
كلمات الإمام الحسين(ع) في أرض المعركة
رغم اشتداد الحرب على أرض كربلاء ورغم ما أظهر القوم من لغة الإنتقام والتشفي بالكبار والصغار حيث لم يرحموا وليداً ولا رضيعاً ولا امرأة ورغم الخطر المميت الذي كان محدقاً بالحسين وأصحابه وأهل بيته ورغم علم الإمام(ع) بالنتائج التي حصلت قبل حصولها لم يمنعه ذلك كله عن تأدية واجبه كإمامٍ للمسلين وخليفةٍ لرسول رب العالمين فبقي مصراً على وعظ القوم وإرشادهم وإلقاء الحجج عليهم ليكون بريء الذمة عند الله وعند أهل المجتمع البشري برمته حتى لا يقول قائل ليته وعظهم قبل أن يحاربهم أو يحاربوه حيث قطع عليهم الطريق منذ تلك اللحظة فأراحهم من تبعات كثيرة كانت ستلازمهم لو أنه لم يتكلم ولم ينصح، ولقد كانت كلماته الكريمة أثناء الحرب ذات وقعٍ كبير على نفوس الناس ممن كانوا حاضرين وممن لم يشهدوا تلك المعركة بأعينهم.
لم يكن كلام الحسين في كربلاء موجهاً إلى جيش يزيد فقط بل كان يقصد به الأمة كلها لعلمه بأن أخبار وتفاصيل تلك الثورة سوف تصل إلى كل بقاع هذه الأرض بقدرة الله وحكمته، فلقد استغل هذا الموقف لبيان الحق وكثيرٍ من المواقف والحقائق التي ضللها الإعلام اليزيدي الظالم والغاشم والآثم، كان كلامه موجهاً للمقصرين الذين لم يخرجوا معه إلى أرض كربلاء خوفاً من يزيد، وكان موجهاً أيضاً إلى الذين لم يعرفوا شيئاً عن تلك الحادثة إلى بعد أن قُضي الأمر، فالذين كانوا يعرفون ولم يبادروا بالنصرة ندموا ندماً شديداً، وهذا الندم نفع مجموعة منهم ولم يؤثر بالمجموعات الأخرى التي أعادت الكرة مرة أخرى عندما انتفض الثوار للإنتقام من يزيد، فالخائفون الذين لم يخرجوا مع الحسين لنصرته لم يخرجوا مع أتباع الحسين للأخذ بالثأر وللقضاء على أذناب الباطل وأتباعه فارتكبوا الجريمة مرتين، مرة في حياة الإمام الحسين ومرة بعد استشهاده، فهؤلاء ندموا باللسان فقط أما الذين ندمت قلوبهم أو لم يكن باستطاعتهم الخروج مع الحسين لظرف أمني فقد خرجوا بعد ذلك وواجهوا الظلم والظالمين حتى استشهدوا جميعاً كما حصل في ثورة التوابين.
وعلى كل حال فإن هناك بحوثاً لاحقة سوف نذكر فيها تلك التفاصيل بإذن الله تعالى، أما الآن فنقف عند بعض الكلمات التي صدرت من الإمام الحسين في كربلاء وبعض ما صدر منه قبل كربلاء لأن كل كلامه مرتبط ببعضه البعض، لندرك أبعادها الباطنية قبل الأبعاد الظاهرية التي قد تكون موهومة للوهلة الأولى، أعني بالموهومة أي أن بعض الناس فهموها بطريق مغاير لطريقها ومختلفٍ مع حقيقتها، فالأمر هذا لا يحصل بشكل عشوائي أو بأسلوب سطحي عابر، فلا يمكن الوصول إلى أعماق وأهداف وأبعاد كلام إمامنا الحسين إلا بالبحث والتدقيق والتأمل وحمل شيء على شيء فإذا حصل ذلك أمكن الوصول إلى معرفة بعض تلك الأبعاد والمعاني.
وقبل أن نقع في الوهم مرة أخرى حول هذا الأمر فقد قسّمت كلام الإمام إلى ثلاثة أقسام: قسم صدر منه في المدينة قبل خروجه إلى كربلاء، وقسم صدر منه في أثناء الرحلة وفي مكة المكرمة، وقسم صدر منه في أرض المعركة، والذي صدر منه في كربلاء نوعان، نوع قبل بداية القتال ونوع عند البدء بالقتال، وكل كلماته يرتبط بعضها بالبعض الآخر.
وقبل أن نتبرك بذكر بعض تلك الكلمات النورانية أشير إلى اختلاف أفهام الناس للكلام بشكل عام أي الذي صدر عن المعصومين وعن غير المعصومين لأن بعض الناس قرؤوا الكلام ودرسوا كل ظروفه فعرفوا المقصود منه فهؤلاء سلكوا الحق وقالوا الحق، وبعضهم قرأ الكلام فلم ير منه سوى الظاهر فهؤلاء أهلكوا أنفسهم وكثيراً ممن هم معهم، وبعضهم قرأ الكلام وأدرك عمقه بالكامل ولكنه أصر على التعتيم وكتمان الحق وإخفاء الحقيقة وهم كثيروا في تاريخ الإسلام بل هم يشكّلون الأكثرية الساحقة حيث لم يكن من مصلحتهم الدنيوية أن يعترفوا بالحقيقة كيلا ينتهي تاريخٌ طويل طالما قاتلوا من أجله ومن أجل استمراره وهم يعرفون بأن تاريخهم مليء بالباطل.
نأتي الآن إلى بعض كلمات الإمام الحسين وأظن أن المقدمة التي ذكرتها تعيننا كثيراً على فهم المراد بشكل أسرع وأفضل، فمن جملة كلامه(ع) والذي اختلف الناس في المراد منه قوله أثناء الحرب عندما لم يبق من أصحابه وأهل بيته أحد سوى الإمام زين العابدين قال: يا قوم أسقوني شُربة من الماء فقد تفتت كبدي من الظمأ: هذه الكلمة نقرؤها في مقتل الإمام ونسمعها كثيراً على ألسنة خطباء المنبر الحسيني، ولكن كان الأجدر بهم أن لا يمروا على هذه الكلمة من دون شرح وتوضيح كيلا ترسخ فكرة خاطئة في أذهان الناس حول هذه الحقيقة فيكونوا مطالَبين بالأمر في يوم الحساب، لأن نقل تلك الوقائع مسؤولية كبيرة لا يجوز أن نزيد عليها حرفاً أو ننقص منها حرفاً، وقد لا يزيد الناقل أو ينقص أي حرف ولكنه قصّر في البيان والشرح وإظهار المراد، وحكم هذا التقصير هو نفسه حكم الزيادة والنقصان لأن الشعور بالمسؤولية لدى من يشعر بها يجعله حريصاً على إفهام الناس كما كان الأنبياء والأئمة يفعلون، فالنبي لم يكتف بنقل الآيات فقط وإنما عمل سنوات طويلة على بيان المراد منها لأن جوهر المسؤولية في التبليغ إنما هي البيان وليس النقل، فقد تكون عملية النقل لا فائدة منها على الإطلاق وبالخصوص عند من لا يدركون المعاني إلا بالشرح والتفصيل، وقد نقل الرواة كثيراً من الأحداث التي جرت بين المعصومين(ع) وكثير من الذين كانوا يستفسرون منهم عن آية أو كلمة وردت في حديث وارد عنهم فيستغرقون من الوقت ساعات، ولم يطرد المعصومون أحداً من الناس مهما كان مستوى فهمهم ضئيلاً وإنما كانوا يصبرون عليهم ويخاطبونهم بالطريقة التي يفهمونها لأنهم(ع) أول الشاعرين بالمسؤولية تجاه الدين وأهله وبالتالي فهم مأمورون بذلك من قبل الله سبحانه وتعالى.
نرجع إلى كلمة الإمام الحسين(ع): أسقوني شربة من الماء: لنقرأ معاً أبعاد هذه الكلمة التي كان ظاهرها شيئاً وباطنها شيئاً آخر مغايراً للظاهر تماماً، فلو صدرت هذه الكلمة عن غير إمام معصوم لقلنا إن قائلها يطلب شرب الماء ليس أكثر، أما صدورها من غمام عظيم يدرك تماماً بأنهم لن يسقوه نقطة ماء لأن الذين حرموا الأطفال من شرب الماء لا يتورعون عن منع الإمام الحسين الذي هو أساس المشكلة في نظرهم، فإذا كان الحسين موقناً بأنهم لن يسقوه الماء فلماذا طلبه منهم؟ بعضهم ربما يقول إنه طلب ذلك لأن شدة العطش تدعو الإنسان إلى طلب الماء مهما كانت الظروف غير مؤاتية، وهذا قول لا يلتقي مع شخصية الحسين ونفسيته وروحه العظيمة وقلبه المفعم بالإيمان، فلو كان الحسين حقاً يريد الماء لشربه عندما وصل إلى المشرعة ولكنه واسى أهل بيته وأصحابه وأطفاله ونساءه ولم يتذوق نقطة من الماس وهو على ضفة النهر، فالذي يصدر عنه هذا السلوك لا يُعقل أن يكون كلامه في طلب الماء قد صدر بدافع العطش الشديد والخوف من الموت، فالحسين لم يخف من الموت ولم يُفقده الجوع أو العطش صوابه بل بقي متماسكاً رغم كثرة جروحاته وشدة ألمه حتى آخر رمق له في الحياة لأنه كامل متكامل لا يعيبه أي نقص، خلاصة الأمر أن الحسين لم يطلب الماء من أجل أن يشرب لأنه سوف يلقى ربه وجده بعد لحظات من صدور تلك الكلمة وهناك الشرب العظيم الذي لا يظمأ بعده أبداً، ولكنه طلب من القوم ذلك لسببين أساسيين: الأول: حتى ينقل للبشرية مدى ظلم القوم الذين تجاهلوا دينهم وإنسانيتهم في آن واحد، والسبب الثاني، وهو الأهم، وهو إلقاء الحجة عليهم حتى إذا ما وقف الجميع للمخاصمة بين يدي الله عز وجل فلا يبقى لهم عذر أو حجة فعند ذلك يُؤمَر بهم إلى العذاب الأليم.
فعلى الذين يصطادون بالماء العكر أن يوفروا هذا العناء لأمر يمكن أن يستفيدوا منه فإنهم مهما حاولوا أن يغيروا الحقيقة ويزوروا الأحداث فإن الله تعالى سوف يكون لهم بالمرصاد حيث لا يرضى الله ذلك لأهل بيت نبيه الذين اصطفاهم على كافة الناس.
وليعلم كل من يتبنى هذا الرأي السلبي تجاه الإمام الحسين أنه شريك في الجريمة التي ارتُكبت في حقه وحق أهل بيته وأصحابه، وليعلم أيضاً بأن قتلة الحسين لم يموتوا بعد لأن كل من سلك نهج أولئك القتلة هو منهم حتى لو فُصل بين زمانه وزمانهم بآلاف السنين لأن سنة الحق لا تتغير ونهج الباطل لا يتبدل فالحق حق والباطل باطل منذ أن خلق اله السموات والأرض وهما كذلك إلى يوم القيامة.
هذه العاقبة الوخيمة سوف تكون من نصيب المشارك بتلك الجريمة وإن تمت المشاركة بطريق غير مباشر لأن هذا الظلم لم يقع على شخص الحسين أو العباس أو علي الأكبر أو القاسم بن الحسن أو مسلم بن عوسجة أو حبيب ابن مظاهر وإنما وقع هذا الظلم على نهج الإسلام الذي مثّله الحسين في كربلاء، والمؤامرة اليزيدية من وراء قتل الحسين وأصحابه لم يكن الهدف منها القضاء على الأشخاص وإنما كان الهدف منها القضاء على النهج وهذا ما لم يحصل ولن يحصل لأي كان حتى لو كان أقوى رجل في العالم لأن نهج الحسين قد تكفّل الله بحفظه لأنه نهج الله عز وجل، سوف يُحفظ نهج الحسين كما حُفظ القرآن الكريم لأنهما توأمان، ولولا تحرك الحسين بالشكل الذي يعرفه الجميع في ذلك الوضع الحساس والظرف الحاسم لما بقي للقرآن ذكر ولكن شاءت قدرة الله أن يُحفظ القرآن بانتصار الحسين(ع) في كربلاء.
إن قتل الأشخاص لم يحل مشكلة عبر التاريخ بل كان تتأزم به المشكلات وهذا ما حصل للطرف اليزيدي الذي فتح على نفسه أبواب جهنم عندما تحامق وارتكب تلك الجريمة الفظيعة في حق الدين الحنيف الذي أنزل الله تعاليمه ليبقى مدى الحياة، نحن لا نعرف الوسائل التي يبقى فيها الإسلام في المستقبل ولكن ثقتنا بالله تعالى تجعلنا موقنين بحفظ الإسلام، ولا شك بأن طرق حفظه سوف تكون مشابهة للطرق التي حُفظ فيها بالماضي، فالرسول وآله حفظوا الإسلام بقولهم وفعلهم، وهذا ما ينبغي لسالكين نهجهم أن يقوموا به أي أن يدفعوا الثمن المطلوب، فقد يكون ثمن حفظه في المستقبل مالاً أو كلمة أو دماً، وواجب الإنسان المسلم أن يحفظ دينه بكل وسيلة ممكنة، وينبغي أن تكون الوسيلة مدروسة ومطابقة لأحكام الدين لا أن تخرج الوسيلة عن أخلاق الدين كما يصنع الإرهابيون في العالم فإن أسلوبهم شيطاني محض لأن الإسلام يرفض هذا المنطق العنيف، هناك فرق بين الجهاد المشروع وبين الإرهاب والإنتقام والتستر بثوب الدين حيث لم نعهد أحداً من الذين يدعون الإسلام كهؤلاء قد تصرف من غيرته على الإسلام بل كان تصرفهم نابعاً من الخلفيات السيئة التي تحركهم وتدعمهم بالمال بهدف زرع الفتة بين المسلمين وتشويه صورة هذا الدين الذي لم يعهد تاريخ البشر ديناً مثله من جميع النواحي والجهات.
الشيخ علي فقيه



