
البَحْث عَن المَاء
أصبح سَيرُهم أبطأ من ذي قبل بسبب الوزن الزائد الذي وُزّع على ثلاث نياق بعد موت الرابعة، ولم يعُد بإمكانهم قطعُ مسافات طويلة في وقت أقل، وهم الآن يدفعون ثمن استهتارهم بكلام كبير قبيلتهم الذي نصحهم باصطحاب ناقة خامسة، فندموا واستسلموا للواقع المرير، وحتى لو خسروا جميع النياق فهم موطّنون أنفسهم على متابعة السفر ولو سيراً على الأقدام.
لقد ساروا بعد تلك الحادثة سبع ساعات متواصلة لا يُكلم أحدهم الاخَر، وهذا ما جعلهم يشعرون بطول الوقت المملوء بالملل القاتل، وكانوا بعد كل حادثة يندمون على خروجهم من قبيلتهم، ولا أثر لندمهم هناك مهما كان شديداً.
وفي الساعات السبع ورغم بطئ المسير استطاعوا أن يقطعوا مسافة سبعة فراسخ(أي ما يقرب من أربعين كيلو متراً) وذلك بشِقِّ الأنفس حيث جفّت عروقهم من شدة الحرارة، وهذا يحتاج إلى المزيد من الماء، ولهذا قرروا السير في الليل، والمكوث في النهار حرصاً على سلامتهم وما تبقّى من ماء معهم.
لقد مضى على خروجهم من قبيلتهم سبعة أيام، وقد حملوا معهم من الماء ما يكفيهم لأسبوعين، ولكنّ بعضَ قِرَبهم كانت هشَّةً، فغار منها الماء في الطريق دون أن يلاحظوا ذلك، وهذا يعني أنّ حياتهم باتت في خطر، فإنّ الماء للمسافر في الصحراء يعني عين الحياة.
كان من المقرر أن يكفيهم الماء لأسبوعين ريثما يجدوا واحة أو بئر ماء، أما بعد ذهاب قِربتين من قِرَبهم أصبح من الضروري الإقتصاد بالماء قدر الإمكان كيلا يُهلكهم الظمأ، ففي بداية الأمر لم يقتصدوا به لظنهم بوجود ما يكفيهم، أما بعد ذهاب ثلثه صار لازماً عليهم عدم الشرب إلا للضرورة.
وبدأ القلق يساورهم، وقد فهموا كلام الرجل الذي نصحهم بحمل الكثير من الماء، ثم تابعوا سيرهم لعدة ليال، ولم يبق معهم سوى صُبابة في قِربَة واحدة، وفي ذلك اليوم ساروا قبل غروب الشمس حيث خفّت حرارتها، والتقوا برجل كان يجلس وسط الطريق، ففرحوا كثيراً حيث وجدوا بصيص أمل في البقاء على قيد الحياة، فسألوه عن بئر ماء بعد السلام عليه، فدلّهم على مكان بئرٍ مزعوم.
بئْرُ المَاءِ المَزْعُومة
الغريق يتمسك بشعرة، والظمآن يحسَب السراب ماءاً، هكذا كانت حالة شبابنا في تلك الصحراء القاحلة الحارقة حيث توقّفت حياتهم على جرعة ماء واحدة.
لقد كانت ليلة صعبة عليهم، وموحشة بالنسبة لحالهم، فبينهم وبين الموت من العطش ساعات، وقد خافوا من أن ينتهي بهم الأمر جيفاً في الصحراء كما حدث للرحالة الذي دفنوه منذ أيام.
وبينما هم يسيرون وإذ بأمجد يصيح قائلاً: هيا أسرعوا فهناك واحة ماء كبيرة، فجدوا السير نحوها فكانت سراباً، وهكذا تكرر هذا الأمر معهم مرات، وفي كل مرة كان يخيب ظنهم لأنه مجرد انعكاس ضوء الشمس الذي يريهم لون التراب كلون الماء.
وفي تلك اللحظات الصعبة المشحونة بالخوف والظمأ معاً أصبحت الحاجة إلى الماء ضرورةً مُلحّة، فالماءُ هناك يعني الحياة، وعدمُه يعني جيَفاً في الصحراء تأكلها العقبان والسباع، وبدأ خطر الجفاف يدنو منهم ساعة بعد ساعة، وهم يتمنون اللقاء بأحد يحمل معه جرعة ماء أو يدلَهم على مكانه، وبعد ساعات من القلق بدأ الظلام يُسدل ثوبه الأسوَد على المكان الذي علت فيه أصواتٌ غريبة، وكانت فرائصهم ترتعد خوفاً، وكادوا يفقدون صوابهم لولا أن رأوا ناراً من بعيد، فدنوا منها على حذر خشية أن تكون مَصيدة، وإذ بهم يرون رجلاً يجلس في الطريق وأمامه نارٌ يستضيء بها، وفي غِمده سيفٌ بتّار، فركضوا نحوه وسلّموا عليه وسألوه إن كان يحمل معه ماءاً ليغيثهم به ويُنقذهم من الهلاك، فنفى وجود الماء معه رغم وجوده في قِربته.
ولسوء حظهم هذه المرة كان الرجل جاسوساً يعمل لصالح قُطّاع الطرق، وكانت وظيفته اصطياد العطشى وتوجيههم نحو الطريق المنحرف عن جادّة القوافل ليصبحوا لقمة سائغة في أفواه اللصوص الذين لا يرون بأعينهم سوى الأصفر والأبيض.
كان الرجل أحد أفراد اللصوص، ولم يكن في تلك الطريق أي بئر ماء، وقد صدّقه الشباب وتوجهوا مسرعين نحو البئر الذي لا وجود له، فصدقوه لاعتقادهم بأنّ جميع الناس يشبهون أهل قبيلتهم في الإنسانية، ولطيب سجيتهم لم يلاحظوا نظراته المريبة وحركاته المشبوهة، بل لم يلفت انتباههم قربته المملوءة بالماء، فقد شغلتهم حاجتهم للماء عن قراءة ما بين السطور وما تخفيه العيون.
وبعد مسيرٍ دام لأكثر من ساعة انتبه ماجد للأمر، وقد شعر بشيء غريب حيث أخبرهم الرجل بأنّ البئر تبعد مسير عشر دقائق، وقد مشوا لأكثر من ساعة ولم يكن هناك أية علامة تدل على وجود الماء، فلا طيور ولا حيوانات ولا خضرة، فتوقف وأخبر أصحابه بما يدور في خاطره، بعد أن تيقَّن بأنّ الرجل يكذب عليهم، وأنّ هناك خطراً يحدق بهم، فقال له مجيد: وما مصلحته من الكذب علينا؟ فأجابهم: إنتظروا قليلاً وسوف نعرف الخبر اليقين: وما هي إلا لحظات حتى وجدوا أنفسهم محاطين بالتلال من جهة، وبمجموعة من اللصوص من جهة ثانية، وكان الفرار من تلك الورطة شبه مستحيل.
لقد كان ينتظرهم سبعةٌ من اللصوص يحملون السيوف والخناجر، وكان سلاح الشباب مَخفياً، فظنّ اللصوص بأنهم عُزّل، وطلبوا منهم النزول عن ظهور النياق وتركِ كل شيء في مكانه، ثم أمر زعيم اللصوص رجاله بأخذ متاعهم ودوابهم، وقد أَلهْتْهم الغنائم عما سوف يحدث لهم، وفي تلك الأثناء شهر الشباب سيوفهم بسرعة البرق، وكانوا مدربين على المبارزة، وما هي إلا لحظات حتى سقط اللصوص بين قتيل وجريح، وسارعوا إلى ركوب النياق، ورجعوا من نفس الطريق مسرعين كيلا يكون لقُطّاع الطرق أعوانٌ في الجوار، وحينها أدركوا أهمية كلام كبارهم الذين منعوهم من الخروج دون سلاح.
وقد أكمل الشباب مهمتهم الشريفة كيلا يقع في فخ اللصوص غيرهُم من المسافرين، فرجعوا إلى الرجل الذي أوردهم مورد الهلاك، وكان نائماً، فجردوه من سلاحه، وانهالوا عليه بالضرب المبرح حتى لا يُعيد الكرة مع غيرهم، وهددوه إن أعادها ثانية فسوف لن يرحموه، وطلبوا منه الركض بأسرع ما يمكن، فخاف منهم وفعل ما طلبوه، وفرّ هارباً لينجو بنفسه.
بئْرُ المَاءِ الحَقيقية
شاءت حِكمة الخالق سبحانه أن تكون الدنيا دار تعبٍ وقلق، فيصعد الإنسان فيها قليلاً ويسقط إلى أبعد من الهاوية التي صعد منها، وهكذا تتجاذبه الحياة طول الوقت كالمَدّ والجذر، فحُزنها أكبر من فَرحها، وتعبها أكثر من راحتها، وداؤها أشد من دوائها، والعاقل هو الذي يفهم هذه الحقيقة وينطلق فيها على هذا الأساس.
أما أبطال قصّتنا فقد نجوا من الموت بأعجوبة، وشملهم لُطف خالقهم هذه المرة، وهم لا يعرفون ما سوف يواجههم في الأيام المقبلة.
لقد خرجوا من منطقة الخطر التي تصارعوا فيها مع قُطّاع الطرق، ثم تابعوا السير نحو العالَم المجهول، ولكنهم هذه المرة سلكوا الطريق الصحيح وِفق الخريطة المرسومة، ولو أنهم لم يثقوا بالرجل الجاسوس، ولم يسلكوا الطريق التي دلهم عليها لوجدوا بئر الماء على مسافة قريبة.
تابعوا المشي وقد انهدمت قواهم وأصبحت أجسادهم كالخِرَق البالية تحركها النسمات العليلة، وقد ظنّوا أنهم أُحيط بهم، فوقع مجيد على الأرض بعد أن فقد القدرة على الحركة بسبب جفاف عروقه، وهم عاجزون عن فعلِ أي شيء له، فحالهم في المأزق واحد، ثم جلس الباقون ينتظرون مصيرهم فأبى ماجد الإستسلام وأصرَّ على متابعة البحث عن الماء حيث لم يرغب في الموت بهذه السهولة، فأشار عليهم أن يبقَوا مكانهم ويتابعَ هو البحث، فإن رجع إليهم بالماء فهذه غايتُهم، وإن لم يرجع كان الله في عونهم، ولم يكن أمامهم خَيارٌ غير هذا.
تركهم وتابع البحث وهم يظنون بأنها النهاية، فراحوا يذكرون أحداث طفولتهم ويعودون بالذاكرة إلى الزمن الجميل، وقد مسكوا أيدي بعضهم كعلامة على الوداع، وبينما هم كذلك وإذ بماجد يرجع مسرعاً وهو يحمل في يده إناءاً صغيراً فيه القليل من الماء، وراح يسقيهم واحداً تلو الآخر حتى يستعيدوا نشاطهم ليصلوا إلى مكان البئر الذي لم يكن بعيداً عنهم، فحمدوا الله على كرمه، وانطلقوا نحو البئر مسرعين.
وكانت البئر قريبة جداً من مكان الجاسوس الذي كان السبب في إيصالهم إلى هذا الوضع المزري، فوصلوا إليها وشربوا حتى ارتووا، وملأوا قِربهم، وأحكموا إغلاقها كيلا يصيبهم ما أصابهم، وأصبح الماء بالنسبة إليهم أهم ما يفكرون فيه في تلك الرحلة، واغتسلوا بمائها البارد العذب، وأخذوا قسطاً من الراحة ليستعدوا للإنطلاق من جديد، والجدير بالذكر أنهم تعلّموا من جميع الدروس التي لمسوها وتحسسوها، ولكن ما غاب عنهم كان أكثر.
ثَلاثَةُ ذِئابٍ أَمَامَ البِئْر
للسفر قواعد، وللترحال أصول، وللقوافل ثقافةٌ خاصة، ولكل قافلة طريقتها في التعامل مع الطريق، فمن التزم بالأصول والقواعد عاد إلى أهله سالماً، ومَن أهملها كان الخطر قرينَه حتى يعود إن عاد.
أما شبابنا الأربعة، فلجهلهم بشؤون السفر ومخاطر الصحراء، وسرعة خروجهم من قبيلتهم دون الإطلاع على تلك القواعد جلب لهم الكثير من المتاعب، ولا نعلم إن كانوا سيعودون إلى ديارهم سالمين بعد الإنتهاء من رحلتهم الطويلة.
فعندما وجدوا البئر وشربوا منها جلسوا للراحة فمرّ بهم أحد المسافرين وكان كهلاً، وقد جرى بينهم حديث مختصر بسبب ضيق وقت الرجل، ولكنه قبل أن ينفصل عنهم ويغادر مكان البئر طلب منهم عدم المكوث بالقرب من الماء ثم رحل، ولكن شبابنا لم يحملوا نصيحته على معناها الصحيح فقرروا المبيت بالقرب من الماء ليستمتعوا ببرودة الجو هناك، ويستأنسوا بصوت جريان الماء الذي أنقذهم من الموت المحتم.
أشعلوا النار كما يفعل المسافرون عادة، وتناولوا طعامهم، وربطوا نياقهم كيلا تبتعد عنهم وهم نائمون، وباتوا وهم يظنون الأمان، وقُبيل الفجر بقليل استيقظوا على أصوات النياق التي حاولت الإفلات فلم تقدر، ودنوا منها ليعرفوا الخبر، وإذ بهم يجدون أنفسهم محاطين بثلاثة ذئاب جائعة قد حاولت افتراس ناقة من نياقهم فمنعتهم الناقة من نفسها بعد أن جُرحت قدمها.
إنّ سيوفهم بعيدة عنهم، وعلى افتراض كانت قريبة منهم لما قامت بما يلزم، فلا يمكن إخافة ثلاثة ذئاب بسيف وإن كان بتّاراً، فأخذوا يرمون الذئاب بأحجار كبيرة ويُحدثون ضجة عالية في المكان حتى ابتعدت عنهم ولم ترحل.
وبقيت عيونهم مفتوحة وقلوبهم ترتجف خوفاً حتى أشرقت الشمس وكانت الذئاب قد ابتعدت قليلاً، فضمدوا جرح الناقة، وأراحوها من الركوب عليها ومن أحمالها ريثما يتم شفاؤها، وركب كل اثنين منهم على ناقة وانطلقوا وهم يلتفتون خلفهم وعن أيمانهم وشمائلهم كيلا تباغتهم الذئاب.
وبعد ساعتين وهم على تلك الحالة وجدوا الذئاب تعترض طريقهم وقد اقتربت منهم كثيراً، فلا يحتاج الأمر إلا إلى قفزة واحدة ويُقضى على الجميع.
وأمام هذا المشهد لم يكن أمام شبابنا سوى الإنتظار بهدوء والتفكير في كيفية الخلاص من تلك الوحوش الضارية التي لا ترى أمامها سوى إشباع بطونها.
وبدأت الذئاب تقترب منهم وتستعد للإفتراس، وشبابنا يتصببون عرَقاً من شدة الخوف، وفجأة يسقط ذئب على الأرض ميتاً ويهرب الآخران، فتفاجأ الشباب مما يحدث، وراحوا يلتفتون حولهم مذهولين، فرأوا شاباً وسيماً في مقتبل العمر يحمل بيده قوساً وسهاماً حادة، وكان صيّاداً ماهراً، وقد كان يتّبع الذئاب منذ يومين، وجاءته الفرصة المناسبة للقضاء عليهم وإخراج قبيلته من خوفهم حيث ارتبك أهل قبيلته وتوقّف رعيهم بسبب وجود الذئاب بينهم، وقد انتدبه أهل قبيلته للقيام بهذه المهمة التي كُلّلت بالنجاح، وقد استغل الشاب فرصة انشغال الذئاب بالشباب ونياقهم فأصاب واحداً في أم رأسه فمات على الفور، وهرب الذئبان الآخران.
أَحَدُ الشبَاب يَقَعُ في غَرَام أُختِ الصياد
بعد خلاصهم من خطر الذئاب على يد الصياد الشاب هدأ روعهم، واستعادوا وعيَهم بعد أن كادوا يفقدون صوابهم عند رؤية أنياب الذئاب الجائعة ومخالبها الجارحة، ولولا لُطف ربهم بهم لأصبحوا طعاماً لعسلان الفلوات، فنزلوا عن ظهور النياق وأقدامُهم ترتجف، وفرائصُهم ترتعد ليشكروا الصياد ويأنسوا بالحديث معه في تلك البقعة الخالية من أي جليس أو أنيس، تقدموا نحوه ببطئ، وأيديهم على مقابض سيوفهم، وكانوا على حذر منه في البداية لكثرة ما لاقوه من أخطار ومعاناة وخداع في طريقهم، فراح يضحك بشدة ويقول لهم: لو أردت أذيتكم لما رأيتم وجهي: فبادلهم بأحسن مما قالوا له وفعلوا معه، وجرى التعارف بينهم، وما هي إلا دقيقة حتى سيطرت على الجميع روح الثقة، وقد دعاهم إلى قبيلته للراحة والمبيت، فأبوا الدعوة خوفاً وهم كارهون لردَّها لأنهم بأمس الحاجة للراحة والإستجمام، ولكنَّ كلام الشاب اللطيف ومظهره الرائع لا يوحيان بأنه من أهل الشر، فلو كان كما توهَّموا لتركهم فريسة للذئاب الكاسرة، كان بإمكانه أن يتركهم ويستولي على كل ما يملكون، أو أن يقتلهم بسهامه الحادة التي لا تخيب أبداً، لكنه فعل الصواب وعبّر لهم عن إنسانيته الناصعة، وألحَّ عليهم أن يحلّوا ضيوفاً على قبيلته، فليس من عاداتهم أن يلتقوا بغريب دون أن يقوموا بواجب الضيافة معه بعد التعب والخوف وقلة الماء والطعام، ولم يترك لهم مجالاً للرفض، فإنّ رَفْض الدعوة تُعتبر إهانة للمضيف، وهم في قبيلتهم يعرفون ذلك تماماً، فوافقوا على تلبية الدعوة التي كانوا يتمنّون مثلها طيلة أيام رحلتهم، وتوجهوا نحو قبيلته التي لم تكن بعيدةً عن مكان التقائهم، وما هي إلا ساعة حتى وجدوا أنفسهم بين قوم يُشبهون قومهم في احترام الغريب وحُسن الضيافة، فقد استقبلهم الصغير قبل الكبير، ورحّبوا بقدومهم أحسن ترحيب، وأعدّوا لهم خيمةً واسعةً وأسرّةً عاليةً وأكوازَ ماءٍ للإستحمام، فاغتسلوا واستراحوا وشعروا بأنهم في قبيلتهم، وقد أُعدّ لهم طعامٌ لم يذوقوا مثله في قبيلتهم.
وبعد العشاء غرقوا في سبات عميق قد احتاجوا إليه منذ أن تركوا قبيلتهم، ولم يستيقظوا حتى وقت متأخر من اليوم التالي، ولم يُزعجهم في القبيلة أحدٌ احتراماً للضيافة.
وبعد نوم هادئ ومريح استيقظوا على رائحة طعام شهي وُضع أمام خيمتهم وهم نائمون، فقاموا وأكلوا، وقد ذهب عنهم التعب كله، وهدأت نفوسهم لتلك المشابهة بين هذه القبيلة وقبيلتهم من حيث العادات والأشخاص.
رَئيْسُ القَبيْلَة يُقيمُ احتِفَالاً مَهيباً
بعد أن تناولوا طعام فطورهم، وبينما هم جالسون يتسامرون أطراف الحديث ويسترجعون الذكريات الأليمة من بداية تلك الرحلة إلى يومهم ذاك وقف الشاب الصيّاد على باب خيمتهم فاستأذنهم بالدخول، فدخل وشاركهم مشاعرهم وكأنهم يعرفون بعضهم منذ سنوات، ثم أعاد الترحيب بهم من جديد ودعاهم باسم رئيس القبيلة إلى احتفال سيقيمه على شرف قدومهم، ففرحوا لذلك كثيراً ووافقوا على الرحب والسعة، وخرج الصياد ليشارك أهل قبيلته في التحضير لمراسم الإحتفال.
وعند المساء أتى الشاب إليهم مجدداً واصطحبهم إلى مكان الحفل، ولدى وصولهم وقف أهل القرية بأجمعهم وراحوا يرحبون بهم على طريقتهم حيث أنشدوا لهم أغنية ورثوها عن أجدادهم بحيث لو جالسْتَهم لظننتَ بأنهم يقيمون عرساً لأحدهم، ثم دنا منهم رئيس القبيلة وأجلسهم في مكان خاص كانوا قد أعدّوه لهم وكان مرتفعاً بعد الشيء عن مكان جلوس أهل القبيلة حتى يتسنى للجميع النظر إليهم وهو بالتالي تعبير عن التكريم والإحترام، وكانت النيران مشتعلة في أنحاء الباحة، ورائحة الشواء منتشرة في كل مكان، فقد ذبح الرئيس ناقتين على شرفهم، فأكلوا وأكل جميع أهل القبيلة الذين قاموا بعَرْضٍ رائع حسب طقوسهم وعاداتهم، وقد انتهى الإحتفال برقصة هادئة قامت بها فتيات القبيلة.
أَحَبهَا مِنَ النظْرَةِ الأُوْلى
وقع أمجد في غرام فتاة من أهل تلك القبيلة من النظرة الأولى، فعندما كانت فتيات القبيلة يرقصن ترحيباً بالضيوف وقع نظره على فتاةٍ حسناء قد أسر حبُّها قلبه، وشعر بشيء غريب يعتري روحه لم يكن قد شعر بمثله من قبلُ، ولم ينظر إلى غيرها طيلة فترة الرقص رغم وجود حسناوات كثيرات غيرها.
كانت حركاتها تعكس ما بداخلها من طيبة وعفّة، وكان الإستحياء بادٍ عليها، ولولا أنها مجبورة على الرقص بحسب عاداتهم لما اقتربتْ من حلبة الرقص، حيث كانت ترقص ببطئ شديد ورأسها منكّس نحو الأرض لم ترفعه إلا بعد انتهاء العرْض.
وبعد انتهائهم من عرضهم الترحيبي الحاكي عن أحد جوانب ثقافتهم دعاهم الرئيس إلى تناول طعام العشاء الذي أُقيم على شرفهم، فأعدوا للضيوف وليمة خاصة بهم، ولم يبدأ واحد منهم بتناول الطعام قبل أن يبدأ الضيوف كما ينص عليه قانون الضيافة عندهم، وكان الجميع يسارعون إلى خدمتهم، ومن أولئك الذين قاموا بالخدمة تلك الفتاة التي أحبها أمجد، فاقتربت منه على استحياء، وقدمت له الشواء، فلم ينظر إلى ما في يدها، بل بقي ينظر إليها وهو في حالة تعجُّب واستهجان، ولعلها شعرت بما شعربه ولم تنبث ببنت شفة، غاية ما فعلته الفتاة هو النظر إلى الأرض بخلاف أمجد الذي لم يُزحزح عينيه عنها.
لاحظ ذلك صديقه ماجد فنَهَره بيده كيلا يوقعهم في ورطة، لأنه إذا انتبه أهل القبيلة إليه وهو ينظر بهذا الشكل لإحدى فتياتهم بتلك النظرات الغريبة لاعتبروها تحرّشاً بأعراضهم، وهذا يعني نهاية الشباب في تلك البقعة، ولكن أمجد رغم الملاحظات التي وجّهها إليه ماجد بقي ينظر إليها دون أن يُبعد نظره عنها، فما كان من الشباب إلا أن استأذنوا رئيس القبيلة بالإنصراف بذريعة أنّ النعاس تملك بهم، فطلبوا من أمجد الرجوع معهم إلى الخيمة، ولكنه لم يسمعهم لانشغاله بالغرام، فحملوه وأنزلوه عن الكرسي حتى استعاد إدراكه.
وعندما وصلوا إلى خيمتهم انهالوا عليه بالسباب والضرب وهم يقولون: كدنا نهلك بسبب تطفّلك، كيف تفعل ذلك وهم يعاملوننا بكل لُطف؟ فأخبرهم حينها أنّ نيّته حسنة، وأنه أحب الفتاة ويريد الزواج منها، فقال له ماجد: أأنت تقول ذلك؟ ألم تقل لنا منذ عام أنك لن تفكر بالزواج قبل سن الأربعين؟ فما الذي أصابك؟
فأجابهم بقوله: لا أعرف، ولكنني عندما نظرت إليها شعرت بأننا خُلقنا لبعض، فقال له مجيد: ما هذا الهراء يا فتى؟ إنك لم ترها سوى لحظة، فكيف تقول ذلك، هيا، عُد إلى رشدك قبل أن نهلَك بسببك، فأجابهم لن أحيا بدونها، ولن أخرج من هذه القبيلة إلا برفقتها.
فقال ماجد: ماذا تقول يا أمجد؟ أتريدنا أن نصطحب معنا فتاةً؟ هل جُننت يا فتى؟ فقال: لا: الآن أصبحت عاقلاً.
فطلبوا منه أن ينام على أن يستأنفوا الكلام في الصباح فاستيقظوا بعد شروق الشمس فوجدوه جالساً كما كان بالأمس لم يذق طعم النوم وهو يفكر في تلك الفتاة التي خطفت قلبه.
وبعد قليل أتى الشاب الصياد لقضاء فترة الصباح معهم، فوجد أمجد على باب الخيمة بحالة لا تُبشّر بالخير، فخشي عليه من أن يكون قد أصابه شر، فسلّم عليه فلم يرد السلام لأنه لم يلاحظ قدومه بسبب غرقه في التفكير، فظنّ بأنّ أحداً من أهل قبيلته قد أساء إليه فدخل إلى الشباب مسرعاً وسألهم عن حالة صديقهم، فأخبروه بما حدث دون زيادة أو نقصان، فقال لهم: الآن فهمت الأمر، لا بأس عليكم فلديّ الحل المناسب، ولا أخفي عليكم بأني لاحظت الأمر ليلة البارحة ولم أتفوه بأية كلمة احتراماً لوجودكم بيننا.
مُصَارَحَةٌ بَيْنَ أَمْجَد والصياد
بعدما أخبره الشباب بأمر رفيقهم أمجد استبشر خيراً ووعدهم أن يجد لهم حلاً لتلك المشكلة دون أن يقطعوا رحلتهم.
خرج من الخيمة وطلب من أمجد أن يجلس معه قليلاً على انفراد، فابتعدا عن الخيمة واتخذا مكاناً للنجوى.
وقبل أن يسأله شيئاً عن الأمر بدأ يذكر له مغامرته مع الفتاة التي أحبها وكيف استطاع أن يصل إليها، وطمأنه بأن ما سوف يقوله له سيبقى سراً بينهما، وكان الشباب قد أخبروا الصياد بصوم الشاب عن الطعام فأخرج معه من الخيمة إناء لبن وبعض الخُبْز.
عندما وصلا إلى مكان نجواهما أقسم الصياد بأنه لن يحدِّثه بشيء قبل أن يأكل الطعام، فاستجاب له وتناول الطعام ثم بدأ الحديث بينهما.
حكى أمجد للصياد كل ما شعر به لحظة أن نظر إلى تلك الفتاة وأقسم له بحُسن نيّته، وأنه يتمنى خطبتها لتكون شريكة حياته، فسأله الشاب عن تقدير عمرها وشكلها وماذا كانت تلبس في الليلة الماضية فوصفها له وصفاً دقيقاً، فابتسم الصياد وقال لأمجد: هل تريد الزواج منها حقاً؟ فأجابه أمجد: بالطبع، وأنا أرجو ذلك في أسرع وقت، ولكن هل عرفتَها؟ فقال الصياد: ربما: ولكن أرجو منكم أن تقبلوا دعوتي في المساء لتناول طعام العشاء عندي، فرجعا إلى الخيمة وقد دعاهم الصياد لتناول العشاء في دار والده فرحّبوا بالأمر.
المُفَاجَأَةُ الكُبْرَى
في مساء ذلك اليوم لبّى الشباب دعوة الصياد لهم على العشاء في دار والده الذي كان يقوم بجولة في تلك الليلة على رعاياه، فوصلوا وقد رحّب الصياد بهم أشد ترحيب وأجلسهم في المكان المخصَّص للضيوف، فجلسوا يتحدثون ريثما يجهز طعام العشاء، وأمجد المغرم لا يتفوه بأية كلمة، وبينما هم كذلك وإذ بفتاة تدخل عليهم وتحمل بيدها أطباق الطعام فاقتربت منهم وألقت التحية عليهم بصوت خجول، فرفع أمجد رأسه ليرد التحية عليها وإذ هي تلك الفتاة التي دخلت قلبه، فانبهر كثيراً واحمر وجهه خجلاً، فوضعت الأطباق وخرجت فسأله الصياد:هل هي الفتاة المنشودة؟ فقال له:نعم، إنها هي: فسأله الصياد هل تعرف من تكون؟ فقال: لا: قال الصياد: إنها شقيقتي: فتفاجأ أمجد وازداد خجله وتلكأ عن النطق، ووقع الطبق من يده، وهمّ بالخروج من شدة الإحراج، فأمسك الصياد بيده، وطلب منه الجلوس والهدوء لمناقشة الأمر.
ثم سأل الصيادُ أمجد أمام جميع رفاقه ليكونوا شهوداً على ما سوف يتم التوافق عليه: هل تريدها زوجةً لك؟ فسكت خجلاً من شقيقها، فأعاد عليه نفس السؤال، فأجابه بخجل: أتمنى ذلك: فقال الصياد: لا بأس، سوف أذكر الأمر عند والدي لنرى رأيه، أما الآن فتفضلوا طعام العشاء هنيئاً، وسأخبركم برأي والدي في الغد، فأكلوا ثم انصرفوا إلى خيمتهم وهم يفكرون بتلك المفاجأة، ولكنهم كانوا يشعرون براحة كبيرة تجاه الأمر حيث لمسوا من الصياد رغبته في زواج أخته من رفيقهم أمجد.
رَأْيُ الوَالِدِ بطَلَبِ أَمْجَد
سُرَّ أمجدُ كثيراً بردّة فعل الصيّاد الذي كان أسعد منه لأنه كان يحرَص على صَوْن شرفه بأن تتزوج شقيقته الوحيدة من شاب يكون أهلاً لها وكفواً، وكان يتمنى أن تكون سعيدة في حياتها مع رجل يحترمها ويرعاها، وكانت أخته ليلى ذات أدب وأخلاق وجمال باطني وخارجي، وكانت تتمتع بذكاء خارق، وقد لمس أخوها احترام الشاب لقدسية الزواج منها مما شجّعه على الإسراع بالأمر وإقناع والده بذلك.
وبعد خروجهم من دار رئيس القبيلة فرِحين بسلوك شقيقها معهم وحرصه على إتمام الزواج واحترامه لقدسية حب أمجد لها حيث كان متفهّماً للواقع كما يجب، وكان على استعداد لأن يُقنع والده بخصوص طلب يد أخته حيث وجد فيه الزوج المناسب لشقيقته الوحيدة وبالخصوص عندما علِم بأنه وحيد أبويه.
وبعد خروجهم من دار الوالد بساعة وصل الوالد إلى داره ليستريح من عناء الجولة التفقدية التي قام بها في قبيلته الواسعة، وقد سأل ولده إن كان قد قام بواجب الضيافة مع الشباب على الوجه المطلوب، فطمأنه وأخبره بأنهم خرجوا من الدار فرحين، فأثنى على ولده وعليهم، فاغتنم الفرصة لمفاتحة والده بأمر الشاب الخاطب، فقال لوالده: لو سمحتَ لي أريد أن أحدثك بأمر هام للغاية: ففهم الوالد ما يرمي إليه ولده دون أن يصرّح بشيء، وكان يريد أن يٍرى رأيه ليفي بوعده مع أمجد.
فعندما رأى الصياد طريقة والده في ردّ طلبه شعر بإحراج شديد تجاه الشباب الذين أحب صُحبتهم وخشي أن يخسرهم إن رفض والده طلبهم.
فبدأ يُحدّثه عن أخلاقهم العالية وأنهم من أهل قبيلة عريقة تبعد عن قبيلتهم مسير عشرة أيام بهدف تشجيعه على الموافقة.
وكان والده بدوره حكيماً نبيهاً عارفاً بمجريات الأحداث ومدركاً لعواقب الأمور، فقد أخبر ولده بأنّ مثل هذه الأمور لا تكتمل على وجه السرعة، فلا بدّ من التأني والتفكّر والتأمل جيداً، فهناك مقدمات وشروط يجب أن تتوفر في الطرفين، ولا يجوز أن نرمي بناتنا في أحضان رجال لا نعرف شيئاً عنهم، وفي نفس الوقت لا أريده أن يكون مغبوناً بابنتنا، فلربما كانت مجرد نزوة سينساها يوم رحيله من عندنا، إنه لم يسمع صوتها بعد ولم يجلسا ولم يتحدثا، فلربما إن تجالسا تغيّر كل شيء، وأنا أيضاً لم أجلس معهم بعد بما يكفي، ولم أتعرّف عليهم كما يجب، فنحن قومٌ لا نُرهق ضيوفنا بكثرة السؤال كما تعلم، أليس كذلك؟ لهذا يا ولدي العزيز تريَّث قليلاً ريثما أنظر في الأمر عن كثب، إنها ابنتي الوحيدة ولا أريد أن أظلمها إن أنا تسرّعتُ في الحُكم، ثم إنني لا أريد أن أجبرها على اختيار الزوج، فهذه حياتها الخاصة، على أي حال أدعُهم إلى جلسة معي عصر الغد، أريد أن أطرح عليهم بعض الأسئلة دون أن أضايقهم، وبعدها نُصدر القرار المناسب، فإن كان أهلاً لها فلا مانع عندي، فابتسم الصياد واستبشر خيراً وذهب إلى خيمة الشباب على وجه السرعة، وطلب منهم الحضور إلى دار والده في عصر الغد، فسألوه عن رأي والده فقال لهم: غداً تعرفون، ثم انصرف مسرعاً واجتمع بشقيقته وشجّعها على القبول بأمجد زوجاً، فسكتت كعادة كل فتاة، وكان ذلك مؤشّر خير بالنسبة لشقيقها.
ففي الليلة السابقة لم يذق المغرَم طعم النوم، وفي هذه الليلة لم يذق الأربعة طعمه وهم يفكرون فيما سوف يقوله رئيس القبيلة لهم، ولم يفارقهم الخوف في ذات الوقت، فلربما أراد أن ينتقم منهم إذا اعتبر الأمر لعباً به وبعرضه.
وهناك سأل أمجد الصياد مرة أخرى عن رأي والده فلم يجبه، ومن تلك اللحظة أخذ القلق يساوره، ولكن ليس باليد حيلة سوى الإنتظار لمعرفة النتيجة.
الإِجْتِمَاعُ بِوَالِد الفَتَاة
تمّ الإجتماع مع والدها حسب طلبه بعد أن حضر الأربعة في الوقت المحدد، وهذا ما أثار إعجاب الوالد بهم لأنّ احترام المواعيد في عُرفهم مؤشِّرٌ على الخير المُطْلَق.
جلس الجميع دون أن ينطق أحدهم بأية كلمة، وكان الواحد منهم ينظر إلى الآخر بعين القلق، وفجأة انهال الوالد على المغرَم أمجد بالعديد من الأسئلة والإختبارات، وكان يجيبه على كل سؤال بثقة نفس واطمئنان، وهذا ما زاد في إعجاب الوالد به، حيث زرعت إجاباته الواضحةُ بذرة الطمأنينة في قلبه.
لقد طرح الوالد على أمجد أكثر من ثلاثين سؤالاً، وقد دلّ نوع الأسئلة على ذكاء الوالد وحِكمته، ودلّت الإجابات على صدق أمجد وصفاء نيّته.
ومن جملة ما سأله الوالد:
سؤال: إلى أية قبيلةٍ تنتمي؟
جواب: إلى أخت قبيلتكم.
سؤال: ماذا تعني بأخت قبيلتنا؟
جواب: عندما حللنا ضيوفاً عليكم رأيت عندكم ما أراه في قبيلتي من حب واحترام وإكرام للضيف وعفّة وإخلاص فظننتُ أني لم أخرج من قبيلتي بعدُ، وعندما دخلناها ورأينا استقبال الناس لنا تذكّرت ما كنا نفعل عند قدوم أي ضيف، فقبيلتكم أخت قبيلتنا بالفضائل والمكارم، وكأنك ورئيس قبيلتنا تقرأون في دستور واحد وتسلكون نفس الطريقة.
سؤال: ما اسم والدك وما هي كُنيته؟
جواب: إسم والدي عاطف، وهو اسمٌ على مسمى باعتراف الجميع، فعطفه لا حدود له، وكُنيته أبو أمجد وأنا وحيده.
سؤال: ماذا يملك والدُك؟
جواب: يملك الكرامة والصفات الحميدة.
سؤال: ما هي طبيعة عمله؟
جواب: الرعي والزراعة.
سؤال: كم دار لديكم؟
جواب: قبل وصولنا إليكم كان والدي يملك داراً واحدة، وبعد وصولنا أصبح مالكاً لدارين.
ثم قال له والد الفتاة: كنت أنوي أن أطرح عليك المزيد من الأسئلة، أما جوابك الأخير هذا أغناني عن طرح أي سؤال آخر، ولكن لا بدّ من طرح سؤال أخير لأنني أريد أن أطمئن على حياة ابنتي الوحيدة، فقال أمجد: تفضّل يا عم وسل ما بدا لك، فقال الوالد: ماذا كنتَ تعمل في قبيلتك، ولماذا أنت هنا؟ وإلى أين تريد أن تذهب.
في قبيلتي كنت أساعد والدي في مهنته، وقد زارنا رحّالة غربي وفتح أنظارنا على التجوال والعمل بالتجارة، وقد أحببنا الفكرة وعزمنا على السفر إلى مدينة بعيدة فيها من البضائع ما هو مضمون الربح، وهي أول تجارة لي، وأتمنى أن تكون تجربة ناجحة.
فقال الوالد: إنه أمرٌ عظيم وأنا أشجعك على ذلك، فما استقامت الحياة إلا بالتجارة، ولكن كم هو رأس مالك؟ فقال أمجد: كنتُ قد ادّخرت من عملي خمس قِطَع ذهبية، وقد جلبتها معي لأتاجر بها، وهناك ابتسم الوالد وقال: لا بأس، هذا أمرٌ هيّن وسنتكلم به غداً إن شاء الله.
وبعد اجتماع دام لأكثر من ساعتين، وبعد أن أفرغ كل ما بجعبته من الأسئلة وافق على زواج ابنته منه بشرط أن يأتي برفقة والده بعد العودة من رحلتهم، عملاً بالقواعد المتفق عليها عند العرب، وبدوره وافق أمجد على جميع الشروط التي وضعها والدها لضمان حياة كريمة لها في ظل رجل يحميها ويصونها، ومنذ ذلك الحين بدأت له ولها صفحة جديدة في حياتهما جعلتهما يهتمان بنفسيهما أكثر، وخصوصاً بعد أن جلسا معاً وتكلما واتفقا على خوض غمار الحياة كنفس واحدة في جسدين، لقد كانت الفتاة بمستوى طموحه، وهو بمستوى طموحها، حيث سكن قلبه لها، وقلبها له، ولكنَّ الحياة لا تستقيم لأحد، حيث بدأت تظهر المنغّصات منذ أن غادروا تلك القبيلة في طريق إكمال رحلتهم، وبقيت قلوبهم موزّعة بين موطنهم الأصلي، والقبيلة الجديدة.
الشيخ علي فقيه

