تفسير قرآن

تفسير سورة البقرة

من الآية 31 إلى الآية 40

 

وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{البقرة/31}

لقد ورد في هذه الفقرة تأكيد، وهو قوله سبحانه(كُلَّهَا) وهذا التأكيد هو الذي جعلنا نجزم بأن المراد بالأسماء هو كل مسمّى من الموجودات من دون استثناء.

فعندما أخذت الملائكةَ الدهشةُ من خلق خليفة جديد أراد الله سبحانه أن يبيّن لهم ما يخالف نظرتهم إلى هذا الخليفة. فبيّن الله لهم جوهر هذا الخليفة وأشار إلى عظمته وشأنه من خلال معجزة أجراها له هناك حيث عرّفه على كل الأشياء وعلّمه أسماءها

وقد تمّ هذا التعليم بطريقة نحن والملائكة نجهلها، وفي بيان حقيقة تلك المسميات وشمولها لكل شيء جاء عن الصادق(ع) قال: سألته عن قول الله(وعلّم آدم الأسماء كلها) ماذا علّمه؟ قال(ع): الأرضين والجبال والشعاب والأودية، ثم نظر إلى بساط تحته فقال: وهذا البساط مما علمه:

(ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ) أريد منكم الآن أن تتأملوا معي في هذه الفقرة، فهل ما عرضَه الله تعالى على الملائكة هي الأسماء التي علّمها لآدم؟ أم أن ما عرضه عليهم كان غير تلك الأسماء؟

فلو كان ما عرضه الله عز وجل على الملائكة هي الأسماء التي علّمها لخليفته لكان الأجدر أن يقال(ثم عرضها على الملائكة) وليس(عرضهم على الملائكة) فالإسم لفظٌ مُذكَّر، وجَمْعُه أسماء، وهذا الجمع حكمه في التخاطب معه حكم المؤنث، فتقول عن الأسماء عرفتها أو قرأتها أو رأيتها أو عرضتها، ولا تقول ذلك بصيغة الجمع، فإذا أدركنا هذه المعلومة أمكن لنا أن ندخل في صلب الموضوع وجوهر البحث، ثم إن قوله تعالى(هَؤُلاء) فيه إشارة إلى أن ما عرضهم على الملائكة إنما هم مخلوقات عاقلة لأن لفظة(هَؤُلاء) تُستعمل للعاقل غالباً.

إن مفهوم عرْض الأشياء يختلف مع مفهوم تعليمها، إذ لعل العرْض هو إحضار الشيء بعينه، على خلاف التعليم والتعلّم فهو إحضار معنى الشيء عن طريق التسمية، وهذا يعني أن ما عُرض على الملائكة لم يكن أسماءاً وإنما كان غير ذلك.

وهنا أتى دور أهل العصمة(ع) الذين أخبرونا بأن ما عرضه الله تعالى على الملائكة إنما هو أنوار آل محمد(ص) التي خُلقت قبل الملائكة، فلم تتعرف الملائكة على تلك الأشباح، بخلاف آدم الذي عرفهم بقدرة الله عز وجل.

قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ{البقرة/32}

وهنا اعترفت الملائكة بحقيقة ثابتة وهي أنها لا تعرف إلا ما علمها رب العالمين سبحانه، وهذا ما ينبغي أن يعترف به البشر الذين يظنون بأنهم قادرون عليها ولكنهم لو فكروا قليلاً لقالوا كما قالت الملائكة عندما اعترفت بأن الله تعالى هو العليم وهو الحكيم.

قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ{البقرة/33}

عندما أقرت الملائكة بجهلها أراد الله سبحانه أن يغيّر نظرتهم تجاه هذا المخلوق الجديد الذي يمتاز عن مخلوقات عهدتها الملائكة قبله فأمر خليفته بأن ينبئ الملائكة بأسمائهم، وليس المراد أسماء الملائكة بل أسماء تلك الصور التي تجهل الملائكة حقيقتها، وعندها أنبأهم آدم بأسماء أصحاب تلك الصور فأخذتهم الدهشة من ذلك.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ{البقرة/34}

