تاريخ أهل البيت

تَاريْخُ أَهْلِ البَيْت(ع)

الإِمَامُ عَليُ بْنُ أَبِيْ طَالِبٍ (عليه السلام)

 

 

نَسَبُ الإِمَامِ عَلي(ع)

 

هو الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

 

عَلي(ع) وَلِيْدُ الكَعْبَة

وُلد الإمام علي(ع) يوم الجمعة في الثالث عشر من شهر رجب الأصم بعد عام الفيل بثلاثين سنة وقبل البعثة بعشر سنين، وكان مكان ولادة مميَّزاً حيث وُلد في مكان لم يسبق أن ولد فيه أحد قبله أو بعده، فقد وُلد في جوف الكعبة عندما أتى أمه المخاض فانشق أحد جدران الكعبة ودخلت تلك الأم إلى داخلها ووضعت فيها أشرف مولود بعد رسول الله محمد(ص).

لقد كان حدثاً غريباً اندهش له الجميع حيث حصلت هناك معجزة لوليد قبل خروجه إلى هذه الحياة، فعندما ضرب الطلق تلك الأم حارت في أمرها ماذا تصنع أمام تلك الجموع وقد حان موعد ولادتها؟ فلقد تعلقت بأستار الكعبة مستجيرة بالله عز وجل قائلة:  يا ربِّ ، إنِّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب ، وإنِّي مصدِّقة بكلام جدِّي إبراهيم وأنَّه بنى البيت العتيق ، فبحقِّ الذي بنى هذا البيت وبحقِّ المولود الذي في بطني الا ما يسرت عليَّ ولادتي:

قال يزيد بن قعنب : فرأيت البيت قد انشقَّ عن ظهره ، ودخلت فاطمة فيه ، وغابت عن أبصارنا وعاد إلى حاله ، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح ، فعلمنا أنَّ ذلك من أمر الله تعالى ، ثُمَّ خرجت في اليوم الرابع وعلى يدها أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب عليه السلام: وقد أنشد الحميري تلك الأبيات الخالدة:

وَلدَتْهُ في حرم الإلـه وأمنـه * والبيت حيـث فناؤه والمسجد
بيضاء طاهرة الثياب كريمـة * طابت وطاب وليدهـا والمولد
ما لُفَّ في خِرَقِ القوابِل مِثلُه * إلاّ ابــن آمنةَ النبـيِ محمّد

لقد كانت ولادته في جوف الكعبة مؤشراً واضحاً على مكانته في المستقبل، وقد أراد الله تعالى أن يُقرن اسم علي بالكعبة حتى يبقى التواصل بينه وبين كل من يزور البيت العتيق فكلما نظر واحد منا إلى الكعبة تبادر إلى ذهنه وليدها المبارك، وهذا ما جعل الكثيرين ممن يدعون الإسلام مشمئزين من تلك الحادثة التي لم يستطيعوا حتى الآن أن يلغوها من أذهان البشر وصفحات التاريخ، وهذا ما أرادته الإرادة الإلهية التي لا راد لحكمها.

 

أَسْمَاؤُهُ وَأَلْقَابُهُ(ع)

إن للإمام علي(ع) أكثر من إسم ولقب، وقد ذكر المؤرخون بعض أسباب تلك الأسماء والألقاب الشريفة، فمنهم من أصاب ومنهم من أخطأ.

قال عطاء: إنَّما سمَّته أُمُّه حيدرة ، بدليل قوله يوم خيبر : « أنا الذي سمَّتني أمِّي حيدرة:

وقال سبط ابن الجوزي: ولايمنعها من تسميته عليَّاً أن تسمِّيه حيدرة ، لأنَّ حيدرة اسم من أسامي الأسد لغلظ عنقه وذراعه ، وكذلك كان أمير المؤمنين عليه السلام ، فيكون عليٌّ اسمه الأصلي ، وحيدرة وصفاً له:

وقد عُرف عليه السلام بألقاب كثيرة ، جاء كثير منها في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها : « يعسوب المؤمنين » وأصل اليعسوب هو ملك النحل ، ومنه قيل للسيِّد : يعسوب ، والمؤمنون يتشبَّهون بالنحل؛ لأنَّ النحل تأكل طيباً.
ويلقَّب أيضاً : الولي ، والوصي ، والتقي ، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، وشبيه هارون ، وصاحب اللوى ، وخاصف النعل ، وكاشف الكرب ، وأبو الريحانتين ،  وغيرها كثير وكنَّاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأبي تراب لمَّا رآه ساجداً معفِّراً وجهه في التراب ، فكان ذلك من أحبِّ ألقابه إليه.

ولقَّبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً بأمير المؤمنين ، حتَّى قال فيه : « سلِّموا على عليٍّ بإمرة المؤمنين »  .
ومن ألقابه أيضاً : المرتضى ، ونفس الرسول ، وأخوه ، وزوج البتول ، وسيف الله المسلول ، وأمير البررة ، وقاتل الفجرة ، وقسيم النار ، وصاحب اللواء ، وسيِّد العرب ، وكشَّاف الكرب ، والصدِّيق الأكبر ، والهادي ، والفاروق ، والداعي ، والشاهد ، وباب المدينة ـ أي مدينة العلم ـ وغرَّة المهاجرين ، والكرَّار غير الفرَّار ، والفقَّار ، وبيضة البلد.
وممَّا قاله البعض عن شجاعته : إنَّه ما عُرف عن بطل في العالم الا كان مغلوباً حيناً ، وغالباً حيناً ، الا عليٌّ عليه السلام فهو الغالب أبداً ودائماً.

 

نَشْأَةُ الإِمَامِ عليٍّ(ع)

كُتب لعلي(ع) أن تكون نشأته بعين الله ورسوله ليتعلم الكثير عن خاتم الرسل ويتحلى بأخلاقه وجميع صفاته التي نالت مدحاً في كتاب الله العزيز.

لقد هيّأ الله تعالى أسباباً لينشأ علي في حجر رسوله ويكون صورة طبق الأصل عنه مع فارق النبوة، فعندما بلغ الثامنة من عمره الشريف دخلت قريش أزمة شديدة فأصابها قحط قاتل فاضطر أبو طالب(ع) إلى وضع أولاده في بيوت من يثق بهم لأنه كان كثير العيال فقال رسول الله(ص) لعمّيه الحمزة والعباس: « ألا نحمل ثقل أبي طالب ، ونخفِّف عنه عياله: فجاءوا إليه وسألوه أن يسلِّمهم وِلده ليكفوه أمرهم ، فقال لهم : دعوا لي عقيلاً وخُذوا من شئتم ، فأخذ العبَّاس طالباً ، وحمزة جعفراً ، وأخذ محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم عليَّاً عليه السلام.

فانتقل علي إلى بيت رسول الله ولازمه دون أن يفارقه، وقد وصف أمير المؤمنين(ع) ملازمته الخاصة لرسول الله(ص) حيث قال: وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ: وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وليدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ، وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْل، وَلاَ خَطْلَةً فِي فِعْل، وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ تَعَالَى بِهِ(صلى الله عليه وآله) مِنْ لَدُنْ [أَنْ] كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَك مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ الْعَالَمِ، لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ،  وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ  أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لي فِي كُلِّ يَوْم عَلَماً مِنْ أخْلاقِهِ، وَيَأْمُرُني بِالاقْتِدَاءِ بِهِ، وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِرَاءَ، فَأَرَاهُ وَلاَ يَرَاهُ غَيْرِي، وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذ فِي الاِْسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ:

وكانت السيدة خديجة(ع) بمثابة أم لعلي، كما كانت فاطمة بنت أسد(أم الإمام علي) بمثابة أم لرسول الله(ص).

 

عَليٌّ(ع) أَوَّلُ النَّاسِ إِسْلاماً

كان السبق إلى الإسلام فضلاً كبيراً وشرفاً عظيماً، وهذا هو المنطق الذي اشتهر بعد البعثة بسنوات، فما قولكم بالسبق إلى الإيمان عندما لم يكن على وجه الأرض من المسلمين سوى الرسول وزوجته خديجة وربيبه علي، فأول من آمن من النساء خديجة، وأول من آمن من الرجال علي، وهذا أعظم شرف يمكن أن يناله إنسان في هذا الوجود، فلقد أعلن علي إسلامه في وقت كان الدين فيه غريباً، بل كان حكماً على النفس بالإعدام من قِبل الوثنيين الأشرار.

ففور نزول الوحي على النبي(ص) في غار حراء نزل إلى بيت زوجته خديجة وأخبرها بالأمر فآمنت بما رأى وسمع ثم قص الخبر على علي فأعلن الإيمان دون أي تردد وكأنه(ع) كان ينتظر ما انتظره رسول الله لسنوات.

ففي الصحيح: أنَّ النبي(ص) كان يخرج إلى البيت الحرام ليصلِّي فيه ، فيصحبه عليٌّ وخديجة فيصلِّيان خلفه ، على مرأى من الناس ، ولم يكن على الأرض من يصلِّي تلك الصلاة غيرهم:

وعن عفيف بن قيس ، قال : كنتُ جالساً مع العبَّاس بن عبدالمطَّلب رضي الله عنه بمكة قبل أن يظهر أمرُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاء شاب فنظر إلى السماء حيث تحلَّقت الشمس ، ثم استقبلَ الكعبة فقام يصلي ، ثم جاء غلامٌ فقام عن يمينه ، ثم جاءت امرأةٌ فقامت خلفهما ، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة ، ثم رفع الشاب فرفعا ، ثم سجد الشاب فسجدا ، فقلت : يا عبَّاس ، أمر عظيم ، فقال العبَّاس : أمر عظيم ، فقال : أتدري من هذا الشاب ؟ هذا محمَّد بن عبدالله ـ ابن أخي ـ أتدري من هذا الغلام ؟ هذا علي بن أبي طالب ـ ابن أخي ـ أتدري من هذه المرأة ؟ هذه خديجة بنت خويلد. إنَّ ابن أخي هذا حدَّثني أنَّ ربَّه ربُّ السماوات والأرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه ، ولا والله ما على ظهر الأرض على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة ، قال عفيف : ليتني كنتُ رابعاً وبقي هؤلاء الثلاثة على هذا الدين ، يتكتمون من الناس أياماً طوالاً ، رجع في بعضها علي إلى أبيه بعد عودته من بعض الشعاب ، حيث كان يتعبَّد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :  يا بني : ما هذا الدين الذي أنت عليه ؟  أجاب : يا أبه! آمنت بالله وبرسوله وصلَّيتُ معه، فقال أبوه : أمَّا إنَّه لا يدعونا الا إلى الخير فالزمه.

قال اليعقوبي في تاريخه : « كان أول من أسلم : خديجة بنت خويلد من النساء ، وعليٌّ بن أبي طالب من الرجال ، ثُمَّ زيد بن حارثة ، ثُمَّ أبو ذرٍّ:

وعن أنس بن مالك ، قال : « بعُث النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الأثنين ، وأسلم عليٌّ يوم الثلاثاء »

وقد ورد عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بسند صحيح قوله : « أوَّلكم وروداً عليَّ الحوض ، أوَّلكم إسلاماً عليُّ بن أبي طالب:

 

أَبُو طَالِب مُؤْمِنُ آلِ قُرَيْش

لكي يكون الحديث عن أمير المؤمنين علي(ع) تاماً ومثمراً لزم التطرّق إلى الحديث عن والده العظيم أبي طالب رضوان الله عليه حيث كان وما زال مظلوم الذكر لدى كثير من الناس.

لقد كان أبو طالب مؤمناً بالله تعالى قبل ولادة رسول الله محمد(ص) حيث كان على ملة إبراهيم(ع)، والجميع بينهم وبين أنفسهم يعتقدون بإيمانه وإخلاصه ولكنهم وجدوا في تاريخه منفساً يتسللون منه إلى التشويه بصورة ولده علي(ع) حيث كان أبو طالب كمؤمن آل فرعون يكتم إيمانه.

ورغم محاولاتهم المتكررة عبر قرون من الزمن لتشويه صورة هذا العظيم(أبو طالب) يبقى الحق واضحاً كالشمس في وسط السماء، ويبقى الله تعالى ناصراً لعباده المخلصين ومؤيداً لهم وحافظاً.

إن تاريخ أبي طالب الطويل يكشف بكل وضوح عن كونه كان مؤمناً ولكن شاءت الظروف أن يكتم إيمانه لمصلحة الإسلام لأنه لو تجاهر بالإسلام لقضي عليه وعلى ابن أخيه ولم يبق للإسلام أي ذكر بعد ذلك.

فإذا شوهنا صورة أبي طالب فقد شوهنا صورة رسول الله أيضاً لأنه كفيله ومربيه وموجهه والمدافع عنه، وهل يليق بأعظم رسول من رسل الله تعالى أن يكون خرّيج بيت من بيوت الكفر والوثنية؟ إن هذه النقطة لوحدها تكفي لإثبات عكس ما يروّج له هؤلاء المغرضون للنيل من علي(ع) الذي قدّمه الله عليهم وجعله أميرهم.

وهناك العديد من المواقف التي تثبت إيمان أبي طالب وتكشف عن منزلته عند الله ورسوله.

الموقف الأول: كفالته للرسول:

الموقف الثاني: أمام تهديد قريش:

الموقف الثالث: المطالبة بحماية الرسول

الموقف الرابع:  استسقاؤه بالنبي

الموقف الخامس: مدحه للرسول عند تزويجه:

الموقف السادس: تصريحه بالإيمان.

وهناك عشرات المواقف التي تثبت إيمان هذا الرجل الصالح.

 

 

عَليٌّ(ع) فِيْ لَيْلَةِ الهِجْرَة

 

من لحظة ولادة علي(ع) كانت الفرحة غامرة لقلب الرسول(ص) وظاهرة في محيّاه الكريم، فلم تكن فرحة مولود لقريب، بل كانت فرحة ولادة عهد نيّر وتاريخ مشرق ورسالة سوف تستمر إلى يوم القيامة.

ولذا لم يكن اهتمام النبي بعلي اهتمام كفالة إنسانية أو إقتصادية بل تم ذلك بإلهام من الله تبارك وتعالى ليكون هذا الوليد الجديد الساعد الأيمن للرسول والرسالة.

بقي علي(ع) ملازماً لرسول الله في الحرب والسلم والليل والنهار، واكتسب من رسول الله الكثير من العلوم والمعارف والآداب، وكان الرسول(ص) يتعمد تعليمه بهذه الطريقة المكثفة حيث رأى فيه الخليفة والوزير والأخ والمجاهد المستميت في الدفاع عن الحق وأهله.

وبقي الأمر كذلك إلى أن توفي والد الإمام علي الناصر الأكبر لرسول الله ورسالته فلم يعد في مكة من تهابه قريش أو تحسب له حساباً، وبموت أبي طالب استذأب القرشيون على الرسول ومن كان معه، فخرج إلى الطائف فلم يوفق بهم فرجع إلى مكة ثانية وتحمل هو وجميع المسلمين المرارات والقهر والتعذيب حتى أمره الله عز وجل بالهجرة إلى المدينة، حيث اجتمع قادة قريش في دار الندوة وقرروا التخلص من رسول الله بقتله على فراشه وذلك بمساعدة ما يقرب من أربعين قبيلة حتى يتوزع دمه بينها فلا يستطيع بنوا هاشم أن يطالبوا بدمه، وهذا ما صرح به أبو جهل الذي قال: أرى أن نأخذ من كلِّ قبيلة فتىً نسيباً ونعطي كلَّ فتىً منهم سيفاً ، ثُمَّ يضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه ، كي لا يتحمَّل قتله فرد ولا قبيلة وحدها ، بل يتفرق دمه في القبائل كلِّها ، فلم يقدر آله وعشيرته على حرب قومهم جميعاً ، فيصعب الثأر له:

فهبط جبريل الأمين على الصادق الأمين حاملاً له قول ربه الكريم(وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين)

علِم علي(ع) بتلك المكيدة التي يدبرها القرشيون لاغتيال الرسول فرحّب علي بالمبيت على فراش ابن عمه الأعظم بعد أن قال له: أو تَسْلَم أنت يارسول الله إن فديتك بنفسي؟ فقال(ص) نعم ، بذلك وعدني ربِّي: فسُرّ علي لذلك، واستقبل السيوف بقلب مفعم بالإيمان، وقد كانت تلك أول عملية بطولية إستشهادية يقوم بها فرد من المسلمين بتلك الطريقة الرائدة في الإيثار.

ارتدى ثوب رسول الله ليوهم الأعداء بأن النائم على السرير هو الشخص الذي تطلبونه، فودع الرسول علياً وخرج من باب داره دون أن يلاحظ أحد، وقد كان في ذلك تدخّل للمشيئة الإلهية، فقد كان بإمكان الرسول أن يخرج دون أن يبيت على سريره أحد ولكن الله تعالى أراد أن يجري الأمور بأسبابها ويكشف للناس عن مدى حب علي لله والرسول بعد أن امتنع الجميع عن القيام بتلك المهمة الصعبة.

ولمَّا حان الوقت الذي عيَّنوه لهجومهم على الدار ، هجموا عليها ، فوثب عليٌّ عليه السلام من فراشه ، ففرُّوا بين يديه حين عرفوه..
وفي بعض الروايات أنَّهم قبل هجومهم عليه جعلوا يقذفونه بالحجارة وهو ساكن لا يتحرَّك ولا يبالي بما يصيبه من الأذى ، ثُمَّ هجموا عليه بسيوفهم وخالد بن الوليد في مقدمهم ، فوثب علي عليه السلام من فراشه وهمزه بيده ، ففرَّ خالد واستطاع علي عليه السلام أنَّ يأخذ السيف منه ، فشدَّ عليهم وانهزموا أمامه إلى الخارج  .
وسأل الرهط عليَّاً : أين ابن عمِّك ؟
قال : « أمرتموه بالخروج فخرج عنكم » وقيل : إنَّه قال : « لا علم لي به »

وأخرج اليعقوبي وابن الأثير وغيرهما : أنَّ الله عزَّ وجلَّ أوحى في تلك الليلة إلى جبرئيل وميكائيل أنِّي قضيت على أحدكما بالموت ، فأيِّكما يواسي صاحبه ؟ فاختار الحياة كلاهما ، فأوحى الله إليهما : هلأَ كنتما كعليِّ بن أبي طالب… آخيت بينه وبين محمَّد ، وجعلت عمر أحدهما أكثر من الآخر ، فاختار عليٌّ الموت وآثر محمَّداً بالبقاء وقام في مضجعه ، اهبطا فاحفظاه من عدوِّه. فهبط جبرئيل وميكائيل فقعد أحدهما عند رأسه ، والآخر عند رجليه يحرسانه من عدوِّه ، ويصرفان عنه الحجارة ، وجبريل يقول : بخ بخ لك يا ابن أبي طالب مَن مثلك يباهي الله بك ملائكة سبع سموات! (4).
ولم يشرك أمير المؤمنين عليه السلام في هذه المنقبة أحد من أهل الإسلام ، ولا اختصَّ بنظير لها على حال ، وفيه نزل قوله تعالى في هذه المناسبة : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد)

 

عَليٌّ(ع) وَالرَّكْبُ الفَاطِميُّ

بعد خروج رسول الله(ص) من مكة بقي علي(ع) ثلاث ليال أدى فيها الأمانات والودائع التي كانت في حوزة الرسول، وفي هذه الأثناء كان(ص) قد وصل إلى يثرب على مقربة من المدينة بعد أن قطع الجبال والوديان فقصد دار بني عمرو بن عوف ونزل عندهم ضيفاً لأكثر من عشرة أيام، وكان ذلك في شهر ربيع الأول، فكتب إلى علي أن يلحق به بعد تأدية ما أوصاه به، فخرج الإمام علي ومعه فاطمة الزهراء(ع) وفاطمة بنت أسد وفاطمة بنت الزبير وفاطمة بنت حمزة وأم أيمن وأبو واقد.

كان يسير بهم ليلاً ويكمن نهاراً وكان ماشياً غير راكب حتى تفطرت قدماه من المشي، فلما قارب منطقة ضَجَنان بعد أكثر من عشر ليال أدركه ثمانية فرسان ملثمين يريدون إرغامه على الرجوع إلى مكة فحارهم وهزمهم حتى تفرقوا عنه فقالوا له: : إحبس نفسك عنَّا يابن أبي طالب ، ثُمَّ قال لهم : « إنِّي منطلق إلى أخي وابن عمِّي رسول الله(ص)، فمن سرَّه أن أفري لحمه وأُريق دمه فليدنُ منِّي » ثُمَّ أقبل على أيمن وأبي واقد ، وقال لهما : أطلقا مطاياكما ، وسار الركب حتَّى نزل ضجنان ، فلبث بها يوماً وليلة حتَّى لحق به نفر من المستضعفين ، فلمَّا بزغ الفجر سار بهم حتَّى قدموا قباء والتقوا بالنبي(ص) الذي تفل على قدمي علي فلم يشكو منهما حتى استشهد.

 

عَليٌّ(ع) يَوْمَ المُؤاخَاة

بعد أن بنى رسول الله(ص) مسجده في المدينة عمَد إلى إجراء مؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لتوطيد العلاقة الدينية والإجتماعية والإقتصادية بينهم، فآخى بين كل فردين، وجاء في سيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام: آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار فقال : « تآخوا في الله أخوين أخوين » ثُمَّ أخذ بيد
عليِّ بن أبي طالب فقال : « هذا أخي » فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيِّد المرسلين وإمام المتَّقين ورسول ربِّ العالمين الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد ، وعليُّ ابن أبي طالب رضي الله عنه أخوين:

وقد روى هذا الحديث أرباب السير والمؤرخون أمثال: : ابن اسحاق ، وابن هشام ، وابن سعد ، وابن حجر العسقلاني ، وابن حبَّان ، وابن عبدالبرِّ ، وابن الأثير ، وابن أبي الحديد ، وابن كثير ، والسيوطي، وغيرهم من أصحاب الجوامع.

أمَّا ابن حجر العسقلاني فذكر حديث المؤاخاة بنصِّ : « لمَّا آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه قال له [لعليِّ بن أبي طالب] : « أنت أخي »

وعن عباد بن عبدالله ، عن عليٍّ عليه السلام قال : « أنا عبدالله وأخو رسوله ، وأنا الصدِّيق الأكبر لا يقولها بعدي الا كذَّاب »
فعندما آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين عليٍّ عليه السلام ، آخى بين حمزة وزيد ابن حارثة ، وبين أبي بكر وخارجة الخزرجي ، وبين عمر وعتبان بن مالك الخزرجي ، وبين أبي عبيدة وسعد بن معاذ ، وبين الزبير وعبدالله بن مسعود ، وبين عمَّار بن ياسر وحذيفة بن اليمان ، وبين طلحة وكعب بن مالك ، وبين أبي ذرٍّ والمنذر بن عمر الخزرجي وهكذا…

زَوَاجُ عَليٍّ مِنْ فَاطِمَةَ(عليهما السلام)

إنه أعظم علقة زوجية في تاريخ العالَم كله، إنه أقدس زواج حصل في هذا التاريخ، حيث قام على أسس وروابط لا مثيل لها، وقد تغنى المؤرخون من جميع الفئات بروايات الحب غير أن رواية علي والزهراء هي من أجل تلك الروايات لأنها أصدقها وأعظمها وأبركها بسبب ما نتج عنها، فلقد كان نتاج هذا الزواج فريداً من نوعه، فلقد أنتج أسس التعامل بين الزوجين وأعطى للمرأة حقوقها وبيّن حقوق الرجل، كما ونتج عنه أحد عشر كوكباً من كواكب الحق والجهاد والإخلاص وكل صفات الخير، إنهم الحسن والحسين والسجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري وقائم آل محمد(صلوات الله عليهم أجمعين) هذا بالإضافة إلى زينب الكبرى التي كانت كأمها في الفضائل والمكارم وخدمة الدين وأهله.

لقد حصل هذا الزواج الميمون في السنة الثانية للهجرة، حصل بأمر مباشر من الله تبارك وتعالى حيث جمع نور علي وفاطمة في بيت هو أعظم بيوت العالم في الفضائل والمكرمات.

لقد حاول كثير من وجهاء المسلمين التقدم لخطبة سيدة نساء العالمين فاطمة(ع) غير أن رسول الله(ص) كان يردهم بطريقة جميلة ويخبرهم بأن مسألة زواج فاطمة مرتهنة بالوحي الإلهي، فقد أخرج ابن سعد : أنَّ أبا بكر خطب فاطمة إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : « يا أبا بكر انتظر بها القضاء » فذكر ذلك أبو بكر لعمر ، فقال له عمر : ردَّك يا أبا بكر. ثُمَّ إنَّ أبا بكر قال لعمر : أخطب فاطمة إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فخطبها ؛ فقال له مثل ما قال لأبي بكر : « أنتظر بها القضاء »

وعن أنس بن مالك ، قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فغشيه الوحي ، فلمّا سري عنه قال : « يا أنس ، أتدري ما جاءني به جبرئيل من عند صاحب العرش ؟ » قال : الله ورسوله أعلم ، قال : « إن الله أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ »

وعن عبدالله بن مسعود ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « إن الله أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ ، ففعلت »

وعن أبي أيوب الانصاري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : « أمرت بتزويجك من السماء »
قال نفر من الأنصار لعليٍّ عليه السلام : عندك فاطمة. فأتى رسول الله(ص) فسلَّم عليه، فقال : « ما حاجة ابن أبي طالب » ؟ « ذكرت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ». قال : « مرحباً وأهلاً ».
ثمَّ إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عرض « خطبة عليٍّ » على فاطمة ، فقال لها : « إنَّ عليَّاً يذكرك »، فسكتت ، فخرج يقول : « سكوتها إقرارها ».
وحين وجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القبول من كلا الطرفين ، سأل عليَّاً عليه السلام : « هل عندك شيء ؟ » وكان لا يملك غير سيفه ودرعه وناضحه.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « فأمَّا سيفك فلا غنى بك عنه ، تجاهد في سبيل الله ، وتقاتل به أعداء الله ، وناضحك تنضح به على نخلك وأهلك ، وتحمل عليه حلَّك في سفرك ، ولكنِّي رضيتُ منه بالدرع »
فباعها وباع أشياء غيرها كانت عنده ، فاجتمع له منها أربعمائة درهم ، فكان هذا مهر فاطمة.
ولمَّا جاء عليُّ بن أبي طالب عليه السلام بالدراهم ، وضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأمره أن يجعل ثلثي الدراهم في الطيب ، والثلث الآخر في المتاع ، ففعل.

وجهزّت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما كان لها غير سرير من جريد النخل ، وسادة من آدم حشوها ليف ، ومنخل ومنشفة ، ورحى للطحن ، وجرّتان وقميص ، وخمار لغطاء الرأس ، وثوب له زغب ، وعباءة قصيرة بيضاء ، وجلد كبش..

أمَّا عليٌّ عليه السلام قد رشَّ أرض الدار برمل ناعم ، ونصب في البيت خشبة من لحائط إلى الحائط ، لتعليق الثياب ، إذ لا خزانة ولا صندوق لثياب العروس.
عن عليِّ بن أبي طالب عليه السلام قال : « لقد تزوَّجت فاطمة وما لي ولها فراش غير جلد كبش ننام عليه بالليل ، ونعلف عليه الناضح بالنهار ، وما لي ولها خادم غيرها »

 

خُطْبَةُ الرَّسُوْلِ(ص) في التَزْويج

« الحمد لله المحمود بنعمته ، المعبود بقدرته ، المطاع لسلطانه ، المهروب إليه من عذابه ، النافذ أمره في أرضه وسمائه ، الذي خلق الخلق بقدرته ، ونيرهم بأحكامه ، وأعزَّهم بدينه ، وأكرمهم بنبيِّه محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم. إنَّ الله عزَّ وجلَّ جعل المصاهرة نسباً لاحقاً ، وأمراً مفترضاً ، وحكماً عادلاً ، وخيراً جامعاً ، أوشج بها الأرحام ، وألزمها الأنام. فقال الله عزَّ وجلَّ : (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً) (2) ، وأمر الله يجري إلى قضائه ، وقضاؤه يجري إلى قدره ، ولكلِّ أجلٍ كتاب (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب) ثُمَّ إنَّ الله تعالى أمرني أن أُزوِّج فاطمة من عليٍّ ، وأُشهدكم أنِّي زوَّجت فاطمة من عليٍّ على أربعمائة مثقال فضة ، إن رضي بذلك على السنة القائمة والفريضة الواجبة ، فجمع الله شملهما وبارك لهما وأطاب نسلهما ، وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة ومعادن الحكمة وأمن الأُمَّة ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ».
قال أنس : وكان عليٌّ عليه السلام غائباً في حاجةٍ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بعثه فيها.. ثُمَّ أمر لنا بطبق فيه تمر ، فوضع بين أيدينا ، فقال : « انتبهوا » ، فبينما نحن كذلك إذ أقبل عليٌّ ، فتبسَّم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : « يا علي! إنَّ الله أمرني أن أُزوِّجك فاطمة ، وإنِّي زوَّجتكما على أربعمائة مثقال فضَّة » ، فقال عليٌّ عليه السلام : « رضيت يا رسول الله »! ثُمَّ إنَّ عليَّاً عليه السلام خرَّ ساجداً شكراً لله ، فلمَّا رفع رأسه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « بارك الله لكما وعليكما وأسعد جدكما وأخرج منكما الكثير الطيِّب ».
قال أنس : والله لقد أخرج منهما الكثير الطيِّب:

ورحَّب النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الزواج الميمون وباركه وأسبغ عليه أنبل المشاعر وأقام حفلة الزفاف ، ومشى خلفهما ، معه حمزة وعقيل وجعفر ، ونساء النبي يرتجزن فرحات مستبشرات ، وهنَّ يمشين قدَّامها..
وأُدخلت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت عليٍّ عليه السلام يتجلَّلها الحياء ، متعثِّرةً بأذيالها وقال أبوها صلوات الله وسلامه عليه : « يا عليُّ لا تحدث شيئاً حتَّى تلقاني ».
فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإناء فتوضَّأ فيه ، ثُمَّ أفرغه على عليٍّ عليه السلام ثُمَّ قال : « اللَّهمَّ بارك فيهما ، وبارك عليهما ، وبارك لهما في نسلهما » .

 

غَزَوَاتُ عَليٍّ(ع) مَعْ رَسُوْلِ الله(ص)

غَزْوَةُ بَدْرٍ الكُبْرَى

(بدر) إسم بئر كانت لشخص يدعى بدراً، وهي تقع في مكان بين مكة والمدينة، وهي أول معركة يشارك فيها أمير المؤمنين علي(ع).

وقد وقعت هذه الحرب يوم الجمعة في السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة، وقيل في التاسع عشر منه، وكان سبب هذه الغزوة أن أبا سفيان قدم من الشام بقافلة كبيرة لقريش، فخرج الرسول(ص) للإستيلاء عليها، فعلم أبو سفيان بذلك فأرسل الخبر إلى مكة التي جندت جنودها لمحاربة المسلمين، وانطلق الرسول لمحاربتهم على رأس 313 رجلاً، وهناك دفع الرسول رايته إلى علي وكان عمره آنذاك 25 سنة.

وهناك حصلت مبارزة بين أفراد من الطرفين، فمن العدو  شيبة وعتبة والوليد ومن المسلمين عبيدة وحمزة وعلي، وقضى الثلاثة المسلمون على الثلاثة المشركين وجُرح عبيدة.

وكان حمزة أطول من شيبة، فصاح المسلمون : يا علي، أما ترى الكلب قد بهر عمَّك، فأقبل عليهما، فقال عليٌّ : « طأطأ رأسك يا عم » فأدخل حمزة رأسه في صدر شيبة، فضربه الإمام على عنقه فقطعها، ثُمَّ كرَّ عليٌّ عليه السلام وحمزة على عتبة فأجهزا عليه، وحملا عبيدة فألقياه بين يدي ابن عمِّه الرسول.

ثم بدأ الهجوم العام وحدثت معركة رهيبة انتصر فيها المسلمون انتصاراً عظيماً، وقد كان لعلي بن أبي طالب دور بارز في صناعة هذا النصر حيث أنه قتل منهم الكثير وأدخل الرعب إلى قلوبهم فانهزموا.

 

غَزْوَةُ أُحُد

أراد المشركون الأخذ بثأر بدر فألّفوا جيشاً قوامه 3000 رجل، فاستعد الرسول لهم وكان ذلك في شهر شوال في السنة الثالثة للهجرة، فخرج الرسول(ص) بألف مقاتل، وكان علي(ع) حامل لوائه، وقد خطّط للمعركة بهدف إحراز النصر، فجعل الرماة على جبل خلف عسكر المسلمين وقال لهم: احموا ظهورنا ولا تفارقوا مكانكم ، فإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا ، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشاركونا ، فإنَّما نؤتى من موضعكم هذا: ولكنهم لم يلتزموا بأوامر الرسول مما ألحق الهزيمة في صفوف المسلمين.

أما علي(ع) فقد تبارز مع طلحة بن أبي طلحة الذي كانوا يسمونه(كبش الكتيبة) فقال طلحة : مَنْ أنت ؟ قال : « أنا عليُّ بن أبي طالب » فقال : لقد علمت أنَّه لا يجرؤ عليَّ أحدٌ غيرك ، فالتحمت سيوفهم ، فضرب عليٌّ عليه السلام رأسه  ضربة فلق فيها هامته ، فبدرت عيناه وصاح صيحة لم يُسمع مثلها ، وسقط اللواء من يده ، ووقع يخور في دمه كالثور ، وقيل : ضربه فقطع رجله ، فسقط وانكشفت عورته ، فناشده الله والرحم فتركه.

وَقْعَةُ بَنِيْ النَّضيْر

وقعت هذه الغزوة في شهر ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة، وذلك عندما تآمرت هذه المجموعة اليهودية على الرسول(ص)، فخرج الرسول إليهم فتحصّنوا داخل حصونهم، وروي أن علياً(ع) في إحدى ليالي الحصار كمن لأحد أبطالهم فقتله وأتى برأسه إلى النبي(ص) فأرسل النبيُّ أبا دجانة وسهل بن حنيف ، في عشرة من رجالات المسلمين ، فأدركوا اليهود الفارِّين من سيف الإمام عليٍّ عليه السلام ، وطرحت رؤوسهم في الآبار، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، فسألوا النبيَّ أن يُجليهم ويكفَّ عن دمائهم ـ بعد أن خذلهم ابن أُبي ـ فبعث رسول الله محمَّد بن مسلمة إليهم : أن يخرجوا من بلادهم ولهم ما حملت الإبل من خُرثي متاعهم ، ولايخرجون معهم بذهب ولا فضة ولا سلاح  . وأجّلهم في الجلاء ثلاث ليال.

 

وَقْعَةُ الأَحْزَاب

جرت هذه المعركة في شهر ذي القعدة في السنة الخامسة للهجرة، وتسمى أيضاً(غزوة الخندق) وسبب هذه المعركة هم الذين أجلاهم الرسول من بني النضير حيث ساروا إلى خيبر وحزّبوا الأحزاب لقتال الرسول والمسلمين.

وقد بلغ عدد مقاتلي الأحزاب عشرة آلاف مقاتل بقيادة أبي سفيان، فعلم النبي بذلك فحث المسلمين على الجهاد، وأشار سلمان الفارسي بحفر الخندق حول المدينة فقاموا بحفره في غضون ستة أيام.

وقد استطاع خمسة من المشركين اجتياز الخندق بقيادة فارسهم الأكبر عمرو بن عبد ود العامري الذي كانت قوته تقاس بقوة ألف فارس، فاجتاز الخندق ودعا إلى البراز، وراح يرتجز:

ولقــد بححتُ من النـداءِ * بجمعهم هــل من مبارز ؟
انِّـي كـذلــك لـم أزل * متسرِّعاً نحـو الهزاهــز
إنَّ الشجاعــة فـي الفتى * والجود من خير الغرائز

كرر نداءه ثلاث مرات ولم يكن أحد فيها ليقوم غير علي(ع) فأذن له الرسول بتلك المبارزة وقال له: ادنُ منِّي: فدنا منه ، فنزع عمامته عن رأسه وعمَّمه بها وأعطاه سيفه ذا الفقار ، وقال له : امضِ لشأنك : ثُمَّ رفع يديه وقال : اللَّهمَّ إنَّك أخذت منِّي حمزة يوم أُحد ، وعبيدة يوم بدر ، فاحفظ اليوم عليَّاً ، ربِّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين: وهناك قال النبي(ص) كلمته الشهيرة: نزل الإيمان كله إلى الشرك كله:

فبرز إليه عليٌّ ، وهو يقول :

« لا تعجلـنَّ فقد أتــاك * مجيب صوتك غير عاجز
ذو نيَّةٍ وبصيــرة والـ    * صدق منجي كلَّ فائــز

إنِّي لأرجـو أن أُقيـم    *   عليك   نائحـة   الجنائز
من ضربة    نجلاء    يبقى *    صيتها    بعد   الهزاهز »

فلمَّا انتهى إليه قال : « يا عمرو إنَّك في الجاهلية تقول : لا يدعوني أحدٌ إلى ثلاث الا قبلتها ، أو واحدة منها ». قال : أجل. قال : « فإنِّي أدعوك إلى شهادة أن لا إله الا الله ، وأنَّ محمَّداً رسول الله ، وأن تُسلم لربِّ العالمين ». قال : يا ابن أخ ، أخِّر هذه عنِّي. فقال له عليٌّ : « أمَّا إنَّها خيرٌ لك لو أخذتها ».
ثُمَّ قال : « فها هنا أُخرى » قال : ما هي ؟ قال : « ترجع من حيث جئت ». قال : لا تَحدَّث نساء قريش بهذا أبداً.

قال : « فها هنا أُخرى ». قال : ما هي ؟ قال : « تنزل تقاتلني » فضحك عمرو وقال : إنَّ هذه الخصلة ما كنت أظنَّ أنَّ أحداً من العرب يرومني مثلها ، إنِّي لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك ، وقد كان أبوك لي نديماً (
قال عليٌّ عليه السلام : « ولكنِّي أُحبُّ أن أقتلك ، فانزل إن شئت ».
فغضب عمرو ونزل فضرب وجه فرسه حتى رجع ، وحمل على عليٍّ عليه السلام وضربه على رأسه فاتَّقاها بالدرقة ، فقدَّها السيف ونفذ منها إلى رأسه فشجَّه ، وبقي محتفظاً بثباته ، وتوالت عليه الضربات وهو يحيد عنها ، ثُمَّ كرَّ عليه عليٌّ عليه السلام فضربه على حبل عاتقه ضربةً كان دويُّها كالصاعقة ، ارتجَّ له العسكران ، فسقط يخور بدمه كالثور ، وارتفعت غبرة حالت بينهما وبين الجيشين،  فسقط الى الأرض ، فأخذ عليٌّ عليه السلام بلحيته وذبحه ، وأخذ رأسه بيده هدية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأقبل والدماء تسيل على وجهه من ضربة عمرو ، ورأس عمرو بيده يقطر دماً ، وكان وجه علي عليه السلام يتهلَّل فرحاً ، فألقاها بين يدي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، فقام أبو بكر وعمر فقبّلا رأس عليٍّ عليه السلام ، فعانقه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ودعا له ، فقال عمر بن الخطَّاب لعليٍّ عليه السلام : هلا استلبت درعه ، فليس للعرب درع خير منها؛ فقال عليٌّ : « ضربته فاتَّقاني بسوأته فاستحييت أن أسلبه ».

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في قتل عليٍّ عليه السلام لعمرو : « لضربة عليٍّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين ».

وَقْعَةُ بَنيْ قُرَيْظَة

حدثت هذه الغزوة في ذي القعدة في السنة الخامسة للهجرة، وكان بين بني قريظة والنبي صلح فنقضوه، فسار النبي إليهم على رأس ثلاثة آلاف مقاتل وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة، فحاصرهم المسلمون شهراً.

ومن مواقف أمير المؤمنين عليه السلام وهي التي تعنينا بالبحث : انَّه ضرب أعناق رؤوساء اليهود أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، منهم : حُيي بن أخطب ، وكعب بن أسد ، بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

عُمْرَةُ الحُدَيْبية

في شهر ذي القعدة في السنة السادسة للهجرة خرج رسول الله(ص) للعمرة ومعه أكثر من ألف شخص، فسار بهم حتى انتهى إلى الحديبية التي تبعد تسعة أميال عن مكة، فعلمت قريش بذلك فأرسلوا إليه  سهيل بن عمرو ليفاوضه على أن يرجع عنهم في ذلك العام، فدعا رسول الله علياً فقال: أكتب بسم الله الرحمن الرحيم: فقال سهيل : لا نعرف هذا ولكن اكتب.. باسمك اللَّهمَّ ، فكتبها. وقيل : قال عليه السلام : « لولا طاعتك يا رسول الله لما محوت ». ثُمَّ قـال : « اكتب : هذا ما صالح عليه محمَّد رسول الله سهيل بن عمرو » فقال سهيل : لو نعلم أنَّك رسول الله لم نقاتلك ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال لعليٍّ : « امحُ رسول الله » فقال : « لا أمحوك
أبداً » فمحاها رسول الله وقال له موضع رسول الله : محمَّد بن عبدالله ، وقال لعليٍّ : « لتبلينَّ بمثلها »  واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين ، وانَّه من أتى منهم رسول الله بغير إذن وليِّه ردَّه إليهم ، ومن جاء قريشاً ممَّن مع رسول الله لم يردُّوه عليه ، ومن أحبَّ أن يدخل في عهد رسول الله دخل.

 

وَقْعَةُ خَيْبَر

في شهر جمادى الأولى من السنة السابعة للهجرة اتجه الرسول(ص) ومعه ألف وأربعماية مقاتل إلى خيبر، وقد أعطى رايته لبعض أصحابه فخافوا، فقال(ص): والله لأعطينَّها غداً رجلاً يحبُّ الله ورسوله ، ويحبُّه الله ورسوله
يأخذها عنوةً: . وفي رواية أخرى : « لأُعطينَّ الرآية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ، يفتح الله على يديه ليس بفرّار: فلمَّا كان الغد دعا عليَّاً فدفعها إليه ، فقال : « قاتل ولا تلتفت ، حتى يفتح الله عليك:

وقد كان علي(ع) حينها أرمد العينين فتفل الرسول في عينيه فشفي وأخذ الراية وذهب نحو الحصن فرآه يهودي فسأله: من أنت؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب: فقال اليهودي: غُلبتم يا معشر يهود، ثم خرج مرحب المشهور بالبأس والقوة وهو يقول:

قد علمت خيبرُ أنِّي مرحبُ * شاكي السلاح بطلٌ مجرَّبُ
اذا الحروبُ أقبلتْ تلهَّبُ

فقال عليٌّ(ع)

« أنا الذي سمَّتني أُمِّي حيدرة * أكيلكم بالسيف كيل السندرة
ليثُ بغاباتٍ شديدٌ قسورة »

فاختلفا ضربتين ، فبدره عليٌّ عليه السلام فضربه فقدَّ الجحفة والمغفر ورأسه ، وشقَّه نصفين حتى وصل السيف إلى أضراسه ، فوقع على الأرض ، وكان لضربته عليه السلام دويٌّ كدوي الصاعقة ، فلمَّا رأى اليهود صنيع عليٍّ عليه السلام بفارسهم مرحب ولَّوا هاربين ، وكان الفتح على يديه عليه السلام.

 

وَقْعَةُ ذَاتِ السَّلاسِل
إجتمع نفر من الأعراب لغزو المدينة فعلم الرسول بذلك، فأرسل إليهم علياً بعدما امتنع الأصحاب عن القيام بتلك المهمة،  فمضى عليه السلام نحو القوم ، يكمن النهار ويسير الليل ، حتى وافى القوم بسحر ، وصلَّى بأصحابه صلاة الغداة ، وصفَّهم صفوفاً واتَّكأ على سيفه وانقضَّ بمن معه على القوم على حين غفلة منهم ، وقال : « يا هؤلاء ، أنا رسولُ رسولِ الله ، أن تقولوا : لا إله الا الله محمَّد رسول الله ، والا ضربتكم بالسيف » فقالوا له : إرجع كما رجع صاحباك، قال : « أنا أرجع! لا والله حتَّى تسلموا ، أو لأضربنَّكم بسيفي هذا ، أنا عليُّ بن أبي طالب بن عبدالمطَّلب » فاضطرب القوم ، وأمعنوا بهم قتلاً وأسراً ، حتَّى استسلموا له ، وتمَّ الفتح على يده.

 

فَتْحُ مَكَّة

تم فتح مكة في شهر رمضان المبارك في السنة الثامنة للهجرة بعد أن نقضت قريش الوثيقة التي وقّعتها مع النبي(ص) في الحديبية، فجهز النبي جيشه لمداهمة قريش، فعلمت قريش بذلك، ومضى الرسول بعشرة آلاف مقاتل لفتحها، ثمَّ مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفتح مكَّة وأعطى الراية سعد بن عبادة ، وأمره أن يدخل بها مكَّة ، فأخذها سعد وجعل يقول : اليوم يوم المَلحمَه * اليوم تسبى الحُرُمَه

فسمعها رجل من المهاجرين ، فأعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : « اليوم يوم المرحمة ، اليوم تحمى الحرمة » لعليِّ بن أبي طالب : « أدركه فخذ الراية منه ، وكن أنت الذي تدخل بها »
ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقطع الطريق باتجاه مكَّة ودخلها عنوةً بهذا الجيش الهائل ، الذي لم تعرف له مكَّة نظيراً في تاريخها من قبل ، وأعلن العفو وهو على أبواب مكَّة ، وقال لهم : « اذهبوا فأنتم الطلقاء ».

وَقْعَةُ حُنَيْن

حنين واد بينه وبين مكة ثلاث ليال، وقد جرت تلك الوقعة في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة، وكان قد علم النبي(ص) بأن هوازن جمعت في حنين جمعاً كبيراً لغزو المسلمين فخرج إليهم الرسول وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب،

ويروى عن جابر بن عبدالله الأنصاري ، أنَّه قال : « لمَّا استقبلنا وادي حُنين ، انحدرنا في وادٍ أجوف حَطُوطٍ ، إنما ننحدر فيه انحداراً في عماية الصبح ، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي ، فكمنوا لنا في شعابه ومضايقه ، قد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا ، فوالله ما راعنا ونحن منحطُّون الا والكتائب قد شدَّت علينا شدَّة رجل واحد ، فانهزم الناس أجمعون لا يلوي أحد على أحد.. الا أنَّه قد بقي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته »
وعلى أيِّ الأحوال فلقد اتَّفق المؤرِّخون على أنَّ عليَّاً عليه السلام وأكثر بني هاشم ثبتوا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الأزمة، وعليُّ بن أبي طالب عليه السلام يذبُّ الناس بسيفه ويفرِّقهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما كانت أكثر مواقفه في الحروب التي مضت ، فلم يستطع أحد أن يدنو من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم الا جدله بسيفه.
وكان رجل من هوازن على جمل أحمر بيده راية سوداء أمام الناس ، فإذا أدرك رجلاً طعنه ، ثُمَّ رفع رايته لمن وراءه فاتَّبعوه ، فحمل عليه عليٌّ عليه السلام فقتله، فكانت الهزيمة ، فقال رسول الله للعبَّاس : « صِحْ للأنصار » وكان صيِّتاً ، فنادى : يا معشر الأنصار ، يا أصحاب السمُرة ، ياأصحاب سورة البقرة! فأقبلوا كأنَّهم الإبل إذا حنَّت على أولادها ، يقولون : يا لبَّيك يا لبَّيك! فحملوا على المشركين ، فأشرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنظر إلى قتالهم فقال : « الآن حمي الوطيس »! وهو أول من قالها ، ثُمَّ قال :

« أنا النبيُّ لا كذبْ * أنا ابن عبدالمطَّلب »

وإنَّ أمير المؤمنين عليه السلام قد قتل منهم أربعين رجلاً  واستشهد من المسلمين أيمن ابن أمِّ أيمن ، ويزيد بن زَمعَة بن الأسود بن المطَّلب بن عبدالعُزَّى وغيرهما
وهناك العديد من الغزوات التي شارك فيها الإمام علي(ع) رسول الله(ص) بعد أن كان له الأدوار البارزة في إنجاحها.

 

 

عِليٌّ(ع) فِيْ اليَمَن

في السنة العاشرة للهجرة بعث النبي(ص) علياً(ع) إلى اليمن لجمع صدقات أهلها وليكون قاضياً بينهم، وفي ذلك قال(ع): ولمّا بعثني رسول الله(ص) الى اليمن ، قلت : تبعثني وأنا رجل حديث السن ، وليس لي علم بكثير من القضاء ؟ قال : فضرب صدري رسول الله(ص) وقال : اذهب ، فإن الله عزّ وجلّ سيثبت لسانك ويهدي قلبك.. » قال :فما أعياني قضاء بين اثنين:

وكان النبي(ص) قد بعث قبله خالد بن الوليد في بضع مئات من الجند ، قال البراء بن عازب : كنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد ، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه ـ يعني قبيلة همدان ـ ثم بعث علي بن أبي طالب ، وأمره أن يقفل خالداً ومن معه ، إلاّ من أحب أن يعقب مع علي فليعقب معه ، فكنت فيمن عقب مع عليّ ، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا ، ثم تقدم علي فصلّى بنا ثم صفنا صفاً واحداً ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله  فأسلمت همدان جميعاً.
فكتب علي إلى رسول الله(ص) بإسلامهم ، فلما قرأ رسول الله الكتاب خرّ ساجداً ، ثم رفع رأسه فقال : « السلام على همدان ، السلام على همدان »

 

عَلِيٌّ(ع) فِيْ حجَّةِ الوَدَاع

خرج رسول الله(ص) من المدينة متوجِّها إلى الحجِّ في السنة العاشرة من الهجرة ، لخمس بقين من ذي القعدة ، وهي حجَّة الإسلام وأذَّن في الناس بالحجِّ ، فتجهَّز الناس للخروج معه ، وحجَّ عليٌّ(ع) من اليمن ، حيث قد بعثه رسول الله في ثلاثمائة فارس ، فأسلم القوم على يديه.. ولمَّا قارب رسول الله مكَّة من طريق المدينة ، قاربها أمير المؤمنين من طريق اليمن ، فتقدَّم الجيش إلى رسول الله  فسرَّ بذلك ، وقال له : « بم أهللت يا عليُّ » ؟ فقال : « يا رسول الله ، إنَّك لم تكتب إليَّ بإهلالك ، فعقدت نيتي بنيِّتك ، وقلت : اللَّهمَّ اهلالاً كإهلال نبيِّك ». فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « فأنت شريكي في حجِّي ومناسكي وهديي ، فأقم على إحرامك ، وعد على جيشك وعجِّل بهم إليَّ حتَّى نجتمع بمكَّة » ولمَّا أكملوا مناسك الحجِّ ، نحر رسول الله بيده ستِّين بدنة ، وقيل : اربعاً وستِّين ، وأعطى عليَّاً سائرها ، فنحرها وأخذ من كلِّ ناقةٍ بضعة ، فجمعت في قدر واحد فطبخت بالماء والملح ، ثُمَّ أكل هو وعلي.
وخطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالناس ، وأراهم مناسكهم وعلَّمهم حجَّهم ، إلى أن قال : « لا ترجعوا بعدي كفَّاراً مضلِّين يملك بعضكم رقاب بعض ، إنِّي قد خلَّفت فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلُّوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ألا هل بلَّغت » ؟ قالوا : نعم. قال : « اللَّهمَّ اشهد ».
ثمَّ قال : « إنَّكم مسؤولون ، فليبلِّغ الشاهد منكم الغائب »  . ثمَّ ودَّعهم وقفل راجعاً إلى المدينة.
ولمَّا قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسكه وقفل إلى المدينة ، وانتهى إلى الموضع المعروف بغدير خُمٍّ نزل عليه جبريل عليه السلام وأمره أن يقيم عليَّاً عليه السلام وينصِّبه إماماً للناس؛ فقال : « ربِّ إنَّ أُمَّتي حديثو عهد بالجاهلية » فنزل عليه : إنَّها عزيمة لا رخصة منها ، فنزلت الآية : ( يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس )
فلمّا نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خُمٍّ ، ونزل المسلمون حوله ، أمر بدوحات فقُمِمْنَ ، وكان يوماً شديد الحرِّ ، حتَّى قيل : إنَّ أكثرهم ليلفُّ رداءه على قدميه من شدَّة الرمضاء ، وصعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مكان مرتفع ، فردّ من سبقه ، ولحقه من تخلَّف ، وقام خطيباً ، ثُمَّ قال : « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ » قالوا : بلى يا رسول الله. فأخذ بيد عليٍّ فرفعها ، حتَّى بان بياض ابطيه ، وقال : « من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه ، اللَّهمَّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ».

 

السَّاعَاتُ الأَخِيْرَةُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُوْلِ الله(ص)

اشتدَّ برسول الله(ص)  وجعه ، فقال : « ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلُّون بعدي » فتنازعوا ، وما ينبغي عند نبيٍّ تنازع ، وقالوا : ما شأنه ، أهَجَر ؟ استفهموه! قال : « دعوني ، فالذي أنا فيه خير » ». فكان ابن عبَّاس يقول : « إنَّ الرزية كلَّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم »
ولمَّا كثر التنازع عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشأن الكتاب ، وخرجوا من عنده ، قال : « رُدُّوا عَلَيَّ أخي عَلِيَّ بن أبي طالب ». ولمَّا حضر قال : « ادنُ منِّي » فدنا منه فضمَّه إليه ، ونزع خاتمه من يده ، فقال له : « خُذ هذا فضعه في يدك » ودعا بسيفه ودرعه ولامته ، فدفع جميع ذلك إليه ، وقال له : « اقبض هذا في حياتي » ودفع إليه بغلته وسرجها وقال : « امضِ على اسم الله إلى منزلك »
وكان عليٌّ عليه السلام لا يفارقه الا لضرورة ، ولمَّا خرج لبعض شأنه قال لهم : « أُدعوا لي أخي وصاحبي » وفي رواية : « ادعو لي حبيبي » فدعوا له أبا بكر ، فنظر إليه ، ثم وضع رأسه ، ثم قال : « ادعو لي حبيبي » فدعوا له عمر ، فلما نظر إليه وضع رأسه ثم قال : « ادعو لي حبيبي » فقالت أُمُّ سلمة : أُدعوا له عليَّاً ، فدُعي أمير المؤمنين عليه السلام ، فلمَّا دنا منه أومأ إليه فأكبَّ عليه ، فناجاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طويلاً ولمَّا سُئل عن ذلك قال : « علَّمَني ألف باب من العلم ، فتح لي من كلِّ باب ألف باب، ووصَّاني بما أنا قائمٌ به إن شاء الله »
ولمَّا قرب خروج تلك النفس الطيِّبة إلى جنان الخلد وسدرة المنتهى قال له : « ضع رأسي يا عليُّ في حجرك ، فقد جاء أمر الله عزَّ وجلَّ فإذا فاضت نفسي ، فتناولها بيدك وامسح بها وجهك ، ثُمَّ وجِّهني إلى القبلة وتولَّ أمري ، وصلِّ عليَّ أوَّل الناس ، ولا تفارقني حتَّى تواريني في رمسي ، واستعن بالله عزَّ وجلَّ ».
ثمَّ قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه ، ففاضت نفسه ، فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ، ثُمَّ وجَّهه وغمَّضه ومدَّ عليه إزاره واشتغل بالنظر في أمره..
ولمَّا أراد عليٌّ عليه السلام غسله استدعى الفضل بن العبَّاس ، فأمره أن يناوله الماء ، بعد أن عصَّب عينيه ، فشقَّ قميصه من قبل جيبه ، حتى بلغ به إلى سرَّته ، وتولَّى غسله وتحنيطه وتكفينه ، والفضل يناوله الماء ، فلمَّا فرغ من غسله وتجهيزه تقدَّم فصلَّى عليه هذه خاتمة ثلاثين عاماً من الجهاد مع هذا الإنسان العظيم المسجَّى اليوم بين يدي عليِّ بن أبي طالب ، فكانت النهاية أن وارى جسده التراب وما أصعبها من نهاية!!
أمَّا البداية فقد احتضن محمَّد بن عبدالله عليَّاً في حجره وهو وليد ، وها هو عليٌّ يحتضن محمَّداً على صدره في آخر رمق من حياته ! آه فطبت حيَّا وميِّتاً..
ولنقرأ ما قاله عليُّ بن أبي طالب عليه السلام وهو يصفُ هذه الخاتمة المؤلمة : « ولقد قُبِض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإنَّ رأسه لعلى صدري ، ولقد سالت نفسه في كفِّي ، فأمررتُها على وجهي ، ولقد وُلِّيتُ غسله صلى الله عليه وآله وسلم والملائكة أعواني ، فضجَّت الدار والأفنية : ملأ يهبط ، وملأ يعرج ، وما فارقتْ سمعي هينمةٌ منهم ، يصلُّون عليه ، حتَّى واريناه ضريحه »

 

خَصَائِصُ عليٍّ(ع)

لا يمكن بيان خصائص علي(ع) في بحث موجز أو كتاب واحد لأن خصائصه كثيرة وفضائله أكثر ومواقفه لا تُعد ولا تحصى، فلقد كان القريب والبعيد يتمنون أن يكون فيهم إحدى خصائص هذا الإمام العظيم الذي لم يشهد التاريخ مثله بعد رسول الله(ص).

فلقد تمنّى عمر بن الخطَّاب لنفسه واحدة من خصال ثلاث اجتمعن في عليٍّ عليه السلام ، فقال : لقد أُعطي عليُّ بن أبي طالب ثلاث خصال ، لأن تكون لي خصلة منها أحبُّ إليَّ من أن أُعطى حُمر النعم! قيل : وما هنَّ يا أمير المؤمنين ؟ قال : تزوُّجه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسكناه المسجد مع رسول الله ، يحلُّ له فيه ما يحلُّ له ، والراية يوم خيبر:
وسعد بن أبي وقَّاص يتمنَّى لنفسه واحدة من ثلاث أُخر اجتمعن في عليٍّ عليه السلام ويردُّ بها على معاوية، وهو يراوده على سبِّ أمير المؤمنين عليه السلام !
قال معاوية لسعد : ما يمنعك أن تسبَّ ابن أبي طالب ؟
قال سعد : لا أسبُّه ما ذكرت ثلاثاً قالهنَّ له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن تكون لي واحدة منهن أحبُّ إليَّ من حُمر النعم!
قال معاوية : ما هنَّ يا أبا إسحاق ؟
قال : لا أسبُّه ما ذكرت حين نزل عليه الوحى؛ فأخذ عليَّاً وابنيه وفاطمة فأدخلهم تحت ثوبه ، ثُمَّ قال : « ربِّ إنَّ هؤلاء أهل بيتي ».
ولا أسبُّه ما ذكرت حين خلَّفه في غزوة تبوك ، غزاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال له علي : « خلَّفتني على الصبيان والنساء! » قال : « ألا ترضى أن تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى ؟ الا أنَّه لا نبيَّ بعدي ».
ولا أسبُّه ما ذكرت يوم خيبر ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « لأُعطينَّ هذه الراية رجلاً يحبُّ الله ورسوله ، ويفتح الله على يديه » فتطاولنا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : « أين عليٌّ » ؟ قالوا : هو أرمد.
فقال : « ادعوه » فدعوه ، فمسح عينيه بريقه ، ثُمَّ أعطاه الراية ففتح الله عليه

وعبدالله بن عبَّاس ، في حديث أكثر جمعاً ، يردُّ على نفر ينتقصون من عليٍّ عليه السلام في أيَّام معاوية ، فيقول : أُفٍّ ، وتُفٍّ!! وقعوا في رجل له بضع عشرة فضائل ليست لأحد غيره!
ثُمَّ ينطلق ابن عبَّاس يذكر نماذج من هذه الفضائل ، فيبدأ بحديث راية خيبر ، ثُمَّ يقول : ثُمَّ بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلاناً بسورة التوبة ، فبعث عليَّاً خلفه فأخذها منه ، وقال : « لا يذهب بها الا رجل هو منِّي وأنا منه ». ثُمَّ يذكر قول النبيِّ له : « أنت وليِّي في الدنيا والآخرة ».. وأنَّ عليَّاً أول من آمن .. وحديث الكساء وآية التطهير.. وحديث مبيت عليٍّ في فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الهجرة .. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « أما ترضى أن تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى الا أنَّه ليس بعدي نبي ، إنَّه لا ينبغي أن أذهب الا وأنت خليفتي ».. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : « أنت وليُّ كلِّ مؤمن بعدي ومؤمنة ».. وحديث سدِّ الأبواب الا باب عليٍّ ، وحديث الغدير : « من كنت مولاه… » الحديث (

عَليٌّ(ع) نَفْسُ رَسُول الله(ص)

لقد عبّر القرآن الكريم عن علي(ع) بأنه نفس رسول الله(ص) كما ورد في بيان حادثة المباهلة بين الرسول ونصارى نجران فقال تعالى(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبْنَاءَنَا وَأبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأنْفُسَنَا وَأنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِين)

فالذين باهل بهم رسول الله نصارى نجران هم علي وفاطمة والحسن والحسين(ع) وقد أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى(أنفسنا) علي بن أبي طالب(ع).

 

عَليٌّ(ع) ثَانِيْ أَصْحَابِ الكِسَاء

قال تعالى(إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)

وأهل البيت هنا هم أصحاب الكساء(ع) وقد نزل الروح الأمين بهذه الآية المباركة ، حينما جلَّل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً عليهم السلام بكساءٍ حبري ، وغشَّاهم به ، ثُمَّ أخرج يديه المباركتين فألوى بهما إلى السماء ، ثُمَّ قال : « اللَّهمَّ هؤلاء أهل بيتي وخاصَّتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيرا »

 

مَدْحُ الله تعالى لعلي(ع)

عندما بات علي(ع) في فراش رسول الله(ص) ليلة الهجرة أنزل الله تعالى على رسوله محمد آية طمأنه فيها على حياة علي وبيّن له فيها فضيلة من فضائله حيث قال سبحانه(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَاد)

 

عَليٌّ(ع) وَسُوْرَةُ الدَّهْر

لا يختلف المفسرون بأن سورة الدهر قد نزلت في حق علي وفاطمة وابنيهما عندما تصدقوا على المسكين واليتيم والأسير وتضوروا جوعاً وكان ذلك قمة الإيثار، ولذا فقد خصّهم الله تعالى بالذكر حيث قال في محكم كتابه(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا  وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا  إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا  إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا  فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا  وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا)

 

مَزَايَا عليٍّ(ع) فِيْ الحَدِيْثِ الشَّرِيْف

عَلِيٌّ(ع) أَوَّلُ المُسْلِمِيْن

قال(ص) لعلي(ع) : « أنت أوَّل مَنْ آمن بي ، وأنت أول من يصافحني يوم القيامة، وأنت الصدِّيق الأكبر ، وأنت الفاروق تفرِّق بين الحقِّ والباطل ، وأنت يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الكافرين:

وعنه(ص) قال: « السُّبَّق ثلاثة : السابق إلى موسى : يوشع بن نون ، والسابق إلى عيسى : صاحب ياسين ، والسابق إلى محمَّدٍ : عليُّ بن أبي طالب:

 

عَلِيٌّ(ع) أَحَبُّ الخَلْقِ إِلَى اللهِ تَعَالَى

ذات ليلة أُهدي إلى النبي(ص) طائر مشوي فدعا ربه عز وجل أن يبعث إليه أحب الخلق عنده، وبينما هو جالس وإذا بعلي بن أبي طالب(ع) يأتي ويطرق الباب ويشارك رسول الله(ص) بأكل الطير.

 

بَابُ عليٍّ(ع)

سد رسول الله(ص) جميع الأبواب في المسجد النبوي إلا باب علي بن أبي طالب فتكلَّم الناس في ذلك ، فلمَّا بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قولهم ، قام وخطب فيهم فقال : « أمَّا بعد.. فإنِّي أُمرتُ بسدِّ هذه الأبواب الا باب عليٍّ ، وقال فيه قائلكم ، والله ما سددته ولا فتحته ، ولكنِّي أُمرتُ فاتبعته.

 

عَلِيٌّ(ع) الذَّائِدُ عَن الحَوْض

إنه(ع) صاحب حوض رسول الله(ص) في يوم القيامة، وفي قال(ص) لعلي(ع): « والذي نبَّأ محمَّداً وأكرمه ، إنَّك لذائد عن حوضي ، تذود عنه رجالاً ، كما يذاد البعير الصادي عن الماء ، بيدك عصا من عوسج كأنِّي أنظر الى مقامك من حوضي:

وفي ذلك قال علي(ع): والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة ، لأقمعنَّ
بيدي هاتين عن الحوض أعداءنا ، ولأوردنَّ أحبَّاءنا:

 

عَلِيٌّ(ع) يُبَلِّغُ عَن الرَّسُوْلِ(ص)

بعث النبي أبا بكر بتبليغ سورة براءة ثم بعث علياً خلفه فسأل أبو بكر رسول الله(ص) : أحدث فيَّ شيء ، يا رسول الله ؟ فقال(ص): لا ، ولكنِّي أُمرت ألا يبلِّغ عنِّي إلا أنا أو رجل منِّي:

 

عَلِيٌّ(ع) كَرَّارٌ غَيْرُ فَرَّار

في قضية فتح خيبر نقل علي(ع) عن رسول رب العالمين أنه قال(ص): والذي نفسي بيده ، لأُعطينَّ الراية غداً رجلاً يحبُّ الله ورسوله ، ويحبُّه الله ورسوله ، كراراً ليس بفرَّار ، يفتح الله على يديه ، فأرسل إليَّ وأنا أرمد؛ فتفل في عينيَّ
وقال : اللَّهمَّ اكفه أذى الحرّ والبرد ، فما وجدتُ حرَّاً بعدُ ولا برداً:

 

عَلِيٌّ(ع) بَعْدَ وَفاةِ رَسُوْلِ اللهِ(ص)

بعد وفاة الرسول الأعظم محمد(ص) كُشفت الأقنعة عن الوجوه وبرزت الأنياب السامة التي كان قد أخفاها وجود نبيهم فيهم، فعند وفاة هذا الرجل العظيم الذي أنعم الله به على الأمة انقلب الناس على الدين الحنيف وتناسوا كل تعاليم الرسول وتجاهلوا أمر الوحي الإلهي وخصوصاً ما تعلق منه بموضوع خلافة علي بن أبي طالب(ع).

لم يعن لهم فقدان الرسول شيئاً بل لم يشاركوا في تجهيزه وربما لم يشارك البعض منهم في دفنه حيث أنساه طمعه بالحكم كل الأعراف والتقاليد والآداب وبالأخص الإسلامية منها.

ففي تلك اللحظات الشديدة على بني هاشم وجمع من المسلمين استغلَّ  ابن الخطَّاب فرصة الخلاف بين الأوس والخزرج ونبأ اجتماعهم في سقيفة بني ساعدة ، يتداولون فيها أمر الخلافة بعد رسول الله ، خوفاً على مستقبل الأنصار ، فيما لو كانت الخلافة بيد قريش! فأخذ عمر بن الخطَّاب بيد أبي بكر وانخرطا من بين الجموع الحاشدة بجثمان النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فيصحبهما أبو عبيدة إلى سقيفة بني ساعدة ، ليتمَّ تنفيذ « البيعة »! لخليفة رسول الله على أُمَّته.
على أي حال انضم الثلاثة إلى تجمُّع الأنصار ، وبعد أن دار جدل عنيف ، غلبهم المهاجرون؛ لأنَّهم « أوَّل من عبد الله في الأرض ، وآمن بالله وبالرسول ، وهم أولياؤه وعشيرته ، وأحقُّ الناس بهذا الأمر بعده ، ولاينازعهم ذلك الا ظالم.. وأنتم يا معشر الأنصار لا يُنكر فضلكم في الدين ولا سابقتكم العظيمة في الإسلام ، رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله.. فنحن الأمراء وأنتم الوزراء »! على حدِّ تعبير أبي بكر  .
ولمَّا عارض أحد الأنصار بذكر فضائلهم ونصرتهم للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وعدم تسليم الأمر للمهاجرين ، ردَّ عليه عمر بقوله : « هيهات لا يجتمع سيفان في غمد ، والله لا ترضى العرب أن تؤمِّركم والنبيُّ من غيركم ، ولا تمتنع العرب أن تولِّي أمرها من كانت النبوَّة فيهم ، ولنا بذلك الحجَّة الظاهرة ، من نازعنا سلطان محمَّد ونحن أولياؤه وعشيرته الا مدلٍ بباطلٍ ، أو متجانفٍ لإثمٍ ، أو متورِّطٍ في هلكة »!!

هذه حجَّتهم الظاهرة : قوم محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم ، أولياؤه وعشيرته لا ينازعهم على سلطان محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم الا ظالم ، متجاهلين عليَّ بن أبي طالب عليه السلام الذي بايعوه وبايعه مئة ألف أو يزيدون في غدير خمٍّ ، وبعد فهو أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العلم والزهد وسائر الصفات المستلزمة للإمامة والولاية العامة وأخصُّهم به ، وهو ابن عمِّه الذي نشأ في بيته ، كما نشأ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم في بيت أبيه أبي طالب!
فقال بشير بن سعد ـ أحد زعماء الأنصار ـ : « يا معشر الأنصار ، إنَّا والله وإن كنَّا أولي فضيلة وسابقة في الدين ، الا أنَّ محمَّداً من قريش وقومه أولى به ، وأيمُ الله لا يراني الله أُنازعهم هذا الأمر أبداً ».
فقال أبو بكر : هذا عمر ، وهذا أبو عبيدة ، فأيُّهما شئتم فبايعوا.. فأدار عمر ظهره لأبي بكر ، وقال لأبي عبيدة : ابسط يدك أُبايعك ، فأنت أمين هذه الأُمَّة!! ولمَّا امتنع أبو عبيدة ، أدار عمر إلى أبي بكر ، فبسط يده وصفق عليها ليكون خليفة المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فبويع أبو بكر ، بايعه أبو عبيدة وبشير بن سعد الخزرجي ، ثُمَّ بايعه الأوس. وتمَّت مسرحية « السقيفة » وقد مثَّل دور البطولة فيها أبو بكر وعمر!
وما أن انتصف نهار اليوم حتى تمَّت بيعة أبي بكر بهذا النحو ، الذي كان مفاجأة لأكثر الناس ، وأخذوا يزفُّون عبدالله بن عُثمان التيمي ـ أبو بكر بن أبي قحافة ـ إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتكون بيعته على نطاق أوسع!
تسرَّب نبأ السقيفة والبيعة في أرجاء المدينة المنوَّرة ، على ساكنها السلام ، كلُّهم علموا بخبر البيعة ، الا عليٌّ وبنو هاشم ومن معهم ، حيث كانوا مع مصيبة وداع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم !
فانطلق البراء بن عازب وجاء يضرب باب بني هاشم قائلاً : يا معشر بني هاشم ، قد بويع أبو بكر!
سادت لحظة هدوء ، متسائلين : ما كان المسلمون يُحدثون حدثاً نغيب عنه ، ونحن أولى بمحمَّد ، لكنَّ العبَّاس بن عبد المطَّلب لم يستغرب هذا الفعل منهم ، فقال : فعلوها وربِّ الكعبة!!
ولمَّا كان اليوم الثاني ، وبعد أن واروا جثمان النبي الطاهر ، انحاز مع عليِّ بن أبي طالب عليه السلام بنو هاشم جميعاً ، ومعهم طائفة من المهاجرين والأنصار ، اعتقاداً منهم بحقِّ عليٍّ في الخلافة فقال الأنصار : لا نبايع الا عليَّاً ، وقال الزبير : لا أغمد سيفاً حتى يُبايع علي ، وانظم وانحاز في بيت عليٍّ وفاطمة عليهما السلام : المقداد بن عمرو ، وخالد بن سعيد ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذرٍّ الغفاري ، وعمَّار بن ياسر ، والبراء بن عازب ، وأُبي بن كعب ، وحذيفة بن اليمان ، وابن التيهان ، وعبادة بن الصامت، كلُّهم يرفضون البيعة لابن أبي قحافة ، للسبب الآنف ذكره..
إضافةً إلى ذلك فقد اعتصم جماعة من الأنصار في أحيائهم ، فجاء عبدالرحمن بن عوف يعاتبهم على تخلُّفهم عن بيعة الخليفة ، ويذكر لهم حقَّه بقرابته من رسول الله ، وما شابه ذلك من الحجج التي يتشبَّثون بها ، من أجل إثبات حق أبي بكر بالخلافة ، وأنَّه أولى بها من غيره ، فردَّ عليه جماعة الأنصار : « إنَّ ممَّن سمَّيت من قريش ، مَنْ إذا طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد : عليُّ بن أبي طالب »!
هذا أحد المواقف ضد الاتجاه الذي نال خلافة رسول الله بالغلبة! وموقف آخر يمكن أن نقتبس منه بعض الأقوال ، كقول الفضل بن عبَّاس ، الذي قام خطيباً وأجاد حيث قال : « يا معشر قريش : إنَّه ما حقَّت لكم الخلافة بالتمويه! ونحن أهلها دونكم وصاحبنا أولى بها منكم »، ويقصد بصاحبنا عليَّ بن أبي طالب عليه السلام.
وأنشد عتبة بن أبي لهب ، معرباً عن أولوية علي عليه السلام برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبأمر الخلافة؛ إذ يقول :

ما كنتُ أحسبُ أنَّ الأمرَ منصرفٌ * عن هاشـمٍ ثُمَّ منها عن أبي الحسنِ
عن أوَّل الناس إيمانـاً وسابقــةً * وأعلــم الناس بالقرآن والسننِ

وكان المهاجرون والأنصار لا يشكُّون في عليٍّ عليه السلام .
وما كان من أبي بكر الا أن ينتظر عليَّاً عليه السلام وأصحابه أن يبايعوه! ولمَّا تأخَّرت بيعتهم أرسل عمر بن الخطَّاب إلى بيت عليٍّ عليه السلام ، فنادى عليَّاً وأصحابه وهم في الدار فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب ليحرق البيت ومن فيه ، فقيل له : إنَّ فيه فاطمة قال : وإن !!
لكنَّهم اقتحموا بيت عليٍّ عليه السلام.. وقد ثبت عن أبي بكر قوله ، حين حضرته الوفاة : « وددت أنِّي لم أكشف عن بيت فاطمة ، وتركته ولو أُغلق على حرب » .
أتى قنفذ ـ رسول الخليفة الجديد ـ عليَّ بن أبي طالب عليه السلام فقال : يدعوك خليفة رسول الله. فقال عليه السلام : « لسريع ما كذَّبتم على رسول الله »!
فرجع فأبلغ أبا بكر قوله ، فبكى أبو بكر طويلاً! فبعثه مرَّةً أُخرى بتحريض من عمر ، فقال : خليفة رسول الله يدعوك لتبايع ، فقال عليه السلام بصوت مرتفع : « سبحان الله! لقد ادَّعى ما ليس له ». فرجع قنفذ وأبلغه كلام عليٍّ فبكى أبو بكر طويلاً..
أمَّا عمر فتعجَّل الأمر ، وأتى بيت عليٍّ مع جماعة وطرقه بشدَّة ، فلمَّا سمعت فاطمة أصواتهم نادت : « يا أبتِ يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطَّاب وابن أبي قحافة » ؟!
فانصرف القوم باكين لبكائها ومناجاتها أباها ، الا عمر لم يتصدَّع قلبه لبكاء ابنة رسول الله وبضعته ، فبقي معه جماعة ، حتى أخرجوا عليَّاً عليه السلام فمضوا به إلى أبي بكر ، وعرضوا عليه البيعة فأجابهم بكلِّ ثبات وعزيمة : « أنا أحقُّ بهذا الأمر منكم ، لا أُبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي ».
فقالوا : نضرب عنقك!!
فقال عليه السلام : « إذن تقتلون عبدالله وأخا رسوله »!
فقال عمر : أمَّا عبدالله فنعم ، وأمَّا أخو رسوله فلا!
وأبو بكر ساكت! ثُمَّ قال عمر لأبي بكر : ألا تأمر فيه بأمرك ؟!
فأجابه الخليفة : لا أُكرهه على شيء مادامت فاطمة إلى جنبه!
فلحق عليٌّ عليه السلام بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يصيح ويبكي وينادي : « يا ابن أمِّ إنَّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني » .
وهكذا وقع سريعاً تأويل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً عليه السلام :
قال الإمام علي عليه السلام : « إنَّ ممَّا عهد إليَّ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ الأُمَّة ستغدر بي بعده » .
وفي رواية أُخرى قال عليه السلام : « بينما كنَّا نمشي أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخذ بيدي.. فلمَّا خلا له الطريق اعتنقني ثُمَّ أجهش باكياً ، قلت : يا رسول الله ، ما يبكيك ؟
قال : ضغائن في صدور أقوام ، لا يبدونها لك الا من بعدي »  .

مَوْقِفُ السَّيدَةِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاء(ع) مِنَ البَيْعَة

جاء الشيخان إلى دار فاطمة(ع) يلتمسان رضاها لأن الله تعالى يغضب لغضبها وهما يدركان تلك الحقيقة تماماً، فقالت(ع) : « نشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحبَّ فاطمة ابنتي فقد أحبَّني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني! ؟ » فقالا : نعم ، سمعناه من رسول الله.
فقالت : « فإنِّي أُشهد الله وملائكته أنَّكما أسخطتماني ، وما أرضيتماني، ولئن لقيتُ النبيَّ لأشكونَّكما إليه:

وعن ابن قتيبة قال : وخرج عليٌّ ـ كرَّم الله وجهه ـ يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على دابَّة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة. فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله ، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، ولو أنَّ زوجك وابن عمِّك سبق إليها قبل أبي بكر ما عدلنا به.
فيقول عليٌّ كرَّم الله وجهه : « أفكنت أدعُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته لم أدفنه ، وأخرج أُنازع الناس سلطانه،  ؟!
فقالت فاطمة : « ما صنع أبو الحسن الا ما كان ينبغي له ، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم »
أمَّا عليٌّ عليه السلام ، فقد خاصمهم بقوله : « الله الله يا معشر المهاجرين ، لاتُخرجوا سلطان محمَّد عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، ولاتدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقِّه ، فوالله يا معشر المهاجرين لنحنُ أحقُّ الناس به ، لأنَّا أهل البيت ، ونحنُ أحقُّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا : القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول الله ، المضطلع بأمر الرعيَّة ، القاسم بينهم بالسويَّة ، ووالله إنَّه لفينا ، فلا تتَّبعوا الهوى فتضلُّوا عن سبيل الله ، فتزدادوا من الحقِّ بعداً ».
فلمَّا سمعوا منه هذا الكلام قال بشير بن سعد الأنصاري ـ الذي أقرَّ بنود السقيفة ـ : لو كان هذا الكلام سِمِعتْه الأنصارُ منك قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان.
وأنشد عليه السلام معرِّضاً بأبي بكر :

فإن كنتَ بالشورى ملكتَ أمورَهـم * فكيـف بهـذا والمشيــرون غُيَّبُ
وإن كنتَ بالقُربى حججتَ خصيمهم * فغيــرُك أولـى بالنبيِّ وأقربُ

وفي نهج البلاغة وصف(ع) هذا الموقف الرهيب حيث قال:

« أما والله لقد تقمَّصها فلان ، وانَّه ليعلم أنَّ محلِّي منها محلَّ القطب من الرَّحَا ، ينحدر عنِّي السيل ، ولا يرقى إليَّ الطير »…
« فيا عجباً ، بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته!! لشدَّ ما تشطَّرا ضرعيها.. فصبرتُ على طول المدَّة وشدَّة المحنة.. حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنِّي أحدُهم! فيا لله وللشورى ، متى اعترض الريب فيَّ مع الأول منهم حتى صرت أُقرن إلى هذه النظائر! »
ولمَّا بلغه عليه السلام احتجاج قريش بأنَّهم قوم النبيِّ وأولى الناس به ، قال : « احتجَّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة »

البَيْعَةُ لأَبِيْ بَكْرٍ

بعد أن بايع الناس أبا بكر ظهر في مكة والمدينة فريقان:

الأول: وهو الفريق المنافق والمفتن، وهم الكائدون للإسلام وعلى رأسهم أبو سفيان الذي أتى إلى الإمام(ع) وقال له: والله لئن شئت لأملأنَّها عليه خيلاً ورَجِلاً. فردَّه عليه السلام : « والله إنَّك ما أردت بهذه الا الفتنة ، وإنَّك والله طالما بغيت للإسلام شرَّاً ، لا حاجة لنا في نصيحتك »

ومن كلمات أبي سفيان التحريضية قوله: يا معشر قريش ، إنَّه ليس للأنصار أن يتفضَّلوا على الناس ، حتى يُقرُّوا بفضلنا عليهم.. وأيم الله لئن بطروا المعيشة ، وكفروا النعمة ، لنضربنّهم على الإسلام كما ضربونا عليه:

ومن هذا الفريق أولئك الطلقاء الذين حرضوا قريشاً على المناصرين لعلي والهاتفين به.

الثاني: وهو الفريق الذي ثبت على الحق، ويلحق بهذه الطائفة المهاجرون والأنصار الذين مالوا عن مبايعة أبي بكر ، حيث كانوا لا يشكُّون أنَّ الأمر صائر إلى عليٍّ عليه السلام ، وكان شعارهم الذي رفعوه بأصواتهم : « لا نبايع الا عليَّاً » ومنهم : عتبة بن أبي لهب بن عبدالمطلب الذي أنشد يقول :

ما كنتُ أحسبُ أنَّ الأمرَ منصـرفٌ * عن هاشمٍ ، ثُمَّ منها عن أبي الحســنِ
عن أوَّل النــاس إيمانـاً وسابقـةً * وأعلـمِ النــاس بالقـرآنِ والسُنـنِ
وآخر النـاس عهداً بالنبـيّ ومَــنْ * جبريـلُ عونٌ له فـي الغسل والكفن
ومنهم : المقداد وعمَّار وسلمان وأبو ذرٍّ وحذيفة بن اليمان وخالد بن سعيد بن العاص وأبو أيوب الأنصاري ، وسائر بني هاشم.
ولا ننسى موقف الحسن السبط من أبي بكر ، حين رآه يرقى منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مايزال في الثامنة من عمره ، يناديه : « إنزل عن منبر
أبي ، واذهب الى منبر أبيك »

ومنهم : ابن عباس في حديثه مع عمر ، حين سأله عمر عن عليٍّ عليه السلام ، فقال : أيزعمُ أنَّ رسول الله نصَّ عليه ؟!
قال ابن عباس : نعم ، وأزيدك : سألت أبي عن ذلك ، فقال : صدق وغيرها من المواقف التي سنأتي عليها في موضوع لاحق.
ومنهم : قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي ، إذ ذكر ـ سعد بن عبادة ـ عليَّاً عليه السلام ، فذكر من أمره نصَّاً بوجوب ولايته ، فقال له ابنه : أنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول هذا الكلام في عليِّ بن أبي طالب ، ثُمَّ تطلب الخلافة ، ويقول أصحابك : منَّا أمير ومنكم أمير ؟! لا كلَّمتك والله من رأسي بعد هذا كلمةً أبداً:

وفي ما وراء المدينة ومكة هناك قبائل من المسلمين ، لم يرضوا بالبيعة لأبي بكر ، فامتنعوا عن أداء الزكاة له ، لا جحوداً بالزكاة ، ولكن إنكاراً لزعامته، فعزم أبو بكر على مقاتلتهم بحجَّة أنَّ هذا الأمر تعطيل لفريضة الزكاة التي أوجبها الله على المسلمين ، غاضَّاً بصره عن السبب الأصلي الذي دعاهم إلى هذا الموقف الصلب ، وهو اعتراضهم على الخلافة!

وقال أحد شيوخ كندة في حضرموت ، الحارث بن سراقة يقول : « نحن إنَّما أطعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ كان حيَّاً ، ولو قام رجل من أهل بيته لأطعناه ،
وأمَّا ابن أبي قحافة فلا والله ، ما له في رقابنا طاعة ولا بيعة »!
ثمَّ أنشد أبياتاً ، كان أوَّلها :

أطعنــا رسول الله إذ كان بيننا * فيا عجباً ممَّن يطيع أبا بكرِ

ومنهم : زعيم كندة الأشعث بن قيس ، الذي أمر قومه بمنع الزكاة ، وأن يلزموا بلادهم ، ويتَّحدوا على كلمة واحدة ، « فإنِّي أعلم أنَّ العرب لا تقرُّ بطاعة بني تيم بن مرَّة ، وتدع سادات البطحاء من بني هاشم إلى غيرهم.. »

أَبُو بَكْرٍ يَسْتَشِيْرُ عَلِياً(ع) في حَرْبِ الرُّوْم

في مطلع سنة 13هـ عزم أبو بكر على محاربة الروم ، فشاور جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقدَّموا وأخَّروا ، فاستشار عليَّ بن أبي طالب عليه السلام ، فأشار عليه أن يفعل ، وقال له : « إن فعلتَ ظفرت »
فقال : « بُشِّرت بخير »
لكنَّ الناس تباطؤوا عن تلبية أمر أبي بكر ، فقال عمر : لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتَّبعتموه!
فاختار أبو بكر خالد بن سعيد على قيادة الجيش وعقد له اللواء ، لكنَّ عمر ـ وكعادته ـ اعترض ، بحجَّة أنَّه تباطأ في بيعته للخليفة؛ فقال : أتولِّي خالداً وقد حبس عنك بيعته ، وقال لبني هاشم ما بلغك ؟! فحلَّ لواءه وجعل الجيش تحت إمرة يزيد بن أبي سفيان ، وشرحبيل بن حسنة ، وأبي عبيدة الجرَّاح ، وعمرو بن العاص ، بالإضافة إلى خالد وجنده.
فحقَّق المسلمون انتصارات عظيمة ومتوالية ، افتتحوا خلالها عدَّة مدن ، وهذه كانت بشارة أمير المؤمنين عليه السلام.
ولكن سنرى قريباً كيف كانت سياسة أبي بكر في تعيين الولاة والامراء قد حقَّقت مطامع بني أُميَّة ، وفتحت أمامهم أبواب الخلافة الواسعة ، حتى تربَّع أوغاد بني أُميَّة وغيرهم من الطلقاء على رؤوس المسلمين ، وجرت وراءها فتن وبحور من الدماء العظيمة!!

 

استشارة علي(ع) في الأحكام الشرعية

ومن جملة موارد الرجوع إليه في الأحكام الشرعية والقضايا الدينيّة في عهد أبي بكر ، وكما جاء الخبر به عن رجال من العامَّة والخاصَّة : أنَّ رجلاً رُفع إلى أبي بكر وقد شرب الخمر ، فأراد أن يقيم عليه الحدَّ ، فقال له : إنَّني شربتها ولا علمَ لي بتحريمها ، لأنَّي نشأت بين قومٍ يستحلُّونها ، ولم أعلم بتحريمها حتى الآن.. فأُرتج  على أبي بكر ، ولم يعلم وجه القضاء فيه ، فأشار عليه بعضُ من حضره أن يستخبر أمير المؤمنين عليه السلام عن الحكم في ذلك ، فأرسل إليه من سأله عنه ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : « مُرْ ثقتين من رجال المسلمين يطوفان به على مجالس المهاجرين والأنصار ، ويُناشدانهم الله هل فيهم أحدٌ تلا عليه آية التحريم أو أخبره بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فإن شهد بذلك رجلان منهم فأقم الحدَّ عليه ، وإن لم يشهد عليه أحدٌ بذلك فاستتبه وخلِّ سبيله » ففعل أبو بكر ذلك ، فلم يشهد عليه أحدٌ من المهاجرين والأنصار أنَّه تلا عليه آية التحريم ، ولا أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ، فاستتابه أبو بكر وخلأَ سبيله ، وسلَّم لعليٍّ عليه السلام فيما حكم به.

الإِهْتِمَامُ بِالقُرْآنِ الكَرِيْم

في اعتزاله(ع) عن السلطة تفرّغ لمهام كبرى تخدم المصلحة الإسلامية وتحافظ على الدين الذي جاء به محمد(ص) من عند ربه، ومن جملة تلك المهام(جَمْعُ القرآن الكريم) حيث لم يخرج(ع) من بيته بعد وفاة الرسول إلا بعد أن جمع القرآن الكريم وأوضح العديد من معانيه.

قال ابن سيرين : طلبت ذلك الكتاب ، وكتبت فيه إلى المدينة ، فلم أقدر عليه.
وكان الإمام عليٌّ عليه السلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أبرز كتَّاب الوحي ، ولمَّا توفِّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر علياً عليه السلام يجمع القرآن الكريم في مصحفٍ واحدٍ ، لذلك باشر عليه السلام بجمع القرآن وترتيبه ، ولمَّا تولَّى أبو بكر الخلافة أمر من جهته بجمع القرآن الكريم ، وقد أسند هذه المهمَّة إلى الصحابي زيد بن ثابت الأنصاري

وذكر القرطبي في تفسيره : « فأمَّا صدر المفسِّرين والمؤيَّد فيهم ، فعليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، ويتلوه عبدالله بن عبَّاس ، وهو تجرَّد للأمر وكمّله ، وقال ابن عبَّاس : ما أخذت من تفسير القرآن فعن عليِّ بن أبي طالب:

وروي عن عليٍّ عليه السلام أنَّه قال : « سلوني ، فوالله لا تسألوني عن شيءٍ إلا أخبرتكم ، وسلوني عن كتاب الله ، فوالله ما من آيةٍ إلا وأنا أعلم أبليل نزلت ، أم بنهار ، أم في سهل ، أم في جبل:

وفي عهد أبي بكر واجه ـ وهو الخليفة ـ مشكلة في معنى بعض مفردات القرآن أحرجته كثيراً ، فقال في التخلُّص منها قولاً عجيباً ، فبلغ ذلك أمير المؤمنين فعجب لتوقف أبي بكر في هذه المفردة ، ثُمَّ لكلامه في التخلُّص منها.
سُئل أبو بكر عن معنى « الأبِّ » في قوله تعالى : ( وَفَاكِهَةً وَأبّاً )، فتحيَّر في معناها ، فقال : أيُّ سماء تظلُّني أو أيُّ أرضٍ تقلُّني : أم كيف أصنع إن قلت في كتاب الله تعالى بما لا أعلم ؟! أمَّا الفاكهة فنعرفها ، وأمَّا الأبُّ فالله أعلم به!
فبلغ مقاله هذا أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال : « يا سبحان الله! أما علم أنَّ الأبَّ هو الكلأ والمرعى ؟! وأمَّا قوله عزَّ اسمه : ( وَفَاكِهَةً وَأبّاً ) اعتدادٌ من الله سبحانه بإنعامه على خلقه فيما غذَّاهم به وخلقه لهم ولأنعامهم ، مما تحيى به أنفسهم وتقوم به جسادهم:

 

قصَّة الاستخلاف

في اللحظات الأخيرة من عمر أبي بكر ، عزم على أن يعهد بالخلافة من بعده إلى عمر بن الخطَّاب ، كذا وبكلِّ جرأة أنكر هو وأصحابه حديث الوصاية لعليٍّ عليه السلام ويوم غدير خُمٍّ ، وكأنَّ خلافة المسلمين ورثٌ ورثه من أبي قحافة ، وعليٌّ عليه السلام شهد كلَّ ذلك فكضم غيضه وأغمض عينيه ، وهو صاحب الحقِّ الأوَّل والأخير.
وعلى أيِّ حالٍ فقد تجاهل ابن أبي قحافة ذلك الحقَّ الذي كان حبلاً في رقابنا ، وتجاهل حقَّ الأُمَّة المسلمة ، وأصرّ على استخلاف عمر ، فقيل له وهو على فراش الموت : ما كنت قائلاً لربِّك إذا ولَّيته مع غلظته ؟!
وكان من قول طلحة بن عبيدالله : استخلفت على الناس عمر وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه ، وكيف به إذا خلا بهم ؟ وأنت لاقٍ ربك فسائلك عن رعيتك!
وقد أغضبه كثرة تذمر الصحابة من استخلافه عمر ، فقال : إنّي ولّيت أمركم خيركم في نفسي ، فكلّكم ورِمَ أنفه من ذلك ، يريد أن يكون الأمر له دونه ، ورأيتم الدنيا قد أقبلت ولمّا تُقبِل ، وهي مقبلة ، حتى تتّخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج ، وتألموا الاضطجاع على الصوف الأذريّ كما يألم أحدكم أن ينام على حَسَك السَعدان… وأنتم أوّل ضالّ بالناس غداً ، فتصدونهم عن الطريق يميناً وشمالاً…
وقبل هذا وذاك استدعى عُثمان ليكتب له كتاب الوصية حتى لا يضلُّوا بعده!
روى ابن الأثير : أنَّ أبا بكر أمر عُثمان بن عفَّان ليكتب عهد عمر ، فقال له : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما عَهِد به أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين ، أمَّا بعد.. ثُمَّ أُغمي عليه ، فكتب عُثمان : فإنِّي قد استخلفت عليكم عمر بن الخطَّاب ، ولم آلكم خيراً.
ثمَّ أفاق أبو بكر ، فقال : أقرأ عليَّ. فقرأ عليه : فكبَّر أبو بكر ، وقال :
أراك خفت أن يختلف المسلمون إن متُّ في غشيتي ؟! قال : نعم. قال : جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله.
فلمَّا كتب العهد أمر أن يُقرأ على الناس ، فجمعهم وأرسل الكتاب مع مولىً له ، ومعه عمر ، فكان عمر يقول للناس : أنصتوا واسمعوا لخليفة رسول الله ، فإنَّه لم يألكم نُصحاً! فسكت الناس
بالأمس القريب ادَّعى أبو بكر أنَّ الخلافة حقٌّ من حقوق المسلمين ، يولُّون من يجمع أمرهم عليه ، لكنَّه اليوم أوصى لعمر بن الخطَّاب ، دون أن يجمع المسلمين على كلمة واحدة!

وتوفِّي أبو بكر في21 ـ 22 جمادى الآخرة سنة13هـ أواخر آب 634م.

عَليٌّ(ع) فِيْ عَهْدِ عُمَر

عهد أبو بكر بالخلافة لعمر، وكان عثمان من أنصار هذا الإتجاه، وقد سار عمر على نهج أبي بكر الذي أوصاه بالحذر من علي(ع) فحذره كما أوصاه، فما كان من عمر إلا أن سجن المخلصين لعلي ومنه الجهاد في سبيل الله بدعوى أن الغزوات التي قام بها الرسول تكفي للثواب والشرف.

وفي عدَّة مواضع مع ابن عبَّاس :
قال ابن عبَّاس : إنِّي لأُماشي عمر في المدينة ، إذ قال لي : يا ابن عبَّاس ، ما أرى صاحبك الا مظلوماً.
فقلت في نفسي : والله لا يسبقني بها. فقلت له : يا أمير المؤمنين ، فاردد إليه ظلامته! فانتزع يده من يدي ، ومضى يهمهم ساعةً ، ثُمَّ وقف فلحقته ، فقال : يا ابن عبَّاس ، ما أظنُّهم منعهم عنه الا أن استصغره قومه!
فقلت في نفسي : هذه شرٌّ من الأولى ، فقلت : والله ، ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك.
وفي مرَّةٍ أُخرى يقول لابن عبَّاس : أتدري ما منع الناس منكم ؟
قال ابن عبَّاس : لا.
قال عمر : لكنِّي أدري.
قال ابن عبَّاس : وما هو ، يا أمير المؤمنين ؟
قال : كرهت قريش أن تجتمع فيكم النبوَّة والخلافة فتجخفوا جخفاً، فنظرت قريش لنفسها فاختارت فأصابت!
قال ابن عبَّاس : أيُميط عنِّي أمير المؤمنين غضبه ، فيسمع ؟
قال : قل ما تشاء.
قال : أمَّا قولك : إنَّ قريشاً كرهت ، فإنَّ الله تعالى قال لقوم : ( ذلِكَ بِأنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أنزَلَ اللهُ فَأحْبَطَ أعْمَالَهُم ) وأمَّا قولك : إنَّا كنَّا نجخف ، فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة ، ولكنَّا قوم أخلاقنا مشتقَّة من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال فيه الله تعالى : ( وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم ) وقال له : ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين ).
وأمَّا قولك : فإنَّ قريشاً اختارت ، فإنَّ الله تعالى يقول : ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة ) وقد علمت يا أمير المؤمنين أنَّ الله اختار من خلقِه لذلك مَنْ اختار ، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفِّقت وأصابت.
ثُمَّ قال : وأمير المؤمنين يعلم صاحب الحقِّ من هو ، ألم تحتجَّ العرب على العجم بحقِّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، واحتجَّت قريش على سائر العرب بحقِّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟! فنحن أحقُّ برسول الله من سائر قريش.

وبعد مدَّةٍ وجيزة واصل عمر حروب الفتوح ، فبعث المثنى بن حارثة الشيباني في مواصلة تلك الحروب في نواحي العراق ، فهزمهم الفرس ففرُّوا إلى الأطراف ، فوقف عمر من أمره حائراً ، وأخذ يستشير الصحابة في أن يخرج هو بنفسه في مواصلة الحرب..
ولمَّا استشار عليَّاً عليه السلام نهاه عن الخروج قائلاً : « نحن على موعدٍ من الله ، والله منجزُ وعده ، وناصر جنده ، ومكان القيِّم بالأمر مكانُ النظَام من الخرز ، يجمعه ويضمُّه ، فإذا انقطع النظام تفرَّق الخرز وذهب ، ثُمَّ لم يجتمع بحذافيره أبداً ، والعرب اليوم ، وإن كانوا قليلاً ، فهم كثيرون بالإسلام ، عزيزون بالإجتماع ، فكن قُطباً ، واستدر الرحا بالعرب.
إنَّك إن شخصت من هذه الأرض انتفضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهمُّ إليك ممَّا بين يديك. إنَّ الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا : هذا أصل العرب ، فإذا اقتطعتموه استرحتم ، فيكون ذلك أشدُّ لَكَلِبهم عليك ، وطمعهم فيك » .
وبحقٍّ إنَّ كلَّ كلمة من كلمات هذه الخطبة تعكس لنا عظمة علم الإمام عليه السلام.. وتنمُّ عن شخصيته المجلَّلة بالكمال والحكمة والصدق ، وبحقٍّ إنَّه كما قيل : « هو القرآن الناطق ، وما بين الدفَّتين القرآن الصامت » فهو عليه السلام لم يأخذ الا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو معلِّمه الأوَّل والأخير الذي يستقي كماله من الله عزَّ وجلَّ..
فاستبشر عمر بهذه النصيحة العظيمة وعمل بها ، وكان باباً للفتوح وقنطرة لانتصارات عدَّة..
أمَّا أمير المؤمنين عليه السلام فقد قنع من الدنيا أن لا يتكلَّم الا بلسان البررة الأطهار ، ليقدِّم للمسلمين ، ويحافظ على الشريعة المطهرة ، ويمنع من مخالفتها قولاً أو فعلاً ، في أكثر الموارد التي أوضح فيها المشكلات على عمر وحال دون تطبيق أحكام منها على خلاف الكتاب والسنة ، بحيث لو سكت لكانت أحكاماً تتّبع ، حتى قال فيه عمر : « لولا عليٌّ لهلك عمر » ، « أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن ».
كذا رضي لنفسه أن يكون كغيره من الناس ، متجاهلاً حقَّه ، من أجل حفظ بيضة الإسلام ، وقد ساهم الإمام عليه السلام بكلِّ ما بوسعه ، وادَّى ما عليه من البلاغ ، من تعليم وتفقيه ، بل وقضاء أيضاً.

 

فِيْ عَهْدِ عُثمان

عندما طُعن عمر بن الخطاب طُلب منه أن يستخلف غيره فرفض الفكرة وردها للشورى، وفي لحظتها عدل عن مبدئه وقال: « لو كان أبو عبيدة حيَّاً لولَّيته! لو كان معاذ بن جبل حيَّاً لولَّيته! لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيَّاً لولَّيته:

وقد اختار ستة زعم أن النبي كان راضياً عنهم، وهم: عُثمان بن عفَّان وعليُّ بن أبي طالب ، وطلحة وسعد بن أبي وقَّاص والزبير وعبدالرحمن بن عوف:

واستدعى إليه أبا طلحة الأنصاري فقال له : يا أبا طلحة ، إنَّ الله طالما أعزَّ بكم الإسلام ، فاختر خمسين رجلاً من الأنصار حاملي سيوفكم ، وخذ هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله ، واجمعهم في بيتٍ واحد ، وقم على رؤوسهم ، فإنَّ اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف ، وإن اتَّفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما ، وإن رضي ثلاثة فانظر الثلاثة الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف ، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمَّا اجتمع فيه الناس ، وإن مضى الستَّة ولم يتَّفقوا على أمر ، فاضرب أعناق الستَّة ، ودع المسلمين يختاروا لأنفسهم.

ولمَّا خرج عليٌّ عليه السلام والجماعة من البيت بانتظار الموعد المعيَّن ، ما لبث أن جاءه عمُّه العبَّاس يسأله عمَّا جرى ، فقال : « عدلتْ عنَّا »! فقال : وما علمك ؟
قال : « قرن بي عُثمان ، وقال : كونوا مع الأكثر ، فإن رضي رجلان رجلاً ورجلان رجلاً ، فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن ، فسعد لا يخالف ابن عمِّه ، وعبدالرحمن صهر عُثمان لا يختلفون ، فيولِّيها أحدهما الآخر ، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني ».. ومضى يقصُّ على عمِّه أحداث الشورى وتفاصيلها ، حتى ملكته الدهشة لما سمع.. فقال له العبَّاس : إحذر هؤلاء الرهط ، فإنَّهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم به غيرنا ، وأيم الله لا يناله الا بشرٌ لا ينفع معه خير! فقال عليٌّ عليه السلام : « أمّا لئن بقي عُثمان لأذكِّرنَّه ما أتى ، ولئن مات ليتداولُنَّها بينهم ، ولئن فعلوا لتجدنِّي حيث يكرهون »

ولمَّا اجتمعوا تكلَّم أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال : « الحمد لله الذي بعث محمَّداً منَّا نبيَّاً ، وبعثه إلينا رسولاً ، فنحن بيت النبوَّة ، ومعدن الحكمة ، وأمان أهل الأرض ، ونجاة لمن طلب ، لنا حقٌّ إن نُعْطَه نأخذه ، وإن نُمْنَعْه نركبْ أعجاز الإبل ولو طال السُّرى ، لو عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهداً لأنفذنا عهده ، ولو قال لنا قولاً لجادلنا عليه حتى نموت ، لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقٍّ وصلة رحم ، لا حول ولا قوَّة الا بالله ، اسمعوا كلامي وعوا منطقي ، عسى أن تروا هذا الأمر بعد هذا المجمع تُنتضى فيه السيوف ، وتُخان فيه العهود ، حتى تكونوا جماعة ، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة وشيعة لأهل الجهالة » ثُمَّ قال :

فإن تكُ جاسمٌ هلكــتْ فإنِّي * بما فعلتْ بنو عبد بن ضخمِ
مطيعٌ في الهواجرِ كلَّ عيٍّ * بصيرٌ بالنَّوى مـن كلِّ نجمِ

ومهما كان الحال ، فقد جاء في سائر التواريخ أنَّ أوَّل عمل قام به طلحة أن أخرج نفسه منها ، ووهب حقَّه فيها لعثمان بن عفَّان ، كرهاً منه لعليِّ بن أبي طالب عليه السلام ، وأدرك الزبير النوايا المبيتة من طلحة ، فثارت في نفسه نزعة القرابة التي تشدُّه إلى عليٍّ عليه السلام ، فقال : وأنا أُشهدكم نفسي أنِّي قد وهبت حقِّي في الخلافة لعليِّ بن أبي طالب ، فوقف سعد بن أبي وقَّاص وقال : لقد وهبت حقِّي لعبد الرحمن بن عوف ، « وبقي في الساحة ثلاثة كلُّ واحدٍ منهم يمثِّل اثنين » فقال عبدالرحمن لعثمان وعليٍّ عليه السلام : أيُّكما يخرج منها للآخر ؟ فلمَّا لم يجد منهما جواباً ، أخرج نفسه منها على أن يجعلها في أفضلهما.
وعرض على كلٍّ منهما أن يتولَّى الأمر من يؤثر الحقَّ ولا يتَّبع الهوى ، ولا يخصُّ ذا رحمِ ولا يألو الأُمَّة نصحاً ، فوافق كلٌّ منهما على هذه الشروط.. لكنَّه ـ وبعد أن أحرجه الإمام بقبول الشروط ـ خلا عبدالرحمن بسعد بن أبي وقَّاص ، فأدرك عليٌّ عليه السلام أنَّهما إنَّما يريدان مخرجاً يسهِّل لهما أن يُعطوا الخلافة لعثمان؛ فقال أمير المؤمنين لسعد : « ( وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالاَرْحَام )، أسألك برحم ابني هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبرحم عمِّي حمزة منك أن لا تكون ظهيراً لعبد الرحمن »..
ويبدو من هذا الاتِّفاق أنَّهم خرجوا بشرط جديد يُحرِج عليَّاً عليه السلام ، ولا يمكن له أن يقبله ، وبذلك تكون البيعة لعثمان بن عفَّان ، فقال عبدالرحمن لعليٍّ عليه السلام : عليك عهد الله وميثاقه ، لتعملن بكتاب الله وسُنَّة رسوله وسيرة الشيخين من بعده ، قال الإمام : « أعمل بكتاب الله وسُنَّة نبيِّه وبرأيي ، فيما لا نصَّ فيه من كتابٍ أو سُنَّة » ، ودعا عُثمان فقال له مثل ما قال لعليٍّ عليه السلام فوافق عليها ، وقال : نعمل نعمل ، فرفع رأسه إلى سقف المسجد ، ويده في يد عُثمان فقال : اللَّهمَّ اسمع واشهد ، اللَّهمَّ إنِّي قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عُثمان ، فبايعه ، وبهذا النحو الذي شهدناه تمَّت البيعة لعثمان ، وحسب التخطيط الذي أراده عمر بن الخطَّاب.

ثم قال المقداد : ما رأيتُ مثل ما أتى إلى هذا أهل البيت بعد نبيِّهم ، إنِّي لأعجب من قريش أنَّهم تركوا رجلاً ما أقول ولا أعلم أنَّ رجلاً أقضى بالعدل ولا أعلم منه ، أما والله لو أجد أعواناً عليه!
فقال عبدالرحمن : يا مقداد ، اتِّق الله ، فإنِّي خائفٌ عليك الفتنة.
فقال رجل للمقداد : رحمك الله ، مَن أهل هذا البيت ، ومن هذا الرجل ؟
قال : أهل البيت بنو عبدالمطَّلب ، والرجل عليُّ بن أبي طالب.
فقال عليٌّ عليه السلام : « إنَّ الناس ينظرون إلى قريش ، وقريش تنظر بينها فتقول : إن وُلِّيَ عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبداً ، وما كانت في غيرهم تداولتموها بينكم ».
وقد شهد أبو الطفيل رضي الله عنه حادثة الشورى بما شهده وسمعه ، فقال : كنت على الباب يوم الشورى ، فارتفعت الأصوات بينهم ، فسمعت عليَّاً عليه السلام

يقول : « بايع الناس لأبي بكر ، وأنا والله أولى بالأمر منه وأحقُّ به منه ، فسمعتُ وأطعتُ مخافة أن يرجع الناس كفَّاراً يضرب بعضهم رقاب بعضٍ بالسيف ، ثُمَّ بايع الناس عمر وأنا والله أولى بالأمر منه ، وأحقُّ به منه ، فسمعتُ وأطعتُ مخافة أن يرجع الناس كفَّاراً يضرب بعضم رقاب بعضٍ بالسيف ، ثُمَّ أنتم تريدون أن تبايعوا عُثمان! إذاً أسمع وأُطيع » .
ولمَّا عزموا على البيعة لعثمان ، قال الإمام عليٌّ عليه السلام : « أُنشدكم الله ، أفيكم أحد آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين نفسه غيري ؟ » قالوا : لا. قال : « أفيكم أحدٌ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من كنتُ مولاه فهذا مولاه ، غيري ؟ » قالوا : لا.
قال : « أفيكم أحدٌ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنت منِّي بمنزلة هارون من موسى غيري ؟ » قالوا : لا.
قال : « أفيكم من أؤتمن على سورة براءة ، وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنَّه لا يؤدِّي عنِّي الا أنا أو رجل منِّي ، غيري ؟ » قالوا : لا.
قال : « ألا تعلمون أنَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرُّوا عنه في مأقطِ الحرب في غير موطن ، وما فررتُ قطُّ ؟ » قالوا : بلى.
قال : « ألا تعلمون أنِّي أوَّل الناس إسلاماً ؟ » قالوا : بلى.
قال : « فأيُّنا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسباً ؟ » قالوا : أنت.
فقطع عليه عبدالرحمن بن عوف كلامه ، وقال : يا عليُّ ، قد أبى الناس الا عُثمان ، فلا تجعلنَّ على نفسك سبيلاً!
ثُمَّ توجَّه عبدالرحمن إلى أبي طلحة الأنصاري ، فقال له : يا أبا طلحة ، ما الذي أمرك عمر ؟ قال : أن أقتل من شقَّ عصا الجماعة!
فقال عبدالرحمن لعليٍّ : بايع إذن ، والا كنتَ متَّبعاً غير سبيل المؤمنين!! وأنفذنا فيك ما أُمرنا به!!
فقال عليٌّ عليه السلام كلمته الشهيرة : « لقد علمتم أنِّي أحقُّ بها من غيري ، ووالله لأُسلمنَّ ما سلمت أمور المسلمين ، ولم يكن فيها جورٌ الا عليَّ خاصَّةً؛ إلتماساً لأجر ذلك وفضله ، وزهداً في ما تنافستموه من زخرفه وزبرجه ».
لقد دُفن عمر وتمَّت قصَّة الشورى ، وزُفَّ عُثمان كما زُفَّ صاحباه من قبل ، وبايعه الناس ، وتصدَّر المنبر ، منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ليخطب فيهم خطبته التي سيعلن فيها تعهده بالتزام سيرة الشيخين ، وسنرى فيما بعد كيف أنَّه خالف ما تعهد التزامه ، حتى سيرة الشيخين في عدَّة أمور ، وعطَّل بعض الواجبات حتى أصبح عهده عهد الفتن..
ومن أهمِّ الأمور التي انتهجها عُثمان في سياسته ، والتي فتحت أبواباً من الفتن واسعة :
1 ـ أحاط نفسه بأزلام بني أُميَّة ، وتربَّع على العرش يهب أموال المسلمين لرجالات عمومته بني أُميَّة ، فكانوا المقرَّبين منه ، بحيث ترك مشورة كبار الصحابة ، ولم يستعمل أحدهم على أمر من أمور المسلمين واستغنى برأيه ورأي مروان ، والأنكى من كلِّ ذلك أنَّه ألحق الضرر والضرب ـ وحتى الموت ـ بكبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسجن آخرين. فضرب عمَّاراً وفتق بطنه ، وسيَّر أبا ذرٍّ إلى الربذة ، وسيَّر عامر بن قيس من البصرة إلى الشام! وغير ذلك من الأمور الشنيعة ، حتى غلب على عهده التسلُّط والاثرة وجمع الأموال ، واكتفى برأي أصحاب الحيلة والدهاء ، من ذوي قرباه.
2 ـ استبدال الولاة الذين عيَّنهم عمر ، بولاة جدد من بني أُميَّة من أصحاب المطامع ، وليس لأحدهم دين وازع أو سلطان رادع ، ولم يكن همُّ أحدهم سوى جمع الأموال والتربُّع على عرش الملك!
فجمع الشام كلَّه لابن عمِّه معاوية ، وعبدالله بن أبي سرح ـ المرتدُّ ، الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتله ولو وجد متعلِّقاً بأستار الكعبة! ـ على مصر ، وهو أخوه من الرضاع ، وفي الكوفة ـ أخوه لاُمِّه ـ الوليد بن عقبة ، وفي البصرة ابن عمِّه سعيد بن العاص ، وولَّى ابن خاله عبدالله بن عامر على خراسان ، وفي المدينة المنوَّرة « مقرُّ الخلافة » كان مروان بن الحكم ـ طريد رسول الله ولعينه ـ وزير الخليفة ومستشاره ، فهو ابن عمِّه وكاتبه.
وكلُّهم من طغمة بني أُميَّة خاصَّة من مسلمة الفتح « الطلقاء ، والمؤلَّفة قلوبهم » حتى أصبحت أموال الدولة والمسلمين متاعاً خاصاً لهم ، وظنُّوا أنَّ الخلافة وراثةً لهم ، كما قال أبو سفيان : « يا بني أُميَّة تلقَّفوها تلقُّف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان مازلت أرجوها لكم ، ولتصيرنَ إلى صبيانكم وراثةً »!
فهؤلاء هم عمال عُثمان الذين لا يريد أحدهم سوى أن يصبح جبَّاراً في الأرض أو ملكاً يُطاع أو يُسجد له!!
وقد كانت هذه المفارقات وغيرها السبّب لثورة الناس ضدّه ، فسعى الأمام عليه السلام للإصلاح وإخماد الفتنة ، وكم ذكّره بالله والدين ، وبحقوق المسلمين ، وكان مما قال له مرةً : « والله لو ظلم عامل من عمّالك حيث تغرب الشمس لكان اثمه شركاً بينه وبينك » .
مهَّدت إلى ظهور فتن وأزمات وكم سعى الامام عليه السلام ومن معه من الصحابة في الإصلاح ولم يستجب عثمان ومن حوله لدعوته ، حتى فلت الأمر من يده ، لا سيّما وأنّ بعض أكابر الصحابة كانوا يساندون الثائرين على عثمان والمعترضين بشدة ويؤلّبون الجماهير ضده منهم عائشة التي كانت تقول : اقتلوا نعثلاً فقد كفر. وطلحة الذي كان يكاتب أهل البصرة يحرِّضهم على النهوض لقتل عُثمان . وعبدالرحمن بن عوف الذي قال لعثمان : « لِمَ فررتَ يوم أُحد ، وتخلَّفت عن بدر ، وخالفت سُنَّة عمر ؟ » .
ولمَّا طالبت الجماهير المنتفضة عُثمان بعزل الولاة الفاسدين ، واستبدالهم بولاةٍ صالحين ، أبى ذلك ، فعزل أهل الكوفة سعيد بن العاص الأموي ورشحوا أبا موسى الأشعري ، لكن عثمان أقرّ سعيداً ولم يعزله ، وهكذا كان الأمر في بعض الولايات الاسلامية الاخرى بسبب ما لاقاه الناس من الولاة من جورٍ وفساد ، وحينئذٍ عادوا وطلبوا من عثمان ، أن يعزل نفسه ، حينها قال عُثمان : « ما كنت لأخلع سربالاً سربلنيه الله » ، فجعل أمر الخلافة هبةً من الله تعالى ، ولا يمكن له أن ينزعها ، وليس من حقِّ الأُمَّة أيضاً أن تثور عليه وتنزع الخلافة منه!
رأى عُثمان أنَّ الأُمَّة كلَّها ضدَّه وسوف لا تتركه حتى يستجيب لارادتها ، ولم يرَ ناصحاً في هذه الأيَّام الشديدة من حياته غير الإمام عليِّ بن أبي طالب عليه السلام ، حينها أجتمع الناس إلى الإمام عليه السلام وبيَّنوا له فساد الأمر بيد عُثمان ، فنهض الإمام عليه السلام ليكلِّم الخليفة وينصحه ، فقال له : « إنَّ الناس ورائي ، وقد استسفروني بينك وبينهم ، ووالله ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئاً تجهله ، ولا أدلُّك على أمرٍ لا تعرفه ، إنَّك تعلم ما نعلم ، وما سبقناك إلى شيءٍ فنُخبرك عنه ، ولا خلونا بشيء فنبلِّغكه ، وقد رأيتَ كما رأينا ، وسمعتَ كما سمعنا ، وصحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما صحبنا..
وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطَّاب بأولى بعمل الحقِّ منك ، وأنت أقرب إلى أخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشيجة رحمٍ منهما ، وقد نلتَ من صهره ما لم ينالا ، فالله الله في نفسك ، فإنَّك والله ما تُبصَّر من عمىً ، ولا تُعلَّم من جهلٍ ، وإنَّ الطرق لواضحة ، وإنَّ أعلام الدين لقائمة..
فاعلم أنَّ أفضل عباد الله عند الله إمامٌ عادل ، هُدِي وهدى ، فأقام سُنَّةً معلومة ، وأمات بدعةً مجهولة ، وإنَّ السنن لنيِّرةٌ لها أعلام ، وإنَّ البدع لظاهرةٌ لها أعلام. وإنَّ شرَّ الناس عند الله إمامٌ جائرٌ ، ضلَّ وضُلَّ به ، فأمات سُنَّةً مأخوذةً ، وأحيا بدعةً متروكة ، وإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر ، فيُلقى في نار جهنَّم فيدور فيها كما تدور الرحى ، ثُمَّ يرتبط في قعرها..
وإنِّي أُنشدك الله الا تكون إمام هذه الأُمَّة المقتول! فإنَّه كان يُقال : يُقتل في هذه الأُمَّة إمام يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ، ويلبس أمورها عليها ، ويبثُّ الفتن فيها ، فلا يُبصرن الحقَّ من الباطل ، يموجون فيها موجاً ، ويمرجون فيها مرجاً ، فلا تكوننَّ لمروان سيِّقةً يسوقك حيث شاء بعد جلال السنِّ وتقضِّي العمر »!
فقال له عُثمان : « كلِّم الناس فيّ أن يؤجِّلوني حتى أخرج إليهم من مظالمهم ».
فقال عليه السلام : « ما كان بالمدينة فلا أجل فيه ، وما غاب فأجله وصول أمرك إليه »  فكلَّمهم عليٌّ ، فرجع المصريون إلى مصر ، ولكنَّ تأخَّر عُثمان عن تنفيذ ما وعدهم به ، وكان الذي صرفه عن ذلك مروان بن الحكم ، إذ قال لعثمان : تكلَّم وأعلِمِ الناس أنَّ أهل مصر قد رجعوا ، وأنَّ ما بلغهم عن إمامهم كان باطلاً ، قبل أن يجيء الناس إليك من أمصارهم ، ويأتيك ما لا تستطيع دفعه! ففعل عُثمان ذلك .
فثارت الفتنة من جديد ، وانتفضت الجموع الغاضبة ، فتشبَّث عُثمان مرَّةً أُخرى بعليٍّ عليه السلام بعد أن رجع المصريون وحاصروه ، فقال له : « يا ابن عمِّ ، إنَّ قرابتي قريبة ، ولي عليك حقٌّ عظيم ، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم ، وهم مُصبِّحيَّ ، ولك عند الناس قدر وهم يسمعون منك ، وأُحبُّ أن تركب إليهم فتردَّهم عنِّي ».
فقال له عليٌّ عليه السلام : « على أيِّ شيءٍ أردُّهم عنك » ؟
قال : « على أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي ».
فقال عليٌّ : « إنِّي قد كلَّمتك مرَّةً بعد أُخرى ، فكلُّ ذلك نخرج ونقول ، ثُمَّ ترجع عنه ، وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية وعبدالله بن سعد ، فإنَّك أطعتهم وعصيتني ».
قال عُثمان : « فأنا أعصيهم وأُطيعك ».
فأمر الناس ، فركب معه من المهاجرين والأنصار ثلاثون رجلاً ، فأتى المصريِّين فكلَّمهم ، فذكر لهم ما وعد به عُثمان من العمل بالحق وإرضائهم
ولمَّا عاد الإمام عليٌّ عليه السلام من مهمَّته في تبليغ الوعود ، قال لعثمان : « تكلَّم كلاماً يسمعه الناس منك ، ويشهدون عليك ، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة ، فإنَّ البلاد قد تمخَّضت عليك ، فلا آمن أن يجيء ركب آخرين من الكوفة ، فتقول : يا عليُّ اركب إليهم ، ولا أقدر أن أركب إليهم ولا أسمع عذراً ، ويقدم ركب من البصرة ، فتقول : يا عليُّ اركب إليهم ، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك واستخففت بحقِّك ».
فخرج عُثمان فخطب الناس ، فقال بعد الحمد والثناء : أمَّا بعد أيُّها الناس ، فوالله ما عاب من عاب منكم شيئاً أجهله ، وما جئت شيئاً الا وأنا أعرفه ، ولكنِّي فتنتني نفسي وكذَّبتني وضلَّ عنِّي رشدي ، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « من زلَّ فليتب ، ومن أخطأ فليتب ، ولا يتمادَّ في الهلكة ، إنَّ من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق » ، فأنا أوَّل من اتَّعظ ، واستغفر الله ممَّا فعلت وأتوب إليه ، فمثلي نزع وتاب ، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم ، فوالله لئن ردَّني الحقُّ عبداً لأستنَّ بسُنَّة العبد ، ولأذلَّنَّ ذلَّ العبد ، ولأكوننَّ كالمرقوق ، إن مُلِكَ صبر ، وإن عُتِقَ شكر ، وما عن الله مذهب الا إليه ، فلا يعجزنَّ عنكم خياركم أن يدنوا إليَّ ، لئن أبت يميني لتتابعني شمالي ، فوالله لأعطينَّكم الرضا ، ولأُنحينَّ مروان وذويه ولا أحتجب عنكم فرقَّ الناس له ، وبكوا ، وبكى هو أيضاً..
ولمَّا نزل عُثمان وعاد إلى بيته عاب عليه مروان إقراره بالخطأ ، وما أعطاهم من الوعد بالإصلاح والصلاح ، ولم يكن من عُثمان الا أن يركن إلى كلامه ويقول : أُخرج إلى الناس فكلِّمهم ، فإنِّي أستحي أن أُكلِّمهم! وخرج مروان إلى الناس فقال لهم : ما شأنكم ؟ قد اجتمعتم كأنَّكم جئتم لنهب! شاهت الوجوه! جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا! أُخرجوا عنَّا.. ارجعوا إلى منازلكم ، فإنَّا والله ما نحن بمغلوبين على ما في أيدينا .
ولمَّا بلغ عليَّاً عليه السلام هذا الكلام ، وأنّ عُثمان أصرَّ على سياسته التي اختطَّها مروان وغيره ، ولم يستطع أن يغيِّر من موقفهم ، قال : « أي عباد الله ، يا للمسلمين! إنِّي إن قعدت في بيتي قال لي : تركتني وقرابتي وحقِّي ، وإنِّي إن تكلَّمت فجاء ما يريد يلعب به مروان » وقام مغضباً حتى دخل على عُثمان فقال له : « أما رضيت من مروان ولا رضي منك ، الا بتحريفك عن دينك وعن عقلك.. والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه ، وأيمُ الله إنِّي لأراه يوردك ولا يُصدرك! وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، أذهبت شرفك ، وغُلبت على رأيك »  .
وندم عُثمان على فعله ، فبعث إلى عليٍّ عليه السلام يستصلحه ، فقال عليٌّ عليه السلام : « أخبرته إنِّي غير عائد ».. أمَّا الناس فقد حاصروا عُثمان في بيته ومنعوا عنه الماء.. فاشتدَّ عليه الأمر ، وضلَّ حائراً لا يلوي فعل شيء ، الا أن يغلق عليه بابه وينتظر ما سيحدث!
لكنَّ أمير المؤمنين عليه السلام أمر ولديه الحسن والحسين عليهما السلام بحمل سيفيهما والذود عن عُثمان يمنعان الناس عنه..
وذهب عليه السلام إلى طلحة ـ وكان هو الذي قد منع الماء عن عُثمان مع جماعة حوله ـ متناسياً كلَّ ما حدث من عُثمان ، فقال له : « يا طلحة ، ما هذا الأمر منك الذي وقعت فيه » ؟!
قال : « يا أبا الحسن ، بعد ما مسَّ الحزام الطُّبْيَين » .
فقدم الإمام عليه السلام بيت المال ، وكسر الباب وأعطى الناس ، فانصرفوا عن طلحة حتى بقي وحده! فسُرَّ عُثمان بذلك ودخلت عليه الروايا بالماء.
ونقل الطبري وابن الأثير في تاريخيهما ، قول عُثمان بشأن طلحة : « هذا ما أمر به طلحة بن عبدالله ، اللَّهمَّ اكفني طلحة ، فإنَّه حمل عليَّ هؤلاء وألَّبهم عليَّ ، والله إنِّي لأرجو أن يكون منها صفراً ، وإنَّ يُسفك دمه! إنَّه انتهك منِّي ما لا يحلُّ له! ».
أمَّا المصريون الذين كلَّمهم عليٌّ عليه السلام ورجعوا ، فبينما هم في بعض الطريق رأوا راكباً أمره مريب ، فأخذوه وفتَّشوه ، فإذا هو غلام عُثمان يحمل كتاباً بختم عُثمان الى عبدالله بن سعد أن يفعل بهم ويفعل! وكان مروان هو الذي زوَّر هذا الكتاب .
فرجعوا وشدَّدوا الحصار على عُثمان ، بعد أن خيَّروه بين ثلاث : أن يخلع عمَّاله الذين شكتهم الناس ، أو يخلع نفسه ، أو يقتلوه!
وكأنَّه اختار لنفسه القتل ، حيث قال : « ما كنت لأخلع سربالاً سربلنيه الله عزَّ وجلَّ ».

 

عَهْدُ الخَلِيْفَة الحقّ(ع)

قُتل عثمان ولم يبقَ سقيفة ولا شورى، فهرول الناس إلى دار الإمام(ع) لمبايعته، وقد وصف الإمام حالهم بقوله المبارك: فَمَا رَاعَنِي إلاَّ وَالنَّاسُ إليَّ كَعُرْفِ الضَّبُعِ، يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِب، حَتَّى لَقَدْ وُطِىءَ الحَسَنَانِ، وَشُقَّ عِطْفَايَ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلي كَرَبِيضَةِ الغَنَمِ… أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِم، وَلا سَغَبِ مَظْلُوم، لاََلقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِها، وَلاََلفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز:

وقد تمت بيعة الإمام(ع) يوم الجمعة في الخامس والعشرين من ذي الحجة عام خمسة وثلاثين للهجرة.

وعن أبي ثور ـ كما جاء في ( الإمامة والسياسة ) ـ أنَّه قال : « لمَّا كانت البيعة بعد مصرع عثمان خرجت في اثر عليٍّ عليه السلام والناس حوله يبايعونه ، فدخل حائطاً من حيطان بني مازن ، فألجأوه إلى نخلة وحالوا بيني وبينه ، فنظرت إليهم وقد أخذت أيدي الناس ذراع الإمام ، تختلف أيديهم على يده ، ثُمَّ أقبلوا به إلى المسجد الشريف ، فكان أوَّل من صعد المنبر في المسجد طلحة وبايعه بيده ، وكانت أصابعه شلاء ، فتطيَّر منها عليٌّ عليه السلام وقال : « ما أخلقها أن تنكث » ، ثُمَّ بايعه الزبير وأصحاب النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وجميع من في المدينة من المسلمين

وكان ممَّن تخلَّف عن بيعته يوم ذاك : حسَّان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وزيد بن ثابت ، ومروان بن الحكم ، وسعد بن أبي وقَّاص ، وعبدالله بن عمر ، ومعاوية ومن معه في جماعة أهل الشام وآخرون، وعائشة بنت أبي بكر

 

سِيَاسَةُ الإِصْلاح

لقد بدأت تلك السياسة الربانية العادلة بقوله(ع): اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَان، وَلاَ الِْتمَاسَ شِيء مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، وَلكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَنُظْهِرَ الاِْصْلاَحَ فِي بِلاَدِكَ، فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ، اللَّهُمْ إِنّي أَوَّلُ مَنْ أَنابَ، وَسَمِعَ وَأَجَابَ، لَمْ يَسْبِقْنِي إِلاَّ رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله)بِالصَّلاَةِ:

ففي تلك المرحلة قام العدل ووُضعت النقاط على الحروف ورجع الحق إلى أهله وبدأت القصة الخالدة التي كانت إكمالاً لرسالة السماء وإتماماً للحجة.

وأهم ما قام به الإمام(ع) فور توليه الحكم أمور ثلاثة:

أوَّلاً : باشر الإمام في تنفيذ العدل والمساواة بين الرعية..
وثانياً : مراقبة العمَّال والأُمراء.

ثالثاً : القتال على تأويل القرآن

 

إِلْغَاءُ التَّمَايُز الطَّبَقِيّ

ساد في عهد الثاني والثالث تمايز طبقي في توزيع الثروة من بيت المال ، حتى أصبح الناس قسمين ، قسم في عداد الأثرياء وما فوق ذلك ، وآخرون لا يرتفعون عن مستوى الفقر كثيراً! حتى تسبَّبت هذه السياسة الظالمة في استثراء تفاوت طبقي خطير.. فأعلن الإمام عليٌّ عليه السلام إلغاء التمايز الطبقي بكلِّ أسبابه ، وعهد إلى التسوية بين الناس في العطاء ، فالناس عنده سواسية كأسنان المشط ، وانقطعت آمال الطبقة الغنية التي لم تنظر للدنيا الا في منظار مادِّي.
ولمَّا نودي لقبض الحقوق ، قال الإمام عليٌّ عليه السلام لعبيدالله بن أبي رافع : إبدأ بالمهاجرين فناديهم ، وأعطِ كلَّ رجلٍ ممَّن حضر ثلاثة دنانير ، ثُمَّ ثنِّ بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك ، ومن حضر من الناس كلُّهم الأحمر والأسود فاصنع به مثل ذلك: وتخلَّف يومذاك رجال منهم : طلحة ، والزبير ، وعبدالله بن عمر ، وسعد بن العاص ، ومروان بن الحكم ، قد عزَّ عليهم أن يكونوا كغيرهم من الموالي والعبيد!
هناك خطب الإمام عليٌّ عليه السلام مرَّةً أُخرى قال فيه : « هذا كتاب الله بين أظهرنا ، وعهد رسول الله وسيرته فينا ، لا يجهل ذلك الا جاهل عانَدَ عن الحقِّ ، منكر ، قال تعالى : ( يَاأيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أتْقَاكُم )  ثُمَّ صاح بأعلى صوته ( أطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإن تَوَلَّوا فَإنَّ اللهَ لأ يُحِبُّ الْكَافِرِين )! أتمنُّون على الله ورسوله بإسلامكم ؟! ( بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أنْ هَدَاكُمْ لِلإِِيمَانِ إن كُنتُمْ صَادِقِين ) أنا أبو الحسن ، ألا إنَّ هذه الدنيا التي أصبحتم تمنُّونها وترغبون فيها ، وأصبحت تُغضبكم وترضيكم ، ليست بداركم ولا منزلكم الذي خُلقتم له ، فلا تغرَّنكم فقد حذَّرتكموها، فأمَّا هذا الفيء فليس لأحدٍ على أحدٍ فيه أثرة ، وقد فرغ الله من قسمته ، فهو مال الله ، وأنتم عباد الله المسلمون.. وهذا كتاب الله به أقررنا وله أسلمنا ، وعهد نبيِّنا بين أظهرنا ، فمن لم يرضَ به فليتولَّ كيف يشاء! فإنَّ العامل بطاعة الله والحاكم بحكم الله لا وحشة عليه ».

سِيَاسَتُهُ فِيْ الحُكْم

أفضل ما يمكن أن يصف لنا هذه السياسة العادلة هي قوله(ع) في نهج البلاغة:

ثُمَّ جَعَلَ ـ سُبْحَانَهُ ـ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْض، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلاَ يُسْتَوْجَبُ بعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْض.

وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ ـ سُبْحَانَهُ ـ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ، عَلَى الْوَالِي، فَرِيضةً فَرَضَهَا اللهُ ـ سُبْحَانَهُ ـ لِكُلّ عَلَى كُلّ، فَجَعَلَهَا نِظَاماً لاُِلْفَتِهِمْ، وَعِزّاً لِدِينِهِمْ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِصَلاَحِ الْوُلاَةِ، وَلاَ تَصْلُحُ الْوُلاَةُ إِلاَّ بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ.

فَإِذا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ، وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا، عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلاَلِهَا السُّنَنُ، فَصَلَحَ بِذلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الاَْعْدَاءِ.

وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ، اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ

الْكَلِمَةُ، وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ، وَكَثُرَ الاِْدْغَالُ فِي الدِّينِ، وَتُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَعُطِّلَتِ الاَْحْكَامُ، وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ، فَلاَ يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ، وَلاَ لِعَظِيمِ بَاطِل فُعِلَ! فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الاَْبْرَارُ، وَتَعِزُّ الاَْشْرَارُ، وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللهِ عِنْدَ الْعِبَادِ.

فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذلِكَ، وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ ـ وَإنِ اشْتَدَّ عَلَى رِضَى اللهِ حِرْصُهُ، وَطَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ ـ بِبَالِغ حَقِيقَةَ مَا اللهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ، وَلكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللهِ عَلى العِبَادِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى إقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ. وَلَيْسَ امْرُؤٌ ـ وَإنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ ـ بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللهُ مِنْ حَقِّهِ. وَلاَ امْرُؤٌ ـ وَإِنْ صَغَّرَتْهُ النُّفُوسُ، وَاقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ ـ بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلى ذلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ.

 

إِسْتِبْدَالُ الوُلاة

انتخب الإمام عليٌّ عليه السلام رجالاً من الذين أُبعدوا في عهد سابقيه دون أدنى سبب ، جعلهم مكان الولاة الذين ضجَّت الأُمَّة من سياستهم المنحرفة ، كالوليد بن أبي معيط ـ الذي سمَّاه القرآن فاسقاً ـ وعبدالله بن أبي سرح ، الذي انتفضت عليه مصر ، وعبدالله بن عامر ، ومعاوية الرجل المتجبِّر!
وأمَّا البدائل ، فهم : قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ، والأنصاريان الجليلان : سهل بن حنيف وعُثمان بن حنيف ، بدائل عن ابن أبي سرح وابن عامر ومعاوية ، على مصر والبصرة والشام
وجعل عبيدالله بن عبَّاس على اليمن ، وقثم بن عبَّاس على مكَّة.
لكنَّ عقبة استبدال معاوية كانت هي الأشدُّ ، حيث تربَّع على العرش ، يذبح شيعة الإمام عليٍّ عليه السلام ويستنُّ السنن لأهل الشام ، الذين لا يعرفون من الإسلام الا ما يعرِّفهم به معاوية ، فعمل على أن لا يبقي في الشام صحابياً ، فأخرج منها أبا ذرٍّ ، وعبادة بن الصامت وغيرهم ، لتخلو له أرض الشام فلا يعرفوا غيره!

 

وَقْعَةُ الجَمَل

بينما كان الإمام عليٌّ يجهِّز جيشاً إلى الشام بقيادته؛ لكسح معاوية أتاه الخبر عن طلحة والزبير وعائشة من مكَّة بما عزموا عليه ، فاستعدَّ لحرب الناكثين، وسار من المدينة في آخر شهر ربيع الآخر سنة ستٍّ وثلاثين، واستغلَّ هذا الجانب سخط عائشة على الإمام عليٍّ عليه السلام ومواقفها العدائية منه.. فلمَّا كانت بمكَّة ، وقد خرجت إليها قبل أن يُقتل عُثمان ، فلمَّا كانت في بعض طريقها راجعةً إلى المدينة لقيها ابن أمِّ كلاب ، فقالت له : ما فعل عُثمان ؟ قال : قُتل! قالت : بُعداً وسحقاً ، فمن بايع الناس ؟
قال : طلحة. قالت : إيهاً ذو الإصبع. ثمَّ لقيها آخر ، فقالت : ما فعل الناس ؟
قال : بايعوا عليَّاً. قالت : والله ما كنت أُبالي أن تقع هذه على هذه ، ثُمَّ رجعت إلى مكَّة. فانصرفت إلى مكَّة وهي تقول : قُتل والله عُثمان مظلوماً ، والله لأطلبنَّ بدمه!
قيل لها : ولِمَ ؟ والله إنَّ أوَّل من أمال حَرْفَه لأنتِ ، ولقد كنتِ تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر.
قالت : إنَّهم استتابوه ، ثُمَّ قتلوه ، وقد قلتُ وقالوا ، وقولي الأخير خيرٌ من قولي الأوَّل.

وقبل أن يخرج موكب عائشة ويدلو بدلوه ، كان الإمام عليه السلام يقول : « أمرتُ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين » ، فما مضت الأيَّام حتى قاتلهم ، وهذه من جملة الآيات الدالَّة عليه ، وقوله عليه السلام لطلحة والزبير لمَّا استأذناه في الخروج إلى العمرة ، قال : « والله والله ما تريدان العمرة وإنَّما تريدان البصرة » !
وكان من نتائج هذا التمرُّد  معركة البصرة ، أوَّل نكث لبيعة الإمام عليه السلام التي انتهت بفشل موكب عائشة وقتل طلحة والزبير وعشرات الألوف من المسلمين!
تهيَّأت عائشة للخروج إلى البصرة ، وأتت أُمُّ سلمة فكلَّمتها في الخروج معهم ، فردَّت عليها أُمُّ سلمة قائلةً : أفأُذكِّرك ؟ قالت : نعم. قالت أُمُّ سلمة : أتذكرين إذ أقبل رسول الله ونحن معه ، فخلا بعليٍّ يناجيه ، فأطال فأردتِ أن تهجمي عليهما ، فنهيتك عصيتيني ، فهجمتِ عليهما ، فما لبثت أن رجعتِ باكية ، فقلتُ : ما شأنك ؟ فقلت : إنِّي هجمت عليهما وهما يتناجيان ، فقلتُ لعليٍّ : ليس لي من رسول الله الا يوم من تسعة أيَّام ، أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي! فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليَّ وهو غضبان محمرُّ الوجه ، فقال : « ارجعي وراءك ، والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس الا وهو خارج من الإيمان » ؟
قالت عائشة : نعم أذكر  .
لكن لم يردعها كلام ولا رادع ، فلم تنثنِ عن عزمها ، ولم ترجع إلى عقلها ، فتجهَّزت ومن معها إلى البصرة لتؤلِّب الناس على الإمام عليٍّ عليه السلام فكانت أحداث معركة الجمل.
تحرَّك موكب الناكثين بقيادة عائشة وطلحة والزبير نحو البصرة ، وقد حفَّ به الحاقدون على الإمام عليٍّ عليه السلام تحت شعار : « الثأر لعثمان » ، فلمَّا بلغوا « ذات عرق » لقيهم سعيد بن العاص ومروان بن الحكم وأصحابه ، فقال لهم : أين تذهبون تتركون ثأركم على أعجاز الإبل وراءكم ؟ ـ يعني عائشة وطلحة والزبير ـ اقتلوهم ثُمَّ ارجعوا إلى منازلكم. فقالوا : نسير لعلَّنا نقتل قتلة عُثمان جميعاً ، ومرَّ القوم ليلاً بماء يُقال له : الحوأب ، فنبحتهم كلابه ، فقالت عائشة : ما هذا الماء ؟
قال بعضهم : ماء الحوأب.
فقالت : إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون ، هذا الماء الذي قال لي رسول الله : « لا تكوني التي تنبحكِ كلاب الحوأب ». ثمَّ صرخت بهم : ردُّوني ردُّوني!!
فأتاها القوم بأربعين رجلاً ، فأقسموا بالله أنَّه ليس بماء الحوأب! وأتى عبدالله بن الزبير ، فحلف لها بالله لقد خلَّفتهِ أوَّل الليل ، وأتاها ببيِّنة زور من الأعراب فشهدوا بذلك . فكان ذلك أوَّل شهادة زور أُقيمت في الإسلام.
وأمّا الإمام علي فلما بلغه نبأ مسيرهم إلى البصرة ، حمد الله وأثنى عليه ، ثُمَّ قال : « قد سارت عائشة وطلحة والزبير ، كلُّ واحدٍ منهما يدَّعي الخلافة دون صاحبه ، فلا يدَّعي طلحة الخلافة الا أنَّه ابن عمِّ عائشة ، ولا يدَّعيها الزبير الا أنَّه صهر أبيها. والله لئن ظفرا بما يريدان ليضربنَّ الزبير عنق طلحة ، وليضربنَّ طلحة عنق الزبير ، يُنازع هذا على الملك هذا.
وقد ـ والله ـ علمتُ أنَّها الراكبة الجمل ، لا تحلُّ عقدةً ولا تسيرُ عقبةً ، ولا تنزلُ منزلاً الا إلى معصيةٍ ، حتى تورد نفسها ومن معها مورداً ، يُقتل ثلثهم ويهرب ثلثهم ويرجعُ ثلثهم.
والله إنَّ طلحة والزبير ليعلمان أنَّهما مُخطئان وما يحملان ، ولربَّما عالم قتله جهلُهُ وعلمه معه لا ينفعه. والله لينبحها كلاب الحوأب ، فهل يعتبر معتبرٌ أو يتفكَّر متفكِّرٌ »!
ثمَّ قال : « قد قامت الفئة الباغية فأين المحسنون » ؟
ثمَّ دعا على طلحة والزبير أمام مسلمي الكوفة ، فقال : « قد علمتم ـ معاشر المسلمين ـ أنَّ طلحة والزبير بايعاني طائعين راغبين ، ثُمَّ استأذناني في العمرة فأذنتُ لهما ، فسارا إلى البصرة فقتلا المسلمين وفعلا المنكر.
اللَّهمَّ إنَّهما قطعاني وظلماني ونكثا بيعتي وألَّبا الناس عليَّ ، فاحلُل ماعقدا ، ولا تُحكمْ ما أبرما ، وأرهما المساءة فيما عملا »
وكانت الواقعة في 4 كانون الأوَّل سنة 646م ، يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة 36هـ .
وكانت الوقعة خارج البصرة ، عند قصر عبيدالله بن زياد وكان عسكر الإمام عشرين ألفاً ، وعسكر عائشة ثلاثين ألفاً .
ولمَّا التقى الجمعان قال الإمام لأصحابه : « لا تبدأوا القوم بقتال ، وإذا قاتلتموهم فلا تجهزوا على جريح ، وإذا هزمتموهم فلا تتَّبعوا مدبراً ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تمثِّلوا بقتيل ، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا ستراً ، ولا تدخلوا داراً ، ولا تأخذوا من أموالهم شيئاً.. ولا تهيجوا امرأةً بأذى وإن شتمن أعراضكم ، وسَبَبنَ أمراءكم وصلحاءكم » .

ثمَّ أخذ أصحاب الجمل يرمون عسكر الإمام بالنبال ، حتى قُتل منهم جماعة ، فقال أصحاب الإمام : عقرتنا سهامهم ، وهذه القتلى بين يديك..
عند ذلك استرجع الإمام وقال : « اللَّهمَّ اشهد » ، ثُمَّ لبس درع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقلَّد سيفه ورفع راية رسول الله السوداء المسمَّاة بالعقاب؛ فدفعها إلى ولده محمَّد بن الحنفية.
وتقابل الفريقان للقتال ، فخرج الزبير ، وخرج طلحة بين الصفَّين ، فخرج إليهما عليٌّ ، حتى اختلفت أعناق دوابِّهم ، فقال عليٌّ عليه السلام : « لعمري قد أعددتما سلاحاً وخيلاً ورجالاً إن كنتما أعددتما عند الله عذراً ، فاتَّقيا الله ، ولا تكونا ( كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنكَاثاً ) .
ألم أكن أخاكما في دينكما ، تُحرِّمان دمي ، وأُحرِّم دمكما ، فهل من حدثٍ أحلَّ لكما دمي » ؟!
قال طلحة : ألَّبت على عُثمان.
قال عليٌّ : « ( يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقّ ) ، يا طلحة ، تطلب بدم عُثمان ؟! فلعن الله قتلة عُثمان ، يا طلحة ، أجئت بِعرس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقاتل بها ، وخبَّأتَ عرسك في البيت! أما بايعتني ؟! ».
قال : بايعتك والسيف على عنقي!
فقال عليٌّ عليه السلام للزبير : « يا زبير ، ما أخرجك ؟ قد كنَّا نعدُّك من بني عبدالمطَّلب حتى بلغ ابنك ابن السوء ، ففرَّق بيننا » وذكَّره أشياء ، فقال : « أتذكر يوم مررت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بني غنم ، فنظر إليَّ ، فضحك ، وضحكت إليه ، فقلتَ له : لا يدع ابن أبي طالب زهوه ، فقال لك : ليس به زهوٌ ، لتقاتلنَّه وأنت ظالم له ؟ ».
قال : اللَّهمَّ نعم ، ولو ذكرت ما سرتُ مسيري هذا ، والله لا أُقاتلك أبداً.
فانصرف الزبير إلى عائشة ، فقال لها : ما كنتُ في موطن منذ عقلت الا وأنا أعرف فيه أمري ، غير موطني هذا. قالت : فما تريد أن تصنع ؟ قال : أُريد أن أدعهم وأذهب.
قال له ابنه عبدالله : جمعت بين هذين الغارين ، حتى إذا حدَّد بعضهم لبعض أردت أن تتركهم وتذهب ؟! لكنَّك خشيت رايات ابن أبي طالب ، وعلمت أنَّها تحملها فتيةٌ أنجاد ، وأنَّ تحتها الموت الأحمر ، فجبنت!
فاحفظه ـ أي : أغضبه ـ ذلك ، وقال : إنِّي حلفتُ الا أُقاتله.
قال : كفِّر عن يمينك ، وقاتله.
فأعتق غلامه ( مكحولاً ) ، وقيل : سرجيس.
فقال عبدالرحمن بن سلمان التميميُّ :

لم أرَ كاليوم أخا إخوانِ * أعْجَبَ من مُكَفِّرِ الايمانِ
بالعتق في معصية الرحمن

وقيل : إنَّه عاد ولم يقاتل الإمام عليه السلام.
واحتدمت المعركة بين الفريقين ، وتقاتلوا قتالاً لم يشهد تاريخ البصرة
أشدَّ منه ، ثُمَّ إنَّ مروان بن الحكم رمى طلحة بسهمٍ وهو يقاتل معه ضدَّ عليٍّ عليه السلام ! يرميه فيرديه ويقول : لا أطلب بثأري بعد اليوم .
واستمرَّ الحال في أشدِّ صراعٍ ، لم يرَ سوى الغبرة وتناثر الرؤوس والأيدي ، فتتهاوى أجساد المسلمين على الأرض.
ولمَّا رأى الإمام هذا الموقف الرهيب من كلا الطرفين ، وعلم أنَّ المعركة لا تنتهي أبداً مادام الجمل واقفاً على قوائمه قال : « إرشقوا الجمل بالنبل ، واعقروه والا فنيت العرب ، ولايزال السيف قائماً حتى يهوي هذا البعير إلى الأرض ». فقطعوا قوائمه ، ثُمَّ ضربوا عجز الجمل بالسيف ، فهوى إلى الأرض وعجَّ عجيجاً لم يُسمع بأشدِّ منه. فتفرَّق من كان حوله كالجراد المبثوث ، وبقيت قائدة المعركة لوحدها في ميدان الحرب! وانتهت المعركة بهزيمة المتمرِّدين من أصحاب الجمل.

 

 

حَرْبُ صفِّيْن

 

لما انتهت فتنة الجمل استعد الإمام لحرب معاوية، وكان(ع) قد أرسل إلى معاوية قبل ذلك يدعوه إلى الطاعة فرفض واختار القتال، وجهز جيشاً كبيراً واتجه نحو العراق.

وصل الإمام إلى صفين في ذي القعدة وبدأت الحرب في أول ذي الحجة عام 36 للهجرة، وحصلت هدنة في شهر محرم، ثم استأنف القتال في أول شهر صفر وانتهي في الثالث عشر منه، فعسكَرَ الإمام في النُّخَيلة، ونزل معاوية في وادي صفين، فأؤسل الإمام مقاتليه فقاتلوهم أشد قتال حتى أبعدوا جيش معاوية عن الماء، ومنعوا أهل الشام من الشرب فأرسل لهم الإمام(ع) قائلاً: خذوا من الماء حاجتكم وخلُّوا عنهم ، فإنَّ الله نصركم بغيِّهم وظلمهم: ثم بعث الإمام إلى معاوية يدعوه إلى الطاعة فرفض أيضاً وقال: انصرفوا من عندي ، فليس بيني وبينكم الا السيف:

واحتدم القتال بين الطرفين ، فاقتتلوا يومهم كلَّه قتالاً شديداً لم يشهد له تاريخ الحروب مثيلاً ، ثُمَّ تقدَّم الإمام عليٌّ عليه السلام بمن معه يتقدَّمهم عمَّار بن ياسر ، ولمَّا برز لعمر بن العاص قال عمَّار : « لقد قاتلت صاحب هذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرّات ، وهذه الرابعة ما هي بأبرَّ وأنقى » يعني : راية معاوية.
وقد تضعضع الكثيرون من أتباع ابن أبي سفيان لموقف عمَّار ، لأنَّ مقولة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه لم تكن خافيةً على أحدٍ من الناس : « فطوبى لعمَّار تقتله الفئة الباغية ، عمَّار مع الحقِّ يدور معه كيفما دار.

ولمَّا قُتل عمَّار ، قال عليٌّ لربيعة وهمدان : « أنتم درعي ورمحي » فانتدب له نحو من اثني عشر عليه السلام وتقدَّمهم عليٌّ على بغلة ، فحملوا معه حملة رجلٍ واحدٍ ، فلم يبقَ لأهل الشام صفٌّ الا انتقض ، وقتلوا كلَّ من انتهوا إليه.. حتى رأوا الظفر.

واستمرَّ القتال ليلةً كاملة حتى الصباح. فتطاعنوا حتى تقصَّفت الرماح ، وتراموا حتى نفد النبل ، وكان الأشتر في الميمنة وابن عبَّاس في الميسرة وعليٌّ عليه السلام في القلب ، والناس يقتتلون من كلِّ جانبٍ ، حتى أصبحوا والمعركة خلف أظهرهم.

رَفْعُ المَصَاحِف

لمَّا رأى عمرو أنَّ أمر أهل العراق قد اشتدَّ وخاف الهلاك ، قال لمعاوية : هل لك في أمرٍ أعرضه عليك ، لا يزيدنا الا اجتماعاً ، ولا يزيدهم الا فرقةً ؟
قال : نعم. قال : نرفع المصاحف ، ثُمَّ نقول : هذا حكم بيننا وبينكم.
فرفعوا المصاحف بالرماح وقالوا : هذا كتاب الله عزَّ وجلَّ بيننا وبينكم ، مَنْ لثغور الشام بعد أهله ؟ مَنْ لثغور العراق بعد أهله ؟ فلمَّا رآها الناس قالوا : نجيب إلى كتاب الله. فقال لهم عليٌّ عليه السلام : « عباد الله امضوا على حقِّكم وصدقكم وقتال عدوِّكم ، فإنَّ معاوية وعمراً وابن أبي معيط وحبيباً وابن أبي سرح والضحَّاك ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، أنا أعرَف بهم منكم ، قد صحبتهم أطفالاً ثُمَّ رجالاً ، فكانوا شرَّ أطفال وشرَّ رجال ، ويحكم والله ما رفعوها الا خديعةً ووهناً ومكيدة ».
فقالوا له : لا يسعنا أن نُدعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله!
فقال لهم عليٌّ عليه السلام : « فإنِّي إنَّما أُقاتلهم ليدينوا لحكم الكتاب ، فإنَّهم قد عصو الله فيما أمره ونسوا عهده ونبذوا كتابه ». فقال له جماعة من المسلمين ، الذين صاروا خوارج بعد ذلك : يا عليُّ ، أجب إلى كتاب الله عزَّ وجلَّ إذا دُعيت إليه ، والا دفعناك برمَّتك إلى القوم ، أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفَّان!
قال : « فاحفظوا عنِّي نهيي إيَّاكم ، واحفظوا مقالتكم لي ، فإن تطيعوا فقاتلوا ، وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم » .
لم تكن بينهم وبين معاوية الا بضعة أمتار ، فلولا وقوع هؤلاء في الفخ الذي نصبه معاوية لاستطاع الإمام عليه السلام أن يسيطر على الموقف ويستأصل رأس الفتن ، ولكنَّ مسألة التحكيم غيَّرت مجرى الأُمور إلى أسوأ حال ، فحالت دون تحقيق الهدف المنشود ، وقُدِّر لهذه المؤامرة أن تنجح وأن تجرَّ وراءها المصائب والويلات!
ثمَّ قالوا للإمام : ابعث إلى الأشتر فليأتكَ ، فرجع الأشتر مغضباً بعدما أوشك على النصر ، فأقبل إليهم الأشتر ، وقال : يا أهل العراق! يا أهل الذلِّ والوهن! أحين علوتم القومَ وظنُّوا أنَّكم لهم قاهرون ، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها ، وهم والله قد تركوا ما أمر الله به فيها وسُنَّة مَنْ أُنزلت عليه ؟ فأمهلوني فواقاً ، فإنِّي قد أحسستُ الفتح .لكنَّهم أبوا الا التحكيم!
وجعل أهل الشام عمرو بن العاص على التحكيم ، وأراد الإمام عليه السلام أن يجعل عبدالله بن عبَّاس ، لكنَّهم أبوا الا أبا موسى الأشعري ، ولمَّا رأى أنه لاتنفع معهم حجَّة حكَّمه على مضض!
وحضر عمرو بن العاص عند عليٍّ عليه السلام ليكتب القضية بحضوره ، فكتبوا :
بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما تقاضا عليه أمير المؤمنين ، فقال عمرو : اكتب اسمه واسم أبيه ، هو أميركم وأمَّا أميرنا فلا. فقال الأحنف : لا تمحُ اسم إمارة أمير المؤمنين ، فإنِّي أخاف إن محوتها أن لا ترجع إليه أبداً ، فلا تمحُها وإن قتل الناس بعضهم بعضاً ، فأبى ذلك عليٌّ عليه السلام ملياً من النهار.
ثُمَّ إنَّ الأشعث بن قيس قال : امحُ هذا الاسم ، فمُحي ، فقال عليٌّ : « الله أكبر! سُنَّة بسُنَّة ، والله إنِّي لكاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يوم الحديبية فكتبتُ : محمَّد رسول الله ، وقالوا : لستَ برسول الله ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك ، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمحوه ، فقلتُ : لا أستطيع ، فقال : أرنيه ، فأريته ، فمحاها بيده ، وقال : إنَّك ستُدعى إلى مثلها فتجيب ».
فقال عمرو : سبحان الله! أتشبِّهنا بالكفَّار ونحن مؤمنون!
فقال عليٌّ عليه السلام : « يا ابن النابغة ، ومتى لم تكن للفاسقين ولياً ، وللمؤمنين عدوّاً ؟ » فقال عمرو : والله ، لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد هذا اليوم أبداً.
فقال عليٌّ عليه السلام : « إنِّي لأرجو أن يطهِّر الله مجلسي منك ومن أشباهك » ..
وتمّت كتابة الكتاب بجعل كتاب الله الحاكم في كلِّ الأُمور ، وما لم يجد في كتاب الله فالسُنَّة العادلة الجامعة غير المفرِّقة.. واُجِّل القضاء إلى رمضان.
ولمَّا انتهت مسألة التحكيم ، قال نفرٌ من أصحاب الإمام : كيف تُحكِّمون الرجال في دين الله ؟! لا حكم الا لله ، وكانوا يعترضون الإمام في خطبته بشعارهم « لا حكم الا لله » لذلك سُمُّوا بالمحكِّمة. فكانوا ما يقارب اثني عشر ألفاً.. فنزلوا في ناحية يُقال لها : « حروراء » لأجلها سُمُّوا بالحرورية..
فحاججهم الإمام عليه السلام بقوله الأوَّل قبل التحكيم ، ثُمَّ قال لهم : « قد اشترطتُ على الحكمين أن يُحييا ما أحيا القرآن ، ويُميتا ما أمات القرآن ، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف ، وإن أبيا فنحن عن حكمهما براء ».
قالوا : أتراه عدلاً تحكيم الرجال في الدماء ؟
قال : « إنَّا لسنا حكَّمنا الرجال ، إنَّما حكَّمنا القرآن ، وهذا القرآن إنَّما هو خطٌّ مسطور بين دفَّتين لا ينطق ، إنَّما يتكلَّم به الرجال » ثمَّ رجعوا مع الإمام عليه السلام.
فلمَّا التقى الحكمان : أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص ، وخُدِع أبو موسى؛ إذ مكر به عمرو ، قال له : أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسنُّ منِّي فتكلَّم ، وأراد عمرو بذلك كلِّه أن يقدِّمه في خلع عليٍّ ، قال له : نخلع عليَّاً ومعاوية معاً ، ونجعل الأمر شورى ، فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبُّوا.
فتقدَّم أبو موسى فأعلن على الملأ الحاضرين أنَّه قد خلع عليَّاً من الخلافة ثُمَّ تنحَّى. وأقبل عمرو فقام ، وقال : إنَّ هذا قد قال ما سمعتموه وخلع صاحبه ، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه ، وأُثبت صاحبي معاوية!  فدُهش أبو موسى وشتم عمرو وشتمه عمرو ، وانفضَّ التحكيم عن هذه النتيجة!
والتمس المسلمون أبا موسى فهرب إلى مكَّة ، ثُمَّ انصرف عمرو وأهل الشام الى معاوية فسلَّموا عليه بالخلافة.
مع هذه النتيجة عاد عليّ عليه السلام يعمل على إعادة نظم جيشه ، استعداداً لمرحلة جديدة من الحروب مع أهل الغدر ، ولكن فتناً جديدة نجمت بين أصحابه ستمنع من انطلاقته صوب أهدافه..
قام يوماً خطيباً بين أصحابه ، فقام إليه رجل من اُولئك « المحكمّة » فقال : لا حكم الا لله! ثُمَّ توالى عدَّة رجال يحكِّمون. فقال عليٌّ عليه السلام : « الله أكبر ، كلمة حقٍّ أُريدَ بها باطل! أما إنَّ لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا : لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه ، ولا نمنعكم الفيء مادامت أيديكم في أيدينا ، ولا نقاتلكم حتى تبدأوا ، وإنَّما نتّبع فيكم أمر الله » ..
بهذه الأخلاق النبيلة تعامل الإمام مع المارقين ، ورغم ذلك فقد مضوا على غيّهم ، فاعتزلوا بقيادة عبدالرحمن بن وهب الراسبي ، ثمَّ خرجوا من الكوفة.
فبايع المسلمون الإمام عليَّاً عليه السلام وقالوا : « نحن أولياء من واليت ، وأعداء من عاديت » فشرط فيهم سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

 

حَرْبُ النّهْرَوَان

 

لمَّا بلغ عليَّاً عليه السلام قتل « المحكِّمة » لعبدالله بن خباب بن الأرت واعتراضهم الناس ، وقتلهم مبعوث الإمام إليهم ، قال المسلمون الذين معه : يا أمير المؤمنين علامَ ندع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا ؟ سر بنا إلى القوم ، فإذا فرغنا منهم سرنا الى عدوِّنا من أهل الشام.
فرجع عليه السلام بجنده الذين ذعروا على أهليهم من خطر الخوارج ، والتقت
الفئتان في النهروان ، فلم يبدأهم الإمام عليه السلام بحرب ، حتى دعاهم إلى الحجَّة والبرهان ، فبعث إليهم ابن عبَّاس أمامه ، فناظرهم بالحجَّة والمنطق السليم ، لكنَّهم أصرُّوا على العمى والطغيان! ثُمَّ تقدَّم الإمام عليه السلام ، وذكَّرهم نهيه عن قبول التحكيم وإصرارهم عليه ، حتى لم يبقَ لديهم حجَّة ، وحتى رجع أكثرهم وتاب ، وممَّن رجع يومذاك إلى رشده : عبدالله بن الكوَّا أمير الصلاة فيهم . وأبى بعضهم الا القتال!!
وتعبأ الفريقان ، ثمَّ جاءت الأنباء أنَّ الخوارج قد عبروا الجسر ، فقال عليه السلام : « والله ما عبروا ، ولا يقطعونه ، وإنَّ مصارعهم لدون الجسر » ، ثُمَّ ترادفت الأخبار بعبورهم وهو عليه السلام يحلف أنَّهم لن يعبروه وأنَّه « والله لا يفلتُ منهم عشرة ، ولا يهلك منكم عشرة »! فكان كلُّ ذلك كما أخبر به الإمام عليٌّ عليه السلام ، فأدركوهم دون النهر ، فكبَّروا ، فقال الإمام عليه السلام : « والله ما كذبتُ ولا كُذبت » .
وكان عليٌّ عليه السلام قد قال لأصحابه : كُفُّوا عنهم حتى يبدأوكم ، فتنادوا : الرواح إلى الجنَّة! وحملوا على الناس . واستعرت الحرب ، واستبسل أصحاب الإمام عليه السلام استبسالاً ليس له نظير ، فلم ينجُ من الخوارج الا ثمانية فرُّوا هنا وهناك ، ولم يُقتل من أصحاب الإمام عليه السلام غير تسعة ، وقيل : سبعة
وانجلت الحرب بانجلاء الخوارج وهلاكهم ، وقد روى جماعة أنَّ عليَّاً عليه السلام كان يحدِّث أصحابه قبل ظهور الخوارج ، أنَّ قوماً يخرجون ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة ، علامتهم رجل مُخدَج اليد ، سمعوا ذلك منه مراراً .
فقال الإمام عليه السلام : « اطلبوا ذي الثُديَّة » ، فقال بعضهم : ما نجده ، وقال آخرون : ما هو فيهم ، وهو يقول : « والله إنَّه لفيهم! والله ما كذبتُ ولا كُذبتُ » وانطلق معهم يفتِّشون عنه بين القتلى حتى عثروا عليه ، ورأوه كما وصفه لهم ، قال : « الله أكبر ، ما كذبتُ ولا كُذبت ، لولا أن تنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قصَّ الله على لسان نبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم لمن قاتلهم ، مستبصراً في قتالهم ، عارفاً للحقِّ الذي نحن عليه » .
وقال عليه السلام حين مرَّ بهم وهم صرعى : « بؤساً لكم! لقد ضرَّكم من غرَّكم »!
قالوا : يا أمير المؤمنين مَنْ غرَّهم ؟
قال : « الشيطان وأنفسٌ أمَّارة بالسوء ، غرَّتهم بالأماني ، وزيَّنت لهم المعاصي ، ونبَّأتهم أنَّهم ظاهرون » .

 

إِسْتِشهَادُ الإِمَامِ عَليٍّ(ع)

كان سبب قتله أنَّ نفراً من الخوارج اجتمعوا بمكَّة ، فتذاكروا أمرالناس وعابوا عمل ولاتهم ، ثُمَّ ذكروا أهل النهر فترحَّموا عليهم ، وقالوا : مانصنع
بالبقاء بعدهم ؟ فلو شرينا أنفسنا وقتلنا أئمة الضلالة وأرحنا منهم البلاد!
وقال عبدالرحمن بن ملجم المرادي ـ لعنه الله ـ : أنا أكفيكم عليَّاً ، وكان من أهل مصر. وقال البرك بن عبدالله التميمي الصُريمي : أنا أكفيكم معاوية. أمَّا عمرو بن بكر التميمي ، فقال : أنا أكفيكم عمرو بن العاص. وتعاهدوا على ذلك وأخذوا سيوفهم فسمُّوها ، واتَّعدوا لسبع عشرة من رمضان ، وقصد كلٌّ منهم الجهة التي يريد.
فأتى ابن مُلجم الكوفة كاتماً أمره ، فبينما هو هناك إذ زار أحداً من أصحابه من تيم الرباب ، فصادف عندهُ قطام بنت الأخضر التيميَّة.. وكان أمير المؤمنين عليه السلام قتل أباها وأخاها بالنهروان ،فلمَّا رآها أخذت قلبه فخطبها ، فأجابته إلى ذلك على أن يُصدِقها : ثلاثة آلاف وعبداً وقينةً ، وقتل عليٍّ!!
فقال لها : والله ، ما جاء بي الا قتل عليٍّ ، فلكِ ما سألتِ!
قالت : سأطلب لك من يشدُّ ظهرك ويساعدك ، وبعثت إلى رجلٍ من قومها اسمه : وردان وكلَّمته فأجابها..
وروي أنَّ الإمام عليه السلام سهر في تلك الليلة التي قُتل فيها ، وكان يكثر الخروج والنظر إلى السماء ، وهو يقول : « والله ما كذبتُ ولا كُذبت ، وإنَّها الليلة التي وُعدتُ بها » ثُمَّ يعاود مضجعه ، فلمَّا طلع الفجر شدَّ إزاره وخرج وهو يقول :

« أُشدد حيازيمك للموت * فإنَّ المــوت آتيــك
ولا تجـزع من الموت * إذا حـلَّ بواديك » (

وأخذ ابن ملجم سيفه ومعه شبيب بن بَجَرة ووردان ، وجلسوا مقابل السدَّة التي يخرج منها عليٌّ عليه السلام للصلاة.. فضربه ابن ملجم أشقى الآخرين لعنه الله ، ليلة تسعة عشر من شهر رمضان ، سنة أربعين من الهجرة ، في المسجد الأعظم بالكوفة ، ضربه بالسيف المسموم على أُمِّ رأسه.
فمكث عليه السلام يوم التاسع عشر وليلة العشرين ويومها ، وليلة الحادي والعشرين الى نحو الثلث من الليل ثُمَّ قضى نحبه شهيداً محتسباً صابراً وقد مُلئ قلبه غيضاً..
بتلك الضربة الشرسة التي ارتجَّ لها المسجد الأعظم ، دوى صوت الإمام المظلوم بنداء : « فزت وربِّ الكعبة » لم يتلكَّأ ولم يتلعثم في تلك اللحظات التي امتُحن قلبه ، وهو القائل « والله لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً » هذا الإمام العظيم الذي طوى صفحات ماضيه القاسية بدمائه الزكية الطاهرة ، أدرك في لحظاته الأخيرة أنَّه أنهى خطَّ الجهاد والمحنة ، وكان أسعد المخلوقين في هذه اللحظات الأخيرة ، حيث سيغادر الكفر والنفاق والغشَّ والتعسُّف.. سيترك الدنيا لمن يطلبها؛ ليلحق بأخيه وابن عمِّه ورفيق دربه في الجهاد في سبيل الله صابراً مظلوماً ، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون..

الإِمَامُ عليٌّ(ع) فِيْ نَظَرِ رسُولِ الله(ص)

قال رسول الله(ص)

1- عنوان صحيفة المؤمن حب علي:

2- لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي:

3- حامل لوائي في الدنيا والآخرة:

4- أمرني ربي بسد الأبواب إلا باب علي:

5- الصدّيقون ثلاثة: مؤمن آل ياسين ومؤمن فرعون، وأفضلهم علي:

6- لكل نبي وصي ووارث، ووصيي ووارثي علي:

7- يا علي! الناس من شجر شتّى وأنا وأنت من شجرة واحدة:

8- أعلم أمتي من بعدي علي:

9- من كنت مولاه فعلي مولاه:

10-  أولكم وروداً على الحوض أوّلكم إسلاما:

11- لا يبلّغ عني إلا علي:

12- الفاروق بين الحق والباطل:

13- إمام البررة , وقاتل الفجرة , منصور من نصره ، مخذول من خذله:

14- أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي:

15- حقه على الأمة كحق الوالد على ولده:

16- علي مع الحق والحق مع علي:

17- علي مع القرآن:

18- علي وشيعته هم الفائزون:

19- أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت باب المدينة:

20- حبه إيمان وبغضه نفاق:

21- علي قسيم الجنة والنار:

22- علي مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي:

23- ما عرف الله إلا أنا وأنت وما عرفني إلا الله وأنت وما عرفك إلا الله وأنا:

24- كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله:

25- أقدم أُمتي سلماً وأكثرهم علماً وأصحهم ديناً وأفضلهم يقيناً وأكملهم حلماً وأسمحهم كفاً وأشجعهم قلباً: علي، وهو الإمام على أُمتي:

26- إن الله قد فرض عليكم طاعتي ونهاكم عن معصيتي، وفرض عليكم طاعة علي بعدي ونهاكم عن معصيته، وهو وصيي ووارثي، وهو مني وأنا منه، حبه إيمان وبغضه كفر، محبه محبي ومبغضه مبغضي، وهو مولى من أنا مولاه، وأنا مولى كل مسلم ومسلمة، وأنا وهو أبوا هذه الأمة:

27- من ناصب عليّاً الخلافة بعدي فهو كافر، وقد حارب الله ورسوله، ومن شكّ في عليّ فهو كافر:

28- عليّ منّي مثل رأسي من بدني:

29- من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في عزمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في زهده، فلينظر إلى عليّ ابن أبي طالب:

30- ألا إنّ هذا أوّل من آمن بي، وهذا أوّل من يصافحني يوم القيامة، وهذا الصدّيق الأكبر، وهذا فاروق هذه الأمّة، يفرّق بين الحقّ والباطل، وهذا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظالمين:

31- النظر إلى علي عبادة:

32- هذا أمير البررة وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله:

33- أنا دار الحكمة وعليّ بابها:

34- مثلي ومثل عليّ مثل شجرة، أنا أصلها وعليّ فرعها والحسن والحسين ثمرها، والشيعة ورقها، فهل خرج من الطيّب إلاّ الطيّب:

35- لو اجتمع الناس على حب عليّ بن أبي طالب لما خلق الله عز وجل النار:

36- عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب:

37- من أحب علياً في حياته ومماته كتب الله له الأمن والأمان يوم القيامة:

38- يا علي، أنت أخي وأنا أخوك، أنا المصطفى للنبوة وأنت المجتبى للإمامة، أنا وأنت أبوا هذه الأمة، وأنت وصيي ووارثي وأبو ولدي، أتباعك أتباعي وأولياؤك أوليائي وأعداؤك أعدائي، وأنت صاحبي على الحوض، وصاحبي في المقام المحمود، وصاحب لوائي في الآخرة، كما أنت صاحب لوائي في الدنيا، لقد سعد من تولاك وشقي من عاداك، وإن الملائكة لتتقرب إلى الله بمحبتك وولايتك، وإن أهل مودتك في السماء أكثر من أهل الأرض! يا علي أنت حجة الله على الناس بعدي، قولك قولي، أمرك أمري، نهيك نهيي، وطاعتك طاعتي ومعصيتك معصيتي، وحزبك حزبي:

39- يا علي! أنت صاحب حوضي وصاحب لوائي، وحبيب قلبي، ووصيي ووارث علمي، وأنت مستودع مواريث الأنبياء من قبلي، وأنت أمين الله على أرضه، وحجة الله على بريته، وأنت ركن الإيمان وعمود الإسلام، وأنت مصباح الدجى ومنار الهدى، والعلم المرفوع لأهل الدنيا. يا علي! من اتّبعك نجا ومن تخلف عنك هلك، وأنت الطريق الواضح والصراط المستقيم، وأنت قائد الغر المحجلين ويعسوب المؤمنين، وأنت مولى من أنا مولاه، وأنا مولى كل مؤمن ومؤمنة، لا يحبك إلاّ طاهر الولادة، ولا يبغضك إلاّ خبيث الولادة، وما عرجني ربي عز وجل إلى السماء وكلمني ربي إلاّ قال: يا محمد اقرأ علياً مني السلام، وعرِّفه أنه إمام أوليائي، ونور أهل طاعتي، وهنيئاً لك هذه الكرامة:

40- عليّ مع الحق والحقّ مع عليّ ولن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض يوم القيامة:

 

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى