقيقة فعلموا من هو الظالم الحقيقي.
وإذا أردتم الزيادة في القول قلنا لكم: إرجعوا إلى الحالة النفسية التي عاشها جيش يزيد تجاه الطفل الرضيع الذي كاد أن يحدث انشقاقاً في صفوف الجيش اليزيدي.
ألم تلاحظوا من خلال قراءة السيرة أن الموازين أخذت تنقلب بعد قتل الطفل الرضيع.
ونحن على يقين بأن عزيمة البعض قد انحطت بعد أن ارتكب ابن سعد جريمة مميزة في حق هذا الطفل الرضيع الذي لا يعرف من الكره والعداء بل ولا يعرف شيئاً عن أنظمة هذه الحياة.
لقد كان الإمام الحسين(ع) عالماً بتلك التفاصيل، ولأجل ذلك أخرج معه الأطفال ، كان عالماً بأنهم سوف يحدثون ثورة إنسانية هي التي سوف تتكفل بالقضاء على يزيد وأعوانه.
وقد دلّنا على علمه بتلك التفاصيل قوله عند وصوله إلى كربلاء:ها هنا تهرق دماؤنا، ها هنا تسبى نساؤنا.
وأنا أعتقد أن ما ذكرته حول سبب إخراج الأطفال يقضي على تلك الدعايات والشعارات من أساسها.
وأتوقف هنا على كلمات الحسين في شأن الأطفال وهو مضرج بدمه الزكي ومثخن من الجراحات البليغة، في ذلك الوضع الذي من شأنه أن يشغل المرء عن كل ما حوله، ولكنه(ع) لم تشغله جراحاته ولا حياته عن الإهتمام بشؤون الأطفال والنساء لأنه يريدهم أن يبقوا على قيد الحياة لعلمه بأنهم العامل الأكبر لبيان الحقائق فقال لأخته زينب وهو في تلك الحالة: إرجعي إلى الخيام واحفظي العيال والأطفال:
ومرد اهتمامه بالأطفال يعود إلى اهتمامه بنجاح الثورة التي كان الأطفال فيها سبباً من أسباب نجاحها.
وأما بالنسبة لإخراج النساء فلقد كان الإمام الحسين(ع) عالماً بالمؤامرة التي يحيكها يزيد وأعوانه ضده، وأنه سوف يستدرجه إلى مكان بعيد عن الأنظار من أجل أن يقتله ويخفي الحقيقة على الناس فيجعل من الإمام الحسين رجلاً مجرماً خارجاً عن القانون.
لقد كان(ع) عالماً بأهداف يزيد ومخططاته، وفي نفس الوقت كان يعلم بأن العرب لا يقتلون النساء، ليس خوفاً من الله وإنما مراعاة منهم للتقاليد العربية.
لقد أخرج معه النساء ليكون الوسيلة التي تنقل أحداث كربلاء ووقائها وترد كل الشبهات والإتهامات التي سوف يروجها يزيد بين الناس.
ثم إن للأطفال دور في هذا الموضع، ويتلخص دورهم فيما يلي:
إذا كان الكبار متهمين بالكذب لأغراض خاصة فإن الأطفال لا يكذبون، فإذا لم يصدق الناس زين العابدين وزينب وباقي النساء فإنهم سوف يصدقون الأطفال لأن الطبيعة البشرية تفرض علينا حمل كلام الولد على الصدق.
ولم يكن هناك ولد واحد أو ولدان حتى يمكن تعليمهما على الكذب وإنما كان عدد الأطفال كبيراً بحيث يمتنع تواطؤهم على الكذب.
ثم إن ظروف الرعب التي عاشها النساء والأطفال لم تسمح لهم بوضع أية خطة أو الإتفاق على الكذب.
ثم إنهم لم يضعوا خطة لذلك قبل المعركة لأنهم لم يكونوا على علم بالنتائج التي سوف تنتج عن المعركة.
لقد كان النساء والأطفال على أمل بالرجوع مع الرجال إلى المدينة فلم يكن بحسبانهم أنهم سوف يرجعون بصحبة الآباء والأزواج، ولكننا نستثني من هذا الكلام زينب الحوراء(ع) التي كانت على علم بما سوف يجري عليهم في تلك البقعة، ومن الطبيعي أن تخفي تلك الحقيقة عن النساء قبل حدوثها كيلا تحطم فيهن المعنويات.
النبي(ص) بدأ بالهجرة والحسين(ع) أكملها
لو نظرنا إلى الظروف التي أحاطت بالنبي(ص) قبل الشروع في الهجرة ثم نظرنا إلى الظروف التي أحاطت بالإمام الحسين(ع) قبل الخروج من المدينة لوجدنا أنها متشابهة تماماً.
ولو تأملنا في أهداف النبي من هجرته لوجدناها عين أهداف الإمام الحسين لأنه(ع) بهجرته وثورته تابع من النقطة التي وصل إليها جده ثم أبوه ثم أخوه.
وكذلك لو ألقينا نظرة على نتائج الهجرتين لوجدنا أنها واحدة لأن أهداف النبي(ص) هي أهداف أهل بيته، ولا يمكن أن ينحرف واحد منهم عن خط الآخر لأن اللاحق منهم أكمل عمل السابق، وإن الإمام العظيم صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه سوف يخرج ويكمل تلك المهمة ويتابع المسيرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها بعد أن يرثها المؤمنون لقوله تعالى(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)
الشيخ علي فقيه