بعدما أنبأهم آدم بأسمائهم أراد الله تعالى أن يكرّم خليفته الجديد فأمر الملائكة بالسجود له فسجد الملائكة أجمعون إلا إبليس الذي امتنع عن السجود متكبراً معتبراً نفسه أنه أفضل من هذا المخلوق الذي خُلق من تراب، والإستثناء في الآية ليس من الملائكة بل من الأمر بالسجود لأن إبليس ليس ملكاً فلو كان من الملائكة لما ارتكب تلك المخالفة لأن الملائكة لا تعصي ربها فإذا استطاع الملك أن يعصي خرج عن كونه ملكاً لأن الله بقدرته خلقهم ليكونوا مطيعين تكويناً، فامتناع إبليس عن السجود أكبر دليل على أنه لم يكن من الملائكة وإنما كان من الجن المكلفين كالبشر، وقد صرح الله سبحانه بهذه الحقيقة في قوله(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ{البقرة/35}  

لا ينبغي على العاقل أن يظن بربه ظن سوء فإنه عز وجل يُجري الأمور بأسبابها الطبيعية، فلقد كان قادراً على أن يخلق آدم في الأرض مباشرة ولكنه فعل ما فعل لأن هناك تعاليم يجب أن يعرفها الناس حول الجنة والملائكة والشيطان، وهناك حجج ينبغي أن يحتج بها على خلقه.

فبعد أن حدث ما حدث بين آدم والملائكة أذن الله لخليفته آدم بأن يسكن الجنة بعد أن خلق له فيها حواء زوجة له تؤنسه ونحن لا ندري ما إذا كانت حواء موجودة قبل السجود له أو بعد ذلك لأن القرآن سكت عن الأمر وما علينا نحن سوى أن نسكت عما سكت الله عنه، فسكن آدم الجنة يأكل من رزقها رغداً وكانت لا شك حياة طيبة يتمناها كل إنسان، ولكن رب العالمين اشترط على آدم وزوجته أن لا يأكلا من شجرة واحدة في الجنة بعد أن أباح له كل ثمارها وأشجارها التي لا يعلم عددها إلا هو سبحانه فإن الأكل من هذه الشجرة له عواقب سيئة فإياكما أن تقتربا منه وتذوقا طعم ثمارها، وهنا بدأت لآدم مرحلة جديدة في الجنة.

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ{البقرة/36}

عاش آدم في الجنة حياة كريمة يأكل حيث شاء منها رغداً وكانت حياة مثالية وهادئة وسعيدة بكل ما للكلمة من معنى، ولم يصرح القرآن بتلك المدة التي قضاها في الجنة مع زوجته، ولكن إبليس اللعين كان قد أقسم أن يُخرج آدم من الجنة حسداً فحاول أن يغويه مرات عديدة وبأساليب إلا أن آدم كان يأبى المخالفة، ولكن إبليس جاءه مرة وأقسم له بالله أن الأكل من تلك الشجرة ليس حراماً وأن الله تعالى لم ينههما عنها إلا من أجل أن لا يكونا ملكين، فطمع آدم بأن يكون ملكاً وتصديقه لإبليس بعد أن أقسم له بالله دفعه إلى الأكل من تلك الشجرة ولم تكن تلك معصية بمعنى المعصية التي يستحق عليها العقاب، وعلى إثر ذلك جاء الأمر الإلهي بالهبوط إلى الأرض حيث التعب والألم والكد والسعي والخوف والمسؤوليات، فأخرج الله آدم من جنته وأسكنه هذه الأرض لتبدأ بذلك مرحلة جديدة.

فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ{البقرة/37}

بعد صدور الأمر الإلهي بالهبوط إلى الأرض شعر آدم(ع) بندم شديد وتوجه إلى الله تعالى بجميع جواره طالباً منه التوبة لأنه كان يرى في قرارة نفسه أنه عصى ولكن ما ارتكبه لم يكن بالمعصية التي يستحق عليها العقاب لأن مخالفته كانت مخالفة الأولى ليس أكثر، وعندما وجد الله خليفته بتلك الحالة من الندم تاب عليه بعد أن تلقى من ربه كلمات، وكان للمفسرين آراء حول تلك الكلمات، قال بعضهم إن المقصود بالكلمات هو هذا الدعاء: اَللَّهُمَّ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فَاغْفِرْ لِي إِنَّكَ خَيْرُ الْغَافِرينَ: وقال آخرون: هي: قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَم تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ: وعلى كل حال فلقد علّم الله آدم كلمات حتى يتوجه بها إليه ليتوب عليه وهذا ما حصل.

ثم إن الله تعالى استعمل لفظ الجمع في مخاطبة المثنى عندما قال(اهبطوا) وهو يخاطب آدم وحواء، لعل الجمع هنا ناظر إلى النتيجة وهو وجود ذرية لهما، ويمكن أن يكون المراد هو أن الشيطان أهبط معهم والله أعلم.

قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{البقرة/38}

أهبطهم الله وأخبرهم بأنه سوف يأتيهم منه هدى، والهدى هم الأنبياء والتعاليم السماوية، فالذي يؤمن بالله ويتبع الرسل فسوف يرضى الله عنه ويدخله الجنة التي أعدها للمؤمنين، والمؤمن لا يخاف في الله لومة لائم فهو دائماً يعيش في حفظ الله الذي لا يضر معه شيء ولا يخيف معه شيء.

وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{البقرة/39}

الهدى سوف ينزل إلى الجميع من دون استثناء وسوف تصل الرسالة إلى كل مجتمع وفرد فالذين يؤمنون ويصدقون ويعملون صالحاً فلهم الجنة، أما الذين يكفرون ويكذبون بالآيات ويواجهون الرسالات السماوية بالضلال والنفاق والإستهزاء فسوف يكون مصيرهم الخلد في نار جهنم.

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ{البقرة/40}

بعدما حدثنا القرآن عن قصة آدم(ع) وما حدث بينه وبين الشيطان الرجيم انتقل إلى الحديث عن بني إسرائيل الذين مثلوا في هذه الحياة خط الشر الذي رسمه إبليس منذ أن خلق الله آدم، فهم أقبح مجموعة شهدها التاريخ فهم يريدون كل شيء ولا يريدون إعطاء شيء لا لله ولا للناس ولا لأنفسهم، ورغم ذلك يدّعون بأنهم أنصار الله وأحباؤه وأنهم الأمة التي فضّلها الله على العالمين وقد كثر ذكرهم في سورة البقرة لأنها أول سورة مدنية، وكلنا نعرف الحالة التي كان عليها اليهود في المدينة المنورة، وفي هذه الآية الكريمة وجّه الله سبحانه ثلاثة أوامر لتلك الفئة من الناس:

الأمر الأول: ذكر النعمة: ونعني بذكر النعمة شكرها، ولا نعني بالشكر مجرد اللفظ وإنما نعني العمل الذي يعبّر عن الشكر والإمتنان، فلقد أنعم الله عز وجل على البشرية جمعاء بنعم جم عن الإحصاء عددها، ويمكن القول بأن النعم نوعان نوع عام ونوع خاص أما النوع العام فهو الذي تستفيد منه البشرية برمتها كالمطر والنبات والشمس والقمر، وأما النوع الخاص فهو النعم الزائدة على النعم العامة كما صنع الله تعالى مع بني إسرائيل عندما أعطاهم من كل ما سألوه، ولأجل ذلك خصهم بالذكر مع أن الخطاب للجميع.

الأمر الثاني: الوفاء بالعهد: فلقد أخذ الله العهد على جميع خلقه حيث قال(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ  وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) فهذا العهد مأخوذ على بني إسرائيل وغيرهم من الناس، ولكن بما أن الله تعالى خصص بني إسرائيل في هذه الآية فهذا يعني أنهم قطعوا عهوداً مع الله عبر أنبيائه ولم يلتزموا بها، وإلى جملة من تلك العهود يشير الله تعالى بقوله(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ) ولكنهم لم يلتزموا بشيء من ذلك فكفروا بالله وعبدوا المخلوق دون الخالق، فإذا وفيتم بعهدكم مع الله وفى الله بعهده معكم وأدخلكم جنته.

الأمر الثالث: هو الأمر بالخوف من الله لأنه باب كل طاعة، ولكن بني إسرائيل لما يخافوا ربهم فنقضوا العهود وقتلوا أنبياء الله.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى