منوعات تاريخية

إِيْذاءُ الزهْرَاءِ(ع) أَذَىً للهِ وَرَسُوْلِهِ

أسرار الخُطبَة الفَدَكيَة

 

إِيْذاءُ الزهْرَاءِ(ع) أَذَىً للهِ وَرَسُوْلِهِ

 

قال رسول الله(ص) :ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت: وهو من الأحاديث الصحيحة التي اتفق المسلمون عليها لإيمانهم بأن الرسول قد ابتلي بما لم يبتلى به غيره من الأنبياء، فالجميع متفقون على صحة ورود هذا الحديث، ولكن الخلاف وقع في معناه، فإن كل جهة تفسر معنى الأذى بالطريقة التي تفهمها والتي تنسجم مع آرائها ومعتقداتها، وربما مع مصالحها.

ولو بحثنا عن أبعاد هذه الكلمات التي أطلقها نبي الرحمة في بعض المواضع المُرة، ونظرنا إلى محتواها لأدركنا حقيقة ما قُصد بها، بَيْدَ أن جميع الأنبياء والرسل قد ظُلموا بشتى أنواع الظلم، وأشهرها القتل على أيدي اليهود الذين بالغوا في قتلهم وإيذائهم ليصدوهم عن تأدية واجباتهم وتبليغ رسالات ربهم.

لقد ضجت الأرض بحجم الظلم الذي وقع على الأنبياء والرسل(عليهم سلام الله) مِن قتل وتشريد ونفي وتجويع  وتوجيع وتخويف وتهويل وطرد من الديار وتكذيب واتهام بالسحر والجنون، إلى ما هنالك مما لا طاقة لنا على حصره بسبب كثرته، وذلك ضمن إطار الحملات الشاملة ضد الرسالات السماوية وحامليها.

وكان من أبرز الذين عانوا الأمرّين أبا البشر الثاني نوحاً(ع) الذي استغرقت دعوته الأولى للناس ألفاً إلا خمسين عاماً، ولا يمكن أن نتصور كيف قضى تلك المدة بين أناس متحجري العقول وميتي الضمائر، فلقد كان كلما دعاهم إلى الله تعالى سخروا منه واستهزؤوا به، وإلى هذه الحالة النفسية القاسية أشار القرآن الكريم بقوله عن نوح(قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا  فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا  وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا  ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا  ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا  فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) فرغم دعوته المتكررة لهم، وربما المستمرة، لم يكن لها أي جدوى، حيث لم يستجب له منهم أحد، وإنما أصروا على الكفر والضلال وعبادة الأوثان، ورغم سوء أوضاعهم وتعاطيهم مع نبيهم، ورغم طول المدة التي عتوا فيها وأفسدوا مجتمعهم، ورغم تلك المعاناة التي عاشها معهم، لم يصل مستوى ظلم قومه له إلى مستوى ظلم القرشيين لرسول الله محمد(ص) لأن الساعة التي كانت تمر على خاتم الأنبياء تعادل سنوات من التي مرت على الأنبياء من قبل، ويعود هذا التفاوت إلى نوع الظلم وحجمه والظروف التي كانت حاكمة في زمانه، فإن الأعوام الثلاث والعشرين التي مرت على محمد بن عبد الله تعادل جميع المراحل التي عاشها الأنبياء قبله لأن المجتمع الذي أرسل إليه الخاتم(ص) لم يكن كسابقيه من المجتمعات، وإنما كان مجتمعاً فريداً من نوعه من حيث الظلم والعناد والقساوة ونوعية المواجهة مع النبي.

ولا نبالغ إذا قلنا ما قلناه، فالذي قرأ تاريخ المجتمع العربي الذي بُعث فيه محمد(ص) لأدرك حقيقة ما نقول، ولعل السبب في هذه المعادلة يعود إلى أمور:

الأمر الأول: وهو أن أذى الناس لنوح(ع) لم يتجاوز ألسنتهم وبعض الإشارات التي كانوا يستعملونها للتوبيخ والإستهزاء، فلقد حدثنا القرآن الكريم عن استهزائهم وسخريتهم، إلى أن توجه إلى الله تعالى بالدعاء عليهم فلم يبق لهم على الأرض أثر، حيث أهلكهم الله سبحانه بالطوفان، أما رسول الله محمد(ص) فلم يتوقف الناس عن ظلمهم له طيلة حياته، ولم يكتفوا من الظلم بالسخرية فقط، وإنما راحوا يترجمون ما بضمائرهم من حقد وغيظ ضده، فآذوه باليد واللسان وبأعز ما لديه، فقد استهزؤوا بالله خالقهم وجحدوا به وكذبوا الآيات والمعجزات، وهذا لوحده كان أعظم أذى لرسول الله(ص).

الأمر الثاني: أن أذي مشركي مكة والمدينة صدر منهم وهم على علم بصدق دعواه وما أتى به من عند الله تبارك وتعالى وأنهم كانوا يعلمون بأنه النبي الموعود، فتحمل الأذى كله إلى أن نشر الدين في جميع بقاع الأرض وما زال هذا الدين مزدهراً وسوف يبقى كذلك إلى يوم القيامة لأن التأسيس له كان من أجل أن يستمر ويبقى فلم يكن بالأمر الآني.

الأمر الثالث: أن أذى الناس لرسول الله بدأ منذ بعثته ولم ينته حتى يومنا هذا، ولن ينتهي إلى يوم القيامة، فطالما أن هناك ظالماً على وجه الأرض، وروح النبي(ص) تسمع وترى كل شيء، وأن كل أذى يصاب به الإسلام أو فرد من المسلمين فإنه يصيب محمداً(ص) فسوف يبقى الأذى ملازماً له(ص) لأنه الغيور والحريص على أنفس المؤمنين ومشاعرهم وأحاسيسهم، وأكبر موارد الظلم هو الذي يصيب آل محمد الذين ما زالوا يُظلمون في كل يوم ألف مرة، وهذا الظلم يقع على النبي لأنهم نفسه وروحه وأقرب الناس إليه، فنوح(ع) ظُلم من قبل قومه مدة تقرب من ألف سنة، أما ظلم الناس لمحمد بن عبد الله فإن عمره حتى الآن ألف وأربعمائة سنة تقريباً، ولم يُرفع هذا الظلم حتى اليوم، وظلم الناس لنوح ارتفع عنه في حياته، أما ظلمهم لرسول الله فلقد كان في حياته وبعد مماته.

الأمر الرابع: أن النبي الأكرم(ص) كان على علم بما سوف يجري على أهل بيته وعلى المؤمنين بالله والموالين له ولآله عبر الزمن، ولذلك فقد عاش في حياته همومهم وآلامهم قبل أن تنزل بهم، وأفجع أنواع الأذى ما جرى على ابنته فاطمة الزهراء(عليها السلام) عندما اقتحم المسلمون دارها وانتهكوا حرمتها وغصبوا حقها وكسروا ضلعها وأسقطوا جنينها وآذوها بشتى أنواع الأذى المادي والمعنوي، ومنعوها من البكاء على أبيها واعتقل بعلها، وإلى ما هنالك من أنواع الظلم الذي لا يكاد يحصى له عدد، ورغم كل ذلك كان النبي(ص) عالماً به قبل حصوله، فقد كان يتجرع الأذى تلو الأذى، إلى أن التحق بالرفيق الأعلى وهو غاضب على الذين ارتدوا ثوب الإسلام وقلوبهم خالية من الرحمة والإنسانية والإيمان.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى