الفكر الكربلائي

من كلمات الإمام الحسين(ع)

مُحَاضَرَاتٌ مِنْ وَحْيِ عَاشُوْرَاء

 

من كلمات الإمام الحسين(ع)

 

إن أحداث كربلاء لم تقتصر على ما حدث في العاشر من شهر محرم عام واحد وستين للهجرة، وإنما كانت أحداثها أكثر من ذلك وأبعدَ حدوداً مما يتصور البعض منا، فلقد بدأت مؤشرات تلك الأحداث تظهر من يوم ولادة قائد الثورة أبي عبد الله الحسين(ع) وراحت تلك المؤشرات تزداد يوماً بعد يوم حتى تسلّم الحسين زمام الأمور في ظل تسلط يزيد ابن معاوية على الحكم الذي لم يكن يوماً من حقه أو حق أبيه وجده أو أحد ممن ينتمي إليهم بالنسب أو الإنتماء السياسي أو المذهبي، إن المؤشرات الفعلية لتلك الثورة بدأت قبل حدوث المعركة بأشهر عديدة، وذلك عندما فُرض الحصار الشامل على بني هاشم في المدينة المنورة خصوصاً وراح أتباع يزيد يلاحقون كل من له صلة بالإمام الحسين وذلك من باب تضييق الخناق عليهم حتى يرغموهم على المبايعة ليزيد، وأمرُ هذه المبايعة كان محسوماً عند الإمام الحسين(ع) لأن الموت في نظر الإمام كان أهون بمراتب من أن يداهن شخصاً مثل يزيد، فقتلُ الحسين أمر سهل عند الحسين أما المبايعة ليزيد فهي قتلٌ للحسين وبني هاشم وكل المؤمنين الشرفاء، وهي بالتالي قتلٌ للدين الحنيف لأن المبايعة تعني الإقرار بشرعية المبايَع له، وإذا كان المؤمن العادي يفضّل الموت بأبشع الطرق ألف مرة على مبايعة يزيد فكيف يكون الحال عند إمام المسلمين الذي عصمه الله تعالى ورفع له درجته وجعله سيد شباب أهل الجنة، فلا يمكن أن نتصور لحظة بأن الحسين قد حدّث نفسه بالمبايعة لأن ذلك أمر مستحيل لا يتم حتى يلج الجمل في سَم الخِياط، بل حتى لو حدثت معجزة وتم هذا الأمر فإن المبايعة ليزيد لا تتم من جهة الإمام الحسين.

من المستحيل أن يتم ذلك حتى لو لم يبق من الممتنعين سوى الحسين، ولم يُخفِ الحسين هذا العزم بل صرّح به بكل جرأة وذلك عندما خاطب الوليد بن عتبة بن أبي سفيان: قائلاً “أيها الأمير، إنا بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر وقاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أيّنا أحق بالبيعة والخلافة”

ففي هذه الكلمات القصار كشف الحسين(ع) عن حقيقة أهل البيت ومكانتهم عند الله والمجتمع، ثم عرّج على ذكر بعض الصفات التي كانت ملازمة ليزيد بن معاوية الذي لا يصلح أن يكون قائداً لنفسه حتى يكون خليفة للمسلمين، فلو كان يزيد متستراً بعيوبه لما فضحه الإمام على الملأ ولكنه كان متجاهراً بالفسق ومتجرءاً على انتهاك الحرمات وارتكاب الجرائم ولهذا حسم الإمام الحسين(ع) مسألة الخلافة مبيناً أنها من حق أهل البيت الذين هم أمناء الله على وحيه، ولم يكن قوله(ع) ومثلي لا يبايع مثله من باب التكبر بل من باب بيان الحقيقة التي يجب أن يفهمها كل الناس، إذ كيف يمكن للحسين العظيم المعصوم خامس أصحاب الكساء وثالث الأئمة النجباء أن يسلّم أمر الدين والأمة لرجل لا يَرويه سوى سفك الدماء ولا يشبع من ظلم الضعفاء وقتل الأبرياء، وكيف يمكن للحسين الكبير ذي الشأن الرفيع سيد شباب أهل الجنة أن يقتل الرسالة التي ختم الله بها شرائع السماء، هذا من أكبر أهداف الحسين في تحركه العسكري الذي كان الورقة المتبقية إذ لم يعد هناك وسيلة أخرى لتجنب الأمة أعباء القتال حيث انحصر الأمر في سلوكين لا ثالث لهما إما أن يبايع وإما أن يُقتل ففضّل الموت ألف مرة على مبايعة من لا تجوز مبايعته أو مداهنته أو تأييده حتى بكلمة واحدة لأن يزيداً كان يستغل تلك الشهادات من بعض أهل الدنيا الجبناء ليثبّت بذلك رجله على سِدّة الحكم وكرسي العرش.

وهناك نقطة هامة تتعلق في المقام تجدر الإشارة إليها حيث أنها تشكّل منطلقاً أساسياً في عملية دراسة الثورة الحسينية وفي عملية استنتاج بعض الأفكار التي تزيدها وضوحاً في عقول الأحرار وأصحاب الأقلام الحرة والضمائر الحية، والنقطة تلك هي عبارة عن سؤالٍ مضمونه: ماذا كان سيحصل لو بايع الحسين يزيداً: وما هي الخطة اليزيدية من وراء إجبار الحسين على المبايعة؟

وفي الواقع أيها الأخوة والأخوات ليس هذا السؤال سؤالاً عابراً ولا يمكن توضيح الجواب عليه بعبارة قصيرة مختصَرة حيث أرى أن الجواب عليه يتكفل بالكشف عن نوايا سيئة ومخططات قبيحة كانت ستقضي على روح الإسلام في القلوب وفي الحياة لأن المؤامرة الحقيقية لم تكن تتمحور حول قتل الحسين فحسب بل كان جوهرها أعمق من ذلك وقد كان الحسين(ع) يعرف ذلك تماماً ولهذا لم يعطِ يزيداً ذرة واحدة من أطماعه الهادفة إلى محو الحق من الوجود، ولم تكن المؤامرة قتل الحسين وأصحابه وأولاده في كربلاء وإنما كانت تلك الجريمة مقدمة لجرائم سوف تتْبعها إذا نجح الهدف الأول من تلك الخطة الشيطانية والمؤامرة اليزيدية التي انصب فيها كل حقد الأمويين من عهد أمية بن عبد شمس ووصولاً إلى طاغيتهم الأصغر يزيد.

كانت المؤامرة أن يُقتل الحسين وأهل بيته أولاً لأنهم كانوا يشكلون العائق الأكبر في وجه النظام اليزيدي الغاشم ثم بعد ذلك يسهل عليهم قتل أتباعه العزل والذين كان معظمهم موجوداً في سجون يزيد، كان يمكن لو نجحت خطة يزيد أن لا يقتلهم في السجون بالسيوف والرماح إذ كان من المحتمل أن يتركهم يموتون من الجوع والعطش، وبهذا يرفع جانباً من المسؤولية عن نفسه، وليس هذا السلوك ببعيد عن ساحة يزيد الذي حرم الأطفال والنساء من شرب الماء لأيام عديدة حتى مات بعض الأطفال من التعب والخوف والعطش كما حصل لرقية بنت الإمام الحسين سلام الله عليها التي ماتت متأثرة من جراء ظلم يزيد.

وعلى ذكر السجناء الذين افترى عليهم يزيد وظلمهم من دون أن يرتكبوا أي ذنب أنا شخصياً لي رأي خاص فيهم وهذا الرأي مستنتَج من دراسة واقع يزيد وأساليبه في التعاطي مع الرعية، كما وأن هذا الرأي يستند على أدلة نقلية صحيحة، ورأيي أن يزيداً  لم يَسجن أتباع الحسين ليُطلق سراحهم بل سجنهم ليُبدي رأيه فيهم عند ظهور أول نتيجة من أهدافه الحاقدة، فإذا كانت مصلحة الدولة الأموية العليا في قتل هؤلاء قتلهم جميعاً وإلا تركهم في السجون حتى يطمئن من أنه لن يجرؤ منهم أحد على فعل أي شي ضد مصلحته.

ولكن الأرجح هو أن القرار كان محسوماً عند يزيد وهو قتل السجناء مهما كانت النتائج حيث يرى في قتلهم إضعافاً للموقف العلوي الحسيني وتقوية لحكمه الذي لم يقم إلا على القتل والفتك والظلم وكل وسائل الشر.

إن تاريخ يزيد حافل بكل قبيح ومليء بالظلم والفسوق والفجور، إذ ماذا تأمل من إنسان لم يُر يوماً في كامل وعيه نتيجة للخمر الذي كان يعشقه، وماذا تأمل بشخص أنكر وجود الله ونبوة الأنبياء وخصوصاً نبوةَ خاتم الأنبياء(ص).

لم يُشفِ القتل غليل يزيد بل أمر بالتعذيب والتمثيل وقطع الرؤوس وطحن الصدور بحوافر الخيول كما صنع بجسد أبي عبد الله الحسين(ع) بعد أن قُطع رأسه الشريف.

ولي رأي آخر في مسألة منع النساء والأطفال من شرب الماء ولا أريد هنا أن أطرح موضوع الطفل الرضيع الذي شكّل قتله جريمة إنسانية من الدرجة الأولى، ولكنني أريد أن أعلق على موضوع منع الأطفال من شرب الماء، فلقد قال بعضهم لقد صنع يزيد ذلك كورقة ضغط على الإمام الحسين حتى يجبره على المبايعة له، أنا أقول هذا أمر صحيح لأن نية يزيد طالت هذه الفكرة ولكن هناك أمراً آخر لم يذكره البعض وهو أن وراء منع الأطفال من شرب الماء هدفاً آخر وهو التشفي والإنتقام بدليل أن الأطفال بقَوا محرومين من شرب الماء حتى بعد استشهاد الإمام الحسين(ع) فلقد استشهد(ع) عصر اليوم العاشر، وانطلق موكب السبايا صباح الحادي عشر، ووصلوا إلى الكوفة في اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر، ولم تُقدَّم نقطة ماء لهم، فإذا كان الهدف من ذلك الضغط على الحسين فها هي روح الحسين قد التحقت بالرفيق الأعلى فما الداعي إذاً من سريان مفعول هذا القرار الجائر، ووالله لو لم يخف يزيد من محيطه أو على كرسي عرشه لما سقاهم نقطة من الماء حتى يموت الجميع عطشاً، هذا رأينا بهذا الظالم الجائر الذي انتهك الحرمات وفعل كل أنواع المحرمات.

لأجل ذلك وغيره من الأسباب قال الحسين(ع) : إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما:

نرجع إلى موضوع السؤال الذي طرحته قبل قليل: ماذا كان سيحصل لو بايع الحسين يزيداً: وما هي الخطة اليزيدية من وراء إجبار الحسين على المبايعة؟

مع تأمل بسيط في سلوك يزيد ونفسيته الحاقدة وعطشه الدائم لشرب الدماء يتضح لنا أنه كان مصراً على قتل الحسين حتى لو بايعه والعياذ بالله لأن الهدف الأول والأخير لدى يزيد هو أن يقتل الحسين في قلوب محبيه قبل أن يقتل جسده لأن قتل الجسد لا يوصل يزيداً إلى غايته ولا يحقق له أهدافه التي خطط لها طويلاً فلقد كان متمسكاً برأيه ومصراً على إرغام الحسين تجاه البيعة له لظنه بأن الحسين يمكن أن يفكر لحظة في ذلك، ولكنه عندما يئس من مبايعة الحسين له تحركت بداخله نار الحقد فجعلته يغفل عن التبعات التي تنتظره فارتكب تلك الجريمة النكراء التي كانت بداية سقوطه بل السبب الأبرز في قتل ذِكره عبر الزمن، فوقع فيما أراد أن يوقع الحسين به غافلاً عن التدخلات الإلهية في مثل تلك المواقف التي يتعرض لها الدين أو أحد حمَلَته.

فلو بايع الحسين يزيداً لتعقدت الأمور أكثر وليس كما يتوهم بعض أصحاب التفكير السطحي الذين تحركهم العاطفة وتسيطر عليهم الصدمة، فلو بايع الحسين يزيداً لقُتل جسده وروحه وذكره في آن واحد ولكن الحسين لا تمر عليه مثل تلك الخُدع الشيطانية، ولا شك بأن يزيداً كان يجهل الكثير عن خصمه لأنه لو كان يعرف الحسين تماماً لتغيرت عنده كثير من الإتجاهات والخطط وربما النيات والأهداف فلقد جهل أن الحسين إن أراد أراد الله وإن أحب شيئاً أحبه الله وإن أبغض أمراً أبغضه الله ففعل بالحسين ما فعل وفُتحت عليه أبواب جهنم فاحترق في الدنيا قبل الآخرة.

وقد أراد يزيد أن يقتل الحسين على كل حال لتخلو الساحة من المعارِض وأصحاب النفوذ ليُفسح له المجال في ممارسة حكمه الظالم وعدله الأقبح من الظلم.

لقد أراد أن يكتسب شرعية انحرافاته من خلال إرغام الحسين على المبايعة حتى يجعل من الحسين ذريعة لسلوكه وحصناً لحكمه.

وأراد أن يقتل الحسين ليثأر من محمد وعلي ومن كل من أبغض النهج الأموي وقد صرّح البعض بذلك عند المعركة حيث قال للحسين إننا نقاتلك بغضاً منا لأبيك وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين، وهذا يكشف لنا أن كثيراً من الذين قاتلوا الحسين كانوا مضلَّلين بالإعلام اليزيدي الذي لم يُطلعهم على حقيقة هذا التحرك الذي يراد به غير ما زرعوه في نفوس الناس، وهذا الجهل بالحقيقة لدى بعضهم لا يبرر لهم مشاركتهم في تلك الجريمة التي لم يكن ينبغي أن تحدث مهما كان الهدف أو السبب.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى