كتُب

الإنسان باللسان

لسانك مفتاح خير وشر

 

حقيقة اللسان

 

قال سبحانه(ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) وقال تعالى(إنا كلَّ شيء خلقناه بقدر)

إن الإنسان أعظم مخلوق من مخلوقات الله عز وجل من حيث تراكيبه المادية والمعنوية وترابط تلك التراكيب وائتلافها بعضها مع بعض، فهناك ائتلاف مادي مادي وائتلاف مادي معنوي وائتلاف معنوي معنوي، وهنا يكمن السر الأعظم في هذا المخلوق الذي انطوى فيها العالَم الأكبر.

فاللسان قطعة لحم وعضلات تأتمر للعقل الذي يعبّر عن مراده عن طريق الكلام الذي يقطّعه اللسان بتلك التراكيب اللفظية التي وضعها الإنسان للتخاطب والتفاهم.

فالإئتلاف المادي المادي بين اللسان وغيره من الأعضاء فإن اللسان بما هو قطعة من اللحم والعضلات ينسجم مع الفم وفضائه ومع الأسنان ومع كل عضو في جسم الإنسان، وأما الإئتلاف المادي المعنوي فهو اتفاق اللسان مع أوامر العقل لأنه ينفذ ما يمليه عليه العقل أو النفس بجميع أصنافها أي سواء كانت زكية ملكوتية أو كانت أمارة بالسوء، وهذا اللسان كلسان مجرد جزء من البدن لا قيمة له لأن الخير أو الشر يُنسب إلى اللسان كناية أو مجازاً إذا صح التعبير لأنه مجرد آلة يستخدمها الإنسان في مراده، فعندما نقول إن اللسان مفتاح الشر فلا نعني به هذا اللسان وإنما نعني الذي أمر اللسان بالنطق الذي دلّ على الشر أو أحدث الشر بين الآخرين.

فاللسان نصف الإنسان، ومن هنا قيل: تكلّموا تُعرفوا: ومن هنا قال الشاعر لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم: وهذه هي الحقيقة لأن الإنسان قلب ولسان، وهذا اللسان مصدر خير ومصدر شر لأنه إما أن يصدر عنه العلم والموعظة والإرشاد وما ينفع الناس في الدنيا والآخرة، وإما أن يصدر عنه الكذب والفتنة والنميمة والفحش، فاللسان له دور كبير في كيان الإنسان ووجوده حتى ورد أنه لولا اللسان لما كان للإنسان شأن، قال علي(ع): ما الإنسان لولا اللسان إلا صورةٌ مُمَثَّلة أو بهيمةٌ مهمَلة: وفي بيان العمق في حقيقة هذه القطعة من الجسد قال(ع): اللسان مِعيارٌ أطاشه الجهل وأرجحه العقل: بمعنى أن الذي يجلب المدح والصورة الحسنة للّسان هو العقل الذي لا يأمر اللسان إلا بتركيب الألفاظ الرائعة التي تدل على المعاني السامية النافعة، وأن الذي يجلب الذم للسان إنما هو الجهل والطيش والهوى، فهذا اللسان إما أن يكون موظَّفاً لدى العقل أو موظفاً لدى الجهل، وهذه القابلية في اللسان قابلية ائتماره للعقل والجهل ضرب من ضروب اكتمال شروط الإمتحان المفروض على بني البشر في هذه الحياة، وقال(ع) الإنسان لُبُّه لسانه وعقله دينه: فاللسان هو الذي يكشف عن جوهر صاحبه، وهذا الذي ذكرناه إنما هو جزء صغير من حقيقة هذا اللسان الذي يجب أن نلجمه عن كل شر ونستعمله للخير فقط، فإذا كنا عاجزين عن حصر استعماله في الخير فقط فلنسكت فإن السكوت أفضل من الكلام المؤذي وغير النافع.

 

وظيفة اللسان

 

قال الله تعالى في سورة البلد(أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ  وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)

يوجد في هذه الآيات القصيرة بألفاظها معانٍ كثيرة يجدر الوقوف عليها لنكتسب منها أكبر قدر ممكن من التعاليم والإرشادات والمواعظ، ففيها يبيّن الله عز وجل خالقيته لهذه الموجودات، ويبين مخلوقية الإنسان الفقير إلى مولاه والمحتاج إلى خالقه في جميع مراحل حياته، ويوجد فيها بيانٌ لبعض النعم والمِنن الإلهية حيث خلق الإنسان تاماً لا ينقصه شيء مما يحتاج إليه في هذه الحياة، وبيان أنه تعالى هداه النجدين بعد بيان خلق العينين واللسان والشفتين يوحي باستقامة الإمتحان المفروض علينا لأن العين واللسان جزء من هذا الإمتحان بل هما جزء كبير، فبالعين يرى الإنسان آيات ربه فيصل إلى المطلوب، وبالعين إما أن ينظر إلى ما حرم الله النظر إليه وإما أن يمنع العين عن النظر إلى الحرام، وباللسان يقوم الإنسان بكثير من الواجبات والمستحبات أو بكثير من المحرمات والمكروهات، وهناك ترابط كبير بين اللسان والشفتين لأن كثيراً من الكلمات لا تكتمل إلا بالشفتين.

فاللسان له وظائف كثيرة وليس وظيفة واحدة، فهناك وظائف تكوينية ووظائف تشريعية، ومن الوظائف التكوينية أن اللسان مصدر لتذوق الطعام والشراب، ومصدر لقضاء أكثر الحاجات التي لا تُقضى إلا عن طريقه، ومن الوظائف التشريعية النطق بالحق والذكر والدعاء والقيام بالأمور العبادية الناتجة عن الكلام، والإبتعاد عن الكلام المحرم كالكذب والفتنة والغيبة والفحش والبذاء.

فاللسان خُلق من أجل أهداف سامية، من أجل أن يدبّر الإنسان به أموره ويعبّر به عما في ضميره ويستعمله بالخير وللخير وبكل وجوه النفع لا أن يستعمله في اللهو واللغو وما يجلب المضرة للآخرين، فالوظيفة الأساسية للسان هي الكشف عما في ضمير المتكلم، قال علي(ع): تكلّموا تُعرفوا فإن المرء مخبوء تحت لسانه:

واللسان يفصح عما في الضمير بقصد أو بغير قصد لأن فلتات اللسان تتكفّل بإظهار الحقيقة في كثير من الأحيان، ولهذا قال علي(ع): ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه:

وقال: كلام الرجل ميزان عقله: وقال: اللسان تَرجُمانُ الجَنان: وقال: الألسن تترجم عما تُجنُّه الضمائر: وقال: يُستدل على عقل كل امرء بما يجري على لسانه: وقال: لإياك والكلامَ فيما لا تعرف طريقتَه ولا تعلم حقيقته فإن قولك يدل على عقلك وعبارتَك تُنبئ عن معرفتك:

 

اللسان في القرآن

 

لقد تناول القرآن المجيد مسألة اللسان وحقيقتَه ووظائفَه وكثيراً من خصوصياته وعمومياته ليكشف لنا عن أهمية دوره في رسم العاقبة وضرورة لجمه عن كل ما يضر، ووقفه للنافع فقط كيلا نستعمله في غير الغاية التي خُلق من أجلها.

الآيات الحاكية عن اللسان كثيرة جداً:

ففي سورة المائدة(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) وفي سورة إبراهيم(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ولعل المراد باللسان هنا هو الطريقة أو اللغة التي يفهمها هؤلاء القوم أم هؤلاء، وفي سورة النحل(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)

وفي سورة مريم(وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) وفي سورة مريم أيضاً(فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا) وفي سورة طه(قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي  وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي  وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي  يَفْقَهُوا قَوْلِي)

وفي سورة الشعراء(وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) وفي سورة الدخان(فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) وفي سورة الأحقاف(وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ) وفي سورة القيامة(بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ  وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ  لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ  إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)

وفي سورة النحل(وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ) وفي سورة النور(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) وفي سورة الروم(وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) وفي سورة الفتح(يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) وفي سورة الممتحنة(إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) وفي سورة آل عمران(وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)

وهناك الكثير من الآيات التي تتحدث عن محاسن الألسن ومساوئها لتبين لنا خطورة الموقف ودقة الأمر.

 

خصال اللسان

 

إن هذا اللسان الذي قد لا يعبأ به صاحبه ولا يُعيِرُهُ أي اهتمام هو غاية في الأهمية، وهذه الأهمية تظهر من خلال بيان خصاله ووظائفه وأدواره المتعددة والمتنوعة والمتشعبة، فقد ذكر لنا أمير المؤمنين علي(ع) وظائف هذه الآلة الصغيرة بحجمها الحقيرة بموادها وفي ذات الوقت الكبيرة بمفعولها وآثارها فقال(ع):

” إن في الإنسان عشر خصال يظهرها لسانه: شاهدٌ يُخبر عن الضمير، وحاكم يفصل بين الخطاب، وناطقٌ يَردُّ به الجواب، وشافعٌ يُدرِكُ به الحاجة، وواصفٌ يَعرِف به الأشياء، وأميرٌ يأمر بالحُسْن، وواعظ ينهى عن القبيح، ومُعَزٍّ تَسكنُ به الأحزان، وحاضر تُجلى به الضغائن، ومونقٌ تلتذُّ به الأسماع:

وهذا خيرُ ما وُصف به اللسان، فلو بحثنا في المكتبة الإنسانية برمتها لنعثر على كلام أنفع من هذا لما وجدنا فيها ما يَشفي الغليل وما يَظْهر به هذا الواقع الذي كان عليه لسان الإنسان.

فاللسان يُخبر عما في ضمير صاحبه، فهو يكشف لنا النوايا والمقاصد والمطالب ويحكي لنا عن جوهر المتكلم لأن الإنسان يُعرَف عندما يتكلم، وخير واصف للمرء لسانه، فهو شاهد عليه أكثر من شهادة الغير عنه.

وهو في ذات الوقت حاكم يفصل بين الخطاب، فهو يحتج ويناظر ويدافع ويستشهد بشيء ويستدل على شيء ويقرِّب البعيد ويبعِّد القريب ويعطي الأجوبة الشافية ويقدّم البراهين الوافية ويُبرِز العلوم ويحكي عن الأفكار.

وهو شفيعٌ لصاحبه يصل من خلاله إلى حاجاته وبمقدار ما يكون اللسان عذباً بمقدار ما تنال به مرادك من الآخرين، وهو واصف للأشياء فتراك يصف لك الأحداث والوقائع والأشياء وكأنك تنظر إليه وهذا من جملة خصال وقدرات اللسان، وهو أميرٌ يأمر بالحُسن كما يقول الإمام(ع) فاللسان عندما يكون مؤتمراً للعقل الخالص والسليم والشفّاف تراه لا يأمر سوى بالجميل فلا يصدر عنه ما يُدخل الأذى إلى نفوس الناس ولا يصدر عنه الكذب ولا الفتنة ولا النميمة ولا الغيبة ولا أي سوء لأن العقل قوة رحمانية تأمر بالطاعة والصدق والإخلاص لله رب العالمين الذي كان له حق الطاعة التامة على عبيده، واللسان واعظ جميل إن رجع إلى القوى الرحمانية فهو ينهى عن الفحشاء إن أعملْتَه فيما خُلق لأجله وهو استعماله فيما ينفع وتنزيهه عما يضر.

وهو موضع تَعزٍّ يخفف الأحزان عن المحزونين وهذا ما نراه ونلمسه عندما يدخل أحدهم إلى بيت مفجوع ويتكلم مع أهل هذا البيت بكلام يخفف عنهم حزنهم وآلامهم.

وفي ذات الوقت فإن اللسان بإصداراته الكريمة يزيل الضغائن ويغسل الأحقاد التي دخلت القلوب بألف طريق وطريق، وهو مصد لالتذاذ الأسماع وذلك عندما ينطلق بالعبارات الرائعة كالشعر الجميل والنثر الرائع، وكل هذه الخصال إن دلت على شيء فإنما تدل على قدرة الخالق سبحانه وتعالى.

 

اللسان هو الجمال الحقيقي

 

كثير من المظاهر التي نراها في بعض الناس أو نسمع عنها، وكثير من الصور الخارجية التي ننجذب نحوها هي في الحقيقة كاذبة وخادعة لا تحكي عن الواقع ولا تكشف عن الحقيقة ولا تُنبئ عما هو كائن في الضمير، فقد يكون بيت الإنسان تحفة رائعة وملبسه ملفتاً للأنظار وصورته الخارجية غاية في الجمال إلا أن ذلك قد يكون مغايراً للحقيقة التي هو عليها، فكثير من الناس ظاهرهم جميل وباطنهم قبيح تحسبهم من خلال أشكالهم آيات تمشي على الأرض ولكنك إذا اقتربت منهم فسوف تتضح لك الصورة أكثر لأن احتكاكك به ومعاشرتك له سوف تعكس لك الصورة الحقيقة التي ينطوي عليها مهما حاول أن يخفي عنك تلك الحقيقة فإنها سوف تظهر في فلتات لسانه كما عبّر عن ذلك أمير المؤمنين(ع).

فلو أنك قابلت رجلاً مدهشاً في صورة وجهه وتركيبة جسده، أو رأيت امرأة جميلة المنظر وحسنة المظهر ولكنك عندما تكلمت معه أو معها ونطقا بكلام قبيح وجارح فلا شك بأن جمالهما الخارجي سوف تراه قبيحاً لأنك حينئذ سوف تنظر إلى الصورة الداخلية فتُشغلك عن الصورة الخارجية، وكذا الحال عندما ترى شخصاً قبيح المنظر ولكن كلامه جميل وخطابه ليّن فسوف تشعر وكأنك تتكلم مع أجمل إنسان في الوجود.

هذه هي الحقيقة التي يجب أن ننظر إليها نَقيس الأمور عليها لأن المهم في حياتنا السليمة هو الجمال الباطني جمال النفس والروح والقلب إذ لا ينفع جمال المظهر مع قبح الجوهر، فجميل الجوهر جميل المظهر وإن كان مظهره قبيحاً أما قبيح الجوهر فهو قبيح المظهر وإن كان جمال وجهه خارقاً لأن ملامح الداخل تنعكس على ملامح الظاهر فتُريك الحقيقة كما هي.

والنتيجة هي أن الجمال الحقيقي في الإنسان هو لسانه إن كان كلامه جيداً، ولذا قال رسول الله(ص): الجمال في اللسان: ومن الملاحَظ للجميع أن النبي وآله(ص) لم يمتدحوا يوماً جمال المظهر وإنما ركزوا في مدحهم وكلامهم على جمال الجوهر لأنه الأساس الذي تنعقد عليه الأحكام والنتائج والعواقب.

وقال أمير المؤمنين(ع): الجمال في الرجل اللسان: وقال: الجمال في اللسان والكمال في العقل: ومن النعم الكبرى في الإنسان أن يجتمع فيه كمال العقل وجمال الكلام لأن المنطق السليم فن عظيم قائم بحد ذاته، وفي بيان هذه الحقيقة بشكل أوضح قال(ع): صورة المرأة في وجهها وصورة الرجل في منطقه: ولعل السبب في ذلك هو أن الذي يلفت أنظار الناس إلى المرأة للوهلة الأولة هو صورة وجهها، أما الذي يلفت انتباههم إلى الرجل هو روعة كلامه وجمال منطقه، وفي ذلك قال(ص): جمال الرجل فصاحة لسانه: فاللسان هو المعيار الأكبر في قياس الرجل فإذا كان لسانه منطلقاً كان وضعه بين الناس مميَّزاً ولهذا قال علي(ع): مَن عَلُمَ لسانُه أمّره قومه: وقال الصادق: من عَذُبَ لسانُه زكا عقله:

 

اللسان مفتاح الخير والشر

 

هناك أمور يدركها الإنسان بفطرته فلا حاجة إلى أن يرشده أحد إليها أو يدلَّه عليها إذا لم يكن ناسياً أو متناسياً لها، فالإنسان مثلاً يعلم بأن الله تعالى موجود وواحد لا شريك له، وأنه أرسل إلينا أنبياءه ورسله، وأن ختام هذه الحياة هو الموت ولكن بعض مشاغل الحياة ووساوس الشيطان وزخارف الدنيا وهمومها وشهواتها يُشغله عما علِم وعرِف.

ووما عرفه هذا الإنسان هو أن الله تعالى خلق له اللسان من أجل وظائف عديدة أهمها النطق والتعبير والإفصاح والبيان، فهو يعلم بأن لسانه قد يكون مصدراً للخير أو مصدراً للشر، فإذا استعمله فيما ينفع فهو مصدر الخير ومفتاح البركة، وأما إذا استعمله في اللهو واللغو والبذاء فهو حينئذ يكون مصدراً للشر ومفتاحاً للباطل.

والعاقل هو الذي يستعمل لسانه فيما ينتفع به في الدنيا والآخرة لأنه بذلك يكون قد استعمله في الغاية التي خُلق من أجلها وهي النفع المطلق.

والإنسان المؤمن يخشى من الوقوع في الهلكة بسبب بعض فلتات هذا اللسان فتراه حذراً من التكلم فيما يمكن أن يوقعه في الحرام، وهذا هو عين العقل في التعامل مع اللسان، فهو يمسك لسانه إلا عن الخير عملاً بوصية رسول الله(ص) ويحافظ على لسانه كما يحافظ على ماله وولده لأنه غاية في الأهمية فهو أهم من المال بكثير وخسارته لا تُعوَّض أما خسارة المال فيمكن أن تُعوّض.

وبما أننا ممتحَنين باللسان وبما أنه مفتاح الخير والشر كان علينا أن نعمل بقول الإمام الباقر(ع): إن هذا اللسان مفتاح كل خير وشر فينبغي للمؤمن أن يختم على لسانه كما يختم على ذهبه وفضته:

ويقول أبو ذر الغفاري رضوان الله تعالى عليه: يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر فاختم على لسانك كما تختم على ذهبك ووَرِقِك:

واللسان له دور بارز في استقامة الإيمان وهو دليل إيمان العبد في الأغلب، ولذا قال رسول الله(ص) لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه:

وعن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: قال رسول الله(ص)  لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، فمن استطاع منكم أن يلقى الله تعالى وهو نقي الراحة من دماء المسلمين وأموالهم سليمُ اللسان من أعراضهم فليفعل:

فالإيمان مع لدغ الناس بسموم الكلام وأنياب اللسان لا ينفع صاحبه في شيء على الإطلاق، فاللسان إما أن يجر صاحبه إلى الجنة وإما أن يجره إلى النار، قال(ص) إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تستكفي اللسان أي تقول: إتق الله فينا إن استقمتَ استقمنا وإن اعوججت اعوججنا:

 

لسان العاقل

 

اللسان آلةٌ يستخدمها الإنسان في بيان مراده والتعبير عما في ضميره، فإذا كان ما في الضمير جميلاً كان الكلام جميلاً مثله، وإذا كان الضمير فاسداً فلن يُصدر اللسان سوى الفساد، فهو آلة سخّرها الله تعالى للإنسان من أجل أن يقضي بها كثيراً من حوائجه للدنيا والآخرة، فهو يتحكم بها كيف يشاء، وهي قابلة لأي نوع من أنواع الإستعمالات يعني يستطيع أن يستعمل لسانه في أرقى وظائفه ويستطيع أن يستعمله في أوضع وظائفه وأحط خصاله وأقبح أدواره.

فلسان الإنسان العاقل خلف عقله فلا تخرج منه الكلمة إلا بعد أن تمر على العقل فإن كانت نافعة أطلقها وإن كان مضرة حبسها، أما لسان غير العاقل فهو أمام قلبه فهو يُصدر أي نوع من أنواع الكلام من دون رقابة العقل لها وهذا هو الفارق الأساسي بين العاقل والأحمق، وهذا ما أشار إليه رسول الله(ص) بقوله: إن لسان المؤمن وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم بشيء تَدَبَّره بقلبه ثم أمضاه بلسانه، وإن لسان المنافق أمام قلبه فإذا همّ بشيء أمضاه بلسانه ولم يتدبره بقلبه:

وقال علي(ع): لسان العاقل وراء قلبه وقلب الأحمق وراء لسانه: فالعاقل يعرف مواضع الخطر ويدرك مواطن السوء فلا يسمع لسانه بأن يتفرد بالتصرف من دون مراجعة القلب لأنه يعي خطر الموقف وسوء العاقبة، أما غير العاقل فإنه يستهتر بالأمر ولا يبالي به فإذا وصلت الكلمة إلى اللسان أطلقها وإن أحدثت الكوارث.

وهذه هي الحقيقة التي أشار إليها الإمام علي(ع) عندما قال: إن لسان المؤمن من وراء قلبه وإن قلب المنافق من وراء لسانه لأن المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلام تدبّره في نفسه فإن كان خيراً أبداه وإن كان شراً واراه، وإن المنافق يتكلم بما أتى على لسانه لا يدري ماذا له وماذا عليه:

ويقول الإمام الحسن العسكري(ع): قلب الأحمق في فمه وفم الحكيم في قلبه:

وهذا اللسان له حق على صاحبه، فحقه أن لا تستعمله فيما يجلب العذاب والعاقبة السيئة، ولقد بيّن الإمام السجاد(ع) حق اللسان فقال: حق اللسان إكرامه عن الخَنا، وتعويده الخيرَ، وتركُ الفُضول التي لا فائدة لها والبرُ بالناس وحسنُ القول فيهم:

 

سلامة الإنسان في حفظ لسانه

 

هناك عبارة شهيرة يستعملها الناس فيما بينهم يعبّرون بها عن أهمية حفظ اللسان وكونه مصدراً للهلاك في كثير من الأحيان، والعبارة هي: لسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك: وهذه العبارة ليست من نساج عقل إنسان عادي بل هي حديث وارد عن النبي وآله(ص)، ونلاحظ بأن الإسلام دائماً يركز على مسألة الوعي والحكمة في كل شيء لأنه يريد للإنسان أن يحافظ على حياته وعلى آخرته في وقت واحد ليربح بسلوكه الحسن خير الدنيا وخير الآخرة.

فلقد رسم لنا الإسلام طريق الخير وشق لنا درب السلامة من باب حرصه علينا، وكان مما رسمه لنا هذا الدين العظيم أمراً نحفظ به أنفسنا من مخاطر هذه الحياة وأهوال يوم الحساب، فقال(ص): سلامة الإنسان في حفظ اللسان: وهذا هو الواقع الذي يدركه الجميع لأن لسان الإنسان عدوه في أغلب الأحيان لأن النطق بكلمة واحدة قد تودي بحياته أو تجلب له المضرة في دنياه، فمن أراد أن يحفظ نفسه من كل سوء فعليه أن يحفظ لسانه ويمسكه إلا عن خير لأن السكوت يعتبر عبادة عند الله تعالى ولأن الساكت يُكتَب عند الله تعالى من المحسنين ما دام ساكتاً فإذا تكلم فإما أن يحسن وإما أن يسيء.

ففلتات اللسان قد توقع الإنسان في متاهات ومحرمات هو بالغنى عنها، وقد تطيل له وقوفه للحساب بين يدي الله عز وجل عندما يكون بأمس الحاجة إلى القلة والخفّة.

فطالما أنك تتكلم فأنت قابل للوقوع في الخطأ، قال(ص): لا يسلم أحد من الذنوب حتى يَخزُنَ لسانَه: وقال: ما عمِلَ مَن لم يحفظ لسانه:

وسوف أنقل إليكم بعض الروايات التي تحكي لنا عن كون حفظ اللسان مصدر لحفظ الإنسان، قال أمير المؤمنين(ع): حفظ اللسان وبذل الإحسان من أفضل فضائل الإنسان: وقال: مَن حفِظ لسانه ستر الله عورته: وقال: من حفظ لسانه أكرم نفسه:

ولذلك ينبغي أن نحتاط من زلات الألسن، قال علي(ع): زلة اللسان أنكى من إصابة السِّنان: وزلة اللسان تأتي على الإنسان، وزلة اللسان أشد هلاك، والمرء يعثُرُ برِجله فيَبرى ويعثرُ بلسانه فيقطَعُ رأسه:

 

  فتنة اللسان

 

عندما نتلوا سور القرآن المجيد تستوقفنا آيات كريمة تشير إلى موضوع الفتنة وكونها من أسوأ ما يمكن أن يصدر عن هذا اللسان، وأبرز تلك الآيات اثنتان، الأولى قوله تعالى في سورة البقرة(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) والثانية في ذات السورة وهي قوله سبحانه(وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) وهذه الفتنة من صنع اللسان الذي يأتمر لقوى الشر التي تحرك كثيراً من الناس الذين ضعفوا أمام الشهوات واستسلموا للهوى واتبعوا خطوات الشيطان الغوي بعد أن حذّرهم الله منه ونهاهم عن اتباعه لأنه عدوهم الأكبر.

فقد يرتكب الإنسان جريمة في حق شخص فيقتله أو يجرحه أو يُحدث له أذى معيّناً ولكنه قد يُحدث فتنة داخل مجتمع أو أمة فيقتل المجتمع كله أو الأمة كلها، ولا نعني بالقتل هنا مجرد الموت بل نعني ما هو أمر من الموت وأدهى وهو موت النفوس والضمائر والإباء فهذا هو الموت الحقيقي بل الموت الأحمر.

فقد يطيب الجرح من جرّاء ضربة السيف أو طعنة الرمح أو من جراء إطلاق النار أو من غير ذلك من أسباب الجَرح والألم، ولكن الجرح الذي تُحدثه الفتنة في صدر الإنسان أو في قلب المجتمع فإنه من الصعب جداً أن يطيب أو يبرأ إلا بعد وقت طويل قد يتجاوز العقود وربما القرون من الزمن، وأكبر دليل على ذلك هو وجود آثار الفتن بيننا والتي يعود زمن إحداثها إلى ما يقرب من ألف وأربعماية سنة، وبعضها يعود إلى ما قبل ذلك بقرون.

فقد تُسوّى عملية القتل عن طريق دفع الدية أو الإقتصاص من المجرم بحسب القوانين الشرعية أو المدنية ولكنّ عملية الفتنة من يسوّيها ومن يُنهي أمرها؟ الجواب يعرفه الجميع ولكن الحل ليس بأيديهم لأن آثار الفتن بُقَعٌ لا تزول أبداً.

ولهذا وصف الرسول(ص) الفتنة بأنها أشد وآلم من ضربة السيف حيث قال: فتنة اللسان أشد من ضرب السيف: وقال علي(ع): ضرب اللسان أشد من ضرب السِّنان: وقال: حد اللسان أمضى من حد السنان: وقال: حد السنان يقطع الأوصال، وحد اللسان يقطع الآجال:

 

   خطر اللسان

 

كما ينتبه الإنسان للأشياء الثمينة ويخاف عليها من التحطُّم والتلَف فكذلك يجب أن يحافظ على لسانه ويخاف منه كيلا يصدر عنه ما لا تُحمد عقباه وما لا يُتوقع.

فاللسان مخلوق خطير بقدر ما هو مهم وعظيم وجميل فهو ذو طريقتين أو وجهين إن صح التعبير فمرة يصدر عنه النافع وأخرى يصدر عنه المضر ومرة ينطق بالحق وأخرى ينطق بالباطل، ومرة يحكي الخير ومرة يحكي الشر فهو متعدد الوظائف كما مر معنا في البحوث الماضية.

ولهذا أمكن القول بأن اللسان أكبر مصدر لبلاء الإنسان لأنه هو الذي يجلب المتاعب لصاحبه من خلال الإنزلاق والفلتان والتسرع والتهور في الكلام.

ولقد أشار رسول الله(ص) إلى هذه الناحية عندما قال: بلاء الإنسان من اللسان:

فلو قارنا هذا الحديث مع الواقع الذي يعيشه البشر مع هذا اللسان لأدركنا وضوح هذه الحقيقة لأن الألسن مصدر أكثر الشرور، فقد ينطق الإنسان بكلمة تجعله موضع ظن سوء الناس فيعاتَب ويلاحَق وربما يعاقَب أو يُقتَص منه.

وكثيراً ما تكون الكلمات عدواً للإنسان وخصوصاً لدى الذين لا يحسبون للعواقب السيئة أي حساب، فإذا لم يحذر الإنسان من خطر لسانه فلا يُؤمَن عليه من الوقوع في التهلكة بين لحظة وأخرى، ولذا ينبهنا أمير المؤمنين(ع) لهذا الخطر المحدق بنا على شكل الدوام فيقول: ربَّ لسان أتى على إنسان: يعني صب في غير مصلحته وكان سبباً في هلاكه إما في الدنيا وإما فيها وفي الآخرة، ومن هنا وردت النصوص التي توصي بحفظ اللسان وذلك من خلال ملاحظة عواقبه الوخيمة.

وقال(ع): كم من دم سَفَكَه فم: وقال: كم من إنسان أهلكه لسان: وقال: رب كلمة سلبت نعمة فاخزُنْ لسانَك كما تَخزُنُ ذَهبَك وَوَرِقَك: وقال رسول الله(ص): أمسِك لسانك فإنها صدقة تَصَّدّقُ بها على نفسك:

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى