تفسير قرآن

تفسير سورة البقرة

من الآية 11 إلى الآية 20

 

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ{البقرة/11}

ازداد النفاق بشكل ملحوظ بعدما هاجر رسول الله(ص) من مكة إلى المدينة حيث سيطر على الأوضاع فيها مما أذل اليهود وأشعرهم بالخطر فراحوا يتظاهرون بالإسلام خوفاً على أنفسهم أولاً ولأجل الإطاحة بالإسلام ثانياً، ولقد أخبر الله تعالى رسوله بنوايا اليهود وبالتالي حذّر النبي المسلمين منهم فراح النبي والمسلمون يعظونهم وينهونهم عن الفساد لأن ما يقومون به هو عين الفساد في الأرض، والشيء الخطير في الأمر هو أنهم لم يعترفوا بفسادهم بل ادعوا بأنهم مصلحون غير فاسدين.

أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ{البقرة/12}

استفحل النفاق في نفوس المنافقين فأصبح جزءاً من وجودهم بحيث لم يعد واحدهم يشعر بنفاقه، ولهذا كان إذا قيل له لا تفسد في الأرض يستغرب هذه النصيحة ويعتقد بأنه على حق وأن الآخرين يفترون عليه، ومن طبيعة الإنسان أنه إذا اعتاد على شيء أصبح هذا الشيء من طبيعته لا يستطيع أن يميز ما إذا كان هذا من الحق أم من الباطل، ولا يُعذر الإنسان إن كان كذلك لأنه وصل إلى هذه المرحلة بسببه وسبب اختياره لهذه الطريق، ولهذا فقد أخبرنا الله تعالى بأن المنافقين هم المفسدون في الأرض ولكن المنافقين لا يشعرون بفسادهم لأنه أصبح جزءاً من طبيعتهم ووجودهم بحيث لو زال هذا الوصف عنهم لشعروا بالنقص والوحشة.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ{البقرة/13}

لم يقتصر الأمر عند المنافقين أنهم يظنون الخير في أنفسهم بل راحوا يتمادون حتى اتهموا أهل الحق بالباطل وأهل الإيمان بالسفاهة وذلك بسبب إحكام الشيطان قبضته عليهم بعد أن وجدهم مؤهلين لذلك، إن وصفهم للمؤمنين بالسفاء هو وهم واضح والله تعالى يخبر عباده بأن المنافقين هم السفاء حقاً علموا بذلك أم لم يعلموا حيث تبدلت الموازين في نفوسهم وتغيرت المعايير فلم يعد الواحد منهم يميز بين الخير والشر.

وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ{البقرة/14}

كان المنافقون في زمن النبي(ص) يجلسون مع المسلمين ويدعون بأنهم منهم، وقد كاد المسلمون يقعون في ذلك الفخ لولا أن أخبرهم النبي بنواياهم الوضيعة، ولعلهم كانوا يحفظون الكثير من آيات القرآن وأحكام الإسلام لأن وضع النفاق يفرض عليهم أن يكونوا كذلك كما هو الحال في مجتمعاتنا الحالية حيث تجد المنافق يحفظ القرآن عن ظهر قلب ويحيط بكثير من الأحكام الشرعية، ولولا ذلك لفُضح أمره.

ثم عندما يذهبون إلى شياطينهم من الإنس الذين وسوسوا لهم وشجعوهم على ركوب طريق النفاق كانوا يقولون لهم نحن معكم ولكننا نجلس مع المسلمين لنستهزئ بهم وبدينهم.

اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ{البقرة/15}

استهزاء الإنسان بالإنسان يختلف عن استهزاء الله بالإنسان فإن في العبارة نوع من المجاز لأن الإستهزاء الحقيقي ليس من صفات الله وأفعاله، وبناءاً عليه يكون معنى استهزاء الله بهم هو معاقبتهم على استهزائهم بالدين والمؤمنين، ويمكن أن تستهزئ بهم الملائكة في يوم القيامة عندما يحاولون أن يقدموا الأعذار، وبما أنهم اختاروا هذه الطريق فسوف يمدهم الله تعالى بكفرهم وفسادهم وطغيانهم.

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ{البقرة/16}

هذه هي النتيجة الحتمية التي سوف يصل إليها المنافقون في الدنيا قبل الآخرة، أما في الدنيا فلقد فضح الله أمرهم وأصبحوا موضع استهزاء الناس، وأما في الآخرة فلقد اختار لهم الله تعالى الدرك الأسفل من النار وأشد ألوان العذاب لأنهم استحقوا ذلك بجدارة حيث اشتروا الضلالة بالهدى وتلك تجارة خاسرة على كل حال، قال تعالى(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) وقال(إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا).

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ{البقرة/17}

امتاز القرآن الكريم بتلك الأمثال التي ضربها في كتابه من أجل العبرة حيث قال(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) وقد تفاوتت تلك الأمثال حتى راح البعض يطعن بكلام الله بسبب تلك الأمثال التي ضربها مرة بالكلب وأخرى بالحمار وثالثة بالبعوضة فرد الله عليهم بقوله(إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ) وفي الآية الكريمة يريد الله تعالى أن يصور لنا حقيقة أهل النفاق حيث مثّل لهم بأنهم كالذي يوقد ناراً في ليلة مظلمة ويظن بأنه سوف يقاوم الظلمة بتلك النار التي قد تنطفئ لأسباب كثيرة وبعدها يبقى المنافق في حيرة من أمره لا يعلم ماذا يفعل، فتلك النار التي أوقدوها سوف يطفؤها الله وسوف نرى ما سيكون من أمرهم في تلك الظلمة عندما يذهب الله بنارهم ونورهم

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ{البقرة/18}

هم في الحقيقة يسمعون وينطقون ويرون الأشياء حولهم، ولكن الله تعالى وصفهم بذلك لأنهم يسمعون الحقائق ولا يأخذون بها ويرون الحق ولا يلتزمونه، ويتكلمون ولكن بما لا ينفع، وسوف يبقون كذلك حتى النهاية.

أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ{البقرة/19}

بسبب قبح النفاق والمنافقين لم يكتف الله تعالى بضرب مثل واحد فيهم وإنما أتبع المثل الأول بمثل ثاني فوصف وضعهم بأنه مثل الصاعقة وهم يمشون في صحراء لا مرتفعات فيها سوى أجسامهم فلا شيء يقيهم من تلك الصواعق التي سوف تضرب المرتفعات وهم المرتفعات في تلك الصحراء الخالية مما يقي الإنسان من البرق والرعد، فصوت الرعد يهدد أسماعهم ولن تحميهم أصابعهم، ونور البرق يهدد أبصارهم ولذا فهم حيارى دائماً لا يهتدون وكأنهم في وادي التيه، ويجب أن يعلم هؤلاء وغيرهم أن الله تعالى محيط بالكافرين وأن الجميع في قبضته فمتى شاء أهلكهم جميعاً كما أهلك الذين من قبلهم.

يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{البقرة/20}

يتابع القرآن الكريم وصف حالة المنافقين بأنهم محاطون من كل مكان فالمسلمون يحيطون بهم وهم أقوى منهم ولهذا فقد شل وجود المسلمين في المدينة حركتهم لا يعلمون متى ينقضون عليهم ويُنزلون بهم العقاب المناسب، ولهذا هم حذرون دائماً يمشون بين المسلمين كمن يسير لحظة البرق ويتوقف عن السير مدة، وعلى هؤلاء أن يعلموا بأن الله تعالى قادر على أن يذهب بأبصارهم حقاً وقادر على أن ينزل عليهم العذاب ولكنه كما قال يمدهم في طغيانهم يعمهون.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى