في رحاب نهج البلاغة

فيْ رِحَابِ نَهجِ البَلاغَة(الحلقة الأولى)

فيْ رِحَابِ نَهجِ البَلاغَة(الحلقة الأولى)

 

يقول أمير المؤمنين(ع):

” ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء، وشقّ الأرجاء، وسكائك الهواء، فأجرى فيها ماءاً متلاطماً تياره، متراكماً زخاره، حمله على متن الريح العاصفة، والزعزع القاصفة، فأمرها برده، وسلطها على شَدّه، وقرنها إلى حده، الهواء من تحتها فتيق، والماء من فوقها دفيق.

هذه العبارات قمة في البلاغة وعَلم من أعلام الفصاحة ناهيك عن المعاني العميقة والأفكار النادرة والتراكيب الجذابة التي لا يعلوها سوى كلام الخالق سبحانه وتعالى.

في هذه الفقرات الرائعة يحدثنا مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) عن بدء خلق الفضاء الواسع والرهيب والذي إن أرشدنا إلى أمر فإنما يرشدنا إلى عظمة الخالق سبحانه ودقة صنعه وإتقانه وعظيم قدرته.

وقوله(ع) أنشأ سبحانه فتق الأجواء أي أنه خلق هذا الفضاء ما بين السموات والأرض فضلاً عن كونه خالق السموات والأرض وما فوقهن وما تحتهن وما فيهن.

وشق الأرجاء: الأرجاء هي جوانب هذا الفضاء الذي له حدود لا يعلمها إلا الله عز وجل، فقد يتوهم بعضهم بأن هذا الجو لا نهاية له وهذا وهم لأن كل مخلوق له بداية ونهاية وحدود، وهذا الفضاء مخلوق وهو مشمول بهذه الأبعاد.

وسكائك الهواء: وهي جمع سُكاكة والسكاكة هي الهواء الملاقي لعنان السماء.

وقوله(ع) فأجرى فيها ماءاً متلاطماً تياره، متراكماً زخاره: أي أنه تعالى أجرى في الأجواء ماءاً متلاطماً تياره أي شديد للغاية، والتراكم وهو الذي يعلو بعضه فوق بعض.

وأما قوله: حمله على متن الريح العاصفة، والزعزع القاصفة: الزخار فهو الشديد المرتفع، وأما الزعزع القاصفة، فهي الريح التي تزعزع كل ثابت وتقصف وتحطم كل قائم.

ثم يتابع الإمام كلامه فيقول: فأمرها برده، وسلطها على شَدّه، وقرنها إلى حده:

الله سبحانه عندما خلق الجو وجعل فيه الماء المتلاطم والهواء الشديد جعل لهذه المخلوقات أنظمة محكمة حتى لا تتعدى حدودها وتهلك أهل الأرض، وإلى هذا يشير الإمام بقوله:أمرها برده: أي أنه تعالى أمر السماء أو الفضاء برد هذا الهواء عن أهل الأرض أو عن المخلوقات بشكل عام كيلا تدمرهم، والماء مادة ثقيلة ولا يحمل الماء في الفضاء سوى الخالق سبحانه وتعالى فهو الذي أمر السماء برد الماء عن الأرض إلا ما ينزله الرحمن بهذا الشكل المعروف الذي ينسجم مع قانون الطبيعة.

وأما قوله وسلطها على شده: أي أنه أمرها بشد الماء الذي من طبيعته السقوط نحو الأسفل، وقرنها إلى حده أي جعل حد الماء مماساً لسطح الريح التي تحمله.

ثم يتابع الإمام بيان القدرة الإلهية في خلق تلك الأنظمة فيقول: الهواء من تحتها فتيق، والماء من فوقها دفيق: أي أن الهواء من تحت السماء مفتوق حتى يتسنى مروره في الأرض بشكل معتدل، والماء من فوق الريح دفيق أي أنه محمول ومدفوق نحو الأعلى.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه
زر الذهاب إلى الأعلى