منوعات تاريخية

الحَمْدُ الحَقِيْقِي

أسْرَارُ الخُطْبَة الفَدَكية

 

الحَمْدُ الحَقِيْقِي

 

قالت سيدة النساء فاطمة الزهراء(ع) في بداية خطبتها المباركة:

(الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ، وَلَهُ الْشُّكْرُ عَلَى مَا أَلْهَمَ)

عندما أجمع القوم الذين خسروا أنفسهم وباعوا آخرتهم على منع السيدة فاطمة الزهراء(ع) من حقها ظلماً وافتراءاً على الله تعالى، وكرهاً لرسوله محمد ووصيه على صلوات الله عليهما وآلهما، وقد علمت الزهراء باجتماعهم وجوهر المؤامرة التي يحيكونها ضد الإسلام والقرآن عن طريق إفراغ الساحة من أهل الإسلام والقرآن، وضعت(ع) ستاراً على بدنها وخرجت إلى القوم بهدف وقف المؤامرة ووأد الفتنة التي يرأسها الطامعون بالسلطة عن طريق التحريف والتزوير، فأشارت إليهم فهدأ الجميع ليسمعوا كلامها ويقارنوا بينه وبين ما قيل بها وعنها على لسان ساداتهم الموهومين، ثم بدأت ابنة رسول الله بالكلام وكأن الرسول هو الذي يخاطب القوم فقالت:

(الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ، وَلَهُ الْشُّكْرُ عَلَى مَا أَلْهَمَ، وَالْثَّنَاْءُ بِمَا قَدَّمَ، مِنْ عُمُوْمِ نِعَمٍ ابْتَدَاهَا، وَسُبُوْغِ آلاءٍ أَسْدَاهَا، وَتَمَاْمِ مِنَنٍ أَوْلاهَا، جَمَّ عَنْ الإِحْصَاءِ عَدَدُهَا، وَنَأَى عَنْ الْجَزَاءِ أَمَدُهَا، وَتَفَاوَتَ عَنْ الإِدْرَاكِ أَبَدُهَا)

أيها القراء الأعزاء.. إن هذه الخطبة المباركة كبيرة جداً، وهي كثيرة بألفاظها، وغزيرة بمعانيها وأبعادها ومضامينها وبالمفاهيم الكبرى التي اشتملت عليها، وهي في نفس الوقت عظيمة ببلاغتها وفصاحتها، ومتقاربة في اللهجة والمحتوى والطريقة بلهجة أبيها رسول الله وبعلها سيد البلغاء علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين، ولو لم يكن رسول الله ميتاً لاعتقد الجميع بأنه هو الذي يتحدث إليهم، وهذا الظن لوحده يجسد دليلاً واضحاً ضد القوم، لأنهم رغم علمهم بمنزلة الزهراء ومكانتها وكرامتها لم يراعوا لها ولأبيها أية حرمة، وإنما هجموا على دارها كما يهجم الحيوان المفترس على فريسته بلا شفقة ولا رحمة، غير أنهم كانوا شراً من الحيوان المفترس الذي إذا أكل شبع، ولكن هؤلاء لم يشبعوا رغم كثرة ما أكلوا، ولم يرتووا رغم غزارة الدماء التي سفكوها، وقد أكدت الزهراء بمنطقها المشابه لمنطق الرسول بأن المعصومين حلقة مترابطة في الفكر والسلوك والجوهر، فهم يشبهون بعضهم البعض من جميع النواحي، وهذا يؤكد لنا بأن المصدر الذي ينهلون منه واحد، وهو الله تبارك وتعالى.

لقد بدأت الصدّيقة المظلومة كلامها بحمد الله تعالى، وهذا من شيم الأبرار وأخلاق الأطهار الذين يخشون ربهم بالليل والنهار ويرجون ثوابه ويخافون عقابه، فهم يبدؤون الفعل والقول بحمد الله والثناء عليه ليتوج كلامهم بالبركة ويكون أقرب إلى المسامع والقلوب.

والحمد:  لفظ أعم من لفظ الشكر الذي لا يصدر إلا بعد نزول النعم، فإذا أنعم عليك ربك أو أحسن إليك أحد الناس قلت له : الشكر لك:  أو : أنا أشكرك : بخلاف الحمد الذي يصح استعماله في حالتي النعمة والبلاء، فإنك تستطيع أن تحمد ربك على نعمته وعلى بلائه.

والحمد:  يحمل معنى الشكر، ولا عكس، لأن الحمد يصدر على كل حال كما ورد عن النبي الأكرم محمد(ص) الذي كان يقول: الحمد لله على كل حال:

والحمد: عندما يصدر عن مثل الزهراء سيدة النساء(ع) فإنه يصدر عن علم بمعناه الحقيقي العميق، وعن كيفية استعماله، وأين ومتى ولماذا وماذا ينتج عن إصدار هذا اللفظ وعلى أي شيء يدل وإلى أي شيء يهدف، الأمر لا يتوقف عند مجرد مادة (حمد) بل هو أوسع دائرة من ذلك، فهو لفظٌ يخاطَب به ربُ العالمين سبحانه، وهو علامة من علامات أهل الإيمان، لأن المؤمن هو الحامد لربه حقاً وصدقاً قولاً وعملاً.

ونحن عندما نجعل الحمد علامة على الإيمان فلا نقصد به اللفظ، وإنما نقصد به التوجه القلبي وتطبيق أثر الحمد عملياً، فالمؤمن يترجم حمده بطاعة ربه والعمل الصالح لأن حقيقة الحمد المعتبر هو العمل الدال على كون المؤمن حامداً لربه، وإلا فإن المجرمين والظالمين والكافرين في بعض الأحيان يقولون الحمد لله، فهناك فرق واضح بين أن أقول أنا أو تقول أنت  (الحمد لله) وبين أن تقول الزهراء ذلك، فإن الدافع لدى الزهراء غير الدافع عندي وعندك، وما تعرفه الزهراء عن الحمد وما تقصده به غير الذي أعرفه أنا أو أنت أو أي إنسان عادي، ولأجل ذلك نحن نتأمل بكل كلمة تصدر عن المعصوم وإن كان ظاهرها عادياً، وإننا بهذا التأمل والتفكر لا نبالغ في القول والفعل وإنما نصنع ما يجب أن يصنعه العقلاء حول ما يصدر عن عظمائهم.

والسؤال الوجيه هنا، لماذا نؤكد على بيان جوهر الحمد؟ نحن نفعل ذلك لأن الحمد يجب أن يخرج من القلب قبل أن تتردد ألفاظه على اللسان، فإن كثيراً من الناس يستعملون هذا اللفظ ولا يدركون معناه ولا يعرفون مؤداه ولا يقصدون جزء ما قصدته الزهراء بحمدها لربها قبل البدء بالكلام.

كثير من الناس لا يتعدى الحمد عندهم ألسنتهم، وكأنه تحول إلى مجرد مصطلح يستعملونه في بعض الحالات، كما لو قلت لأحدهم كيف حالك؟ فيقول لك (الحمد لله) وهو يقصد بهذا الحمد أن يرد عليك من باب اللياقة فقط، ولا يقصد به الحمد الحقيقي الذي يترتب عليه أجره وثوابه.

وهذه الإستعمالات للألفاظ الدينية لم تنحصر في الحمد فقط وإنما تعدت لتطال الكثير من تلك الموارد التي استعملها الناس في غير محلها، كتحية الإسلام التي أصبحت مجرد تحية مجردة عن أي معنى شرعي، مع أنها من الأمور التي تعود على صاحبها بالكثير من الأجر والثواب، فلو قصدت بالتحية وجه الله تعالى لكان أجرك عظيماً عند الله، أما إذا لم تقصد بها سوى التحية المجردة عن نية القربة إلى الله، فلا أعتقد أنها تعود عليك بالأجر.

وقد ورد أن الله تعالى جعل في التحية سبعين حسنة، تسع وستون منها لملقي التحية، وواحدة للراد إلا إذا أحسن في ردها فله عشر حسنات، فلو كان ملقي التحية منطلقاً من هذا المنطلق وعاملاً على هذا الأساس لكانت تحيته هي التحية التي حدثنا عنها القرآن وأمرنا بردها.

وقد طال الإستهتار بالأمور الدينية أكثر العبادات كالصلاة والصوم والحج وربما الجهاد وربما غير ذلك من أنواع العبادات التي أصبحت تؤدى كعمل شكلي يقوم به المرء لأنه لا بد من القيام به.

هذه الروحية التي نتعامل بها مع الأمور الدينية بعيدة عن المعصومين سلام الله عليهم فهم يراقبون الله في كل شيء من قول أو فعل أو ترك أو أي أمر من أمور الدنيا ليكون عملهم مثمراً ونافعاً.

 

آثَارُ الحَمْدِ عَلَى الحَامِد

 

ما زال الكلام حول قول الزهراء(ع) في بداية خطبتها(الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ) وقد تحدثنا في البحث الماضي عن أمور عديدة لها علاقة مباشرة بلفظ الحمد وجوهره، وذلك على اعتبار أن الناس نوعان تجاه هذه الآداب الدينية، فمنهم من يقصد بالعمل وجه الله تعالى مهما كان قليلاً أو صغيراً، ومنهم من يطلق هذا الشعار أو يستعمل هذا الأدب من دون أن يلاحظ كونه أمراً شرعياً يترتب عليه الأجر والثواب.

فالحمد أمر كريم، واستعماله في موارده أمر عظيم، وهو أول كلمة في الكتاب المجيد بعد البسملة، فقد افتتح الله كلامه بالحمد حيث أنه أول كلمة من أول سورة قرآنية وهي قوله تعالى(الحمد لله رب العالمين) والبدء بها ليس أمراً شكلياً، بل هو دعوة ضمنية إلى تتويج العمل أو القول بذكر الله تعالى عبر حمده والثناء عليه، وأهم أنواع الثناء على الله تعالى هو حمده، وقد أشير إلى هذا المعنى الدقيق في دعاء الإفتتاح حيث قال الداعي(فأثني عليه حامداً)

ومن آثار حمد الله تعالى على الحامد أنه يضفي عليه السكينة ويُشعره بالإطمئنان ويخفف عنه آلامه ويهدئ له من روعه ويؤنس له وحشته، لأنه عندما يحمد الله تعالى خصوصاً عند نزول البلاء فإنه يشعر بالقرب من رب العالمين سبحانه، فإذا قال المبتلى (الحمد لله) هانت عليه مصيبته وانحدر عنه حزنه وزال ألمه، لأن الحمد الصادق هو في الحقيقة أُنسٌ للحامد ووسيلة من وسائل التقرب إلى الله عز وجل.

وهناك شعار أطلقه الرسول(ص) حول الحمد بيّن فيه مورد استعماله عندما قال: الحمد لله على كل حال: هذه رسالة وجّهها النبي الأعظم للبشرية يحثهم فيها على استعمال الحمد في مورده الصحيح والتزامه في جميع الحالات لكونه من العوامل المساعدة على الصبر وتحمل المرارات والمشقات.

وقد أخبرنا مولانا الصادق(ع) عن مورد استعمال الحمد لدى الرسول الأعظم(ص) حيث قال(ع) كان رسول الله إذا ورد عليه أمر يسره قال الحمد لله على هذه النعمة وإذا ورد عليه أمر يغتم به قال الحمد لله على كل حال:

وهذا يعني أن الحمد يستعمل لشكر النعمة ودفع آثار النقمة، وقد أشار الإمام علي(ع) إلى آثار الحمد حيث قال: الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره وسبباً للمزيد من فضله ودليلاً على آلائه وعظمته:

هذه كلها رسائل خير وتعليم وتوجيه وتثقيف أوردها النبي وآله ليرسموا بها طريق السعادة لسالكي نهجهم والسائرين في طريقهم والعاملين على طريقتهم، ولكننا نتفاجأ بأن كثيراً ممن علموا هذا الشيء عن الحمد لم يلتزموا بمضمون تلك الرسائل، بل رفضوا الفكرة من أساسها لأنهم ضعفاء أمام أي بلاء ينزل بهم حيث تصبح قوة المناعة الدينية لديهم ضعيفة لأقل نازلة وأصغر بلاء.

وليس ذلك من صفات المسلم، ولا من أخلاق المؤمن الذي يقتدي في الحياة بالنبي وآله(ص)، إذ لو كان معهم لعمل بعملهم، وهم(عليهم السلام) القائلون :ما شيعتنا إلا من عمل بعملنا:

هناك أشخاص إذا انهالت عليهم النعم استبشروا خيراً وشكروا ربهم، ولا ندري إن كانوا بهذا الشكر يقصدون الله أو يعبرون بالشكر عن عظيم فرحهم بما نالوه من النعمة، فنحن  نلاحظ بأن كثيراً من الناس إذا رزقهم ربهم برزق معيّن قالوا مبتهجين : الشكر لله:  وربما قالوا :الحمد لله:  وقد يصدر منهم ذلك وهم منبهرون لشدة فرحهم، والدليل على هذا هو أنه إذا مُنعوا من النعمة لم يحمدوا الله، بل يفقدون صوابهم ويطلقون عبارات لا تليق بهم أن يستعملوها، فنفس عدم الحمد منهم عند نزول المصيبة أو النقمة لأكبر دليل على كونهم عندما شكروا الله على النعمة لم يكن شكرهم لله، لأن الذي يتقرب إلى الله تعالى بشكر النعمة لا بد وأن يتقرب إليه بالحمد عند نزول المصيبة.

فقد حاول رسول الله وآله(ص) أن يحثوا الناس على الحمد عند النعمة والنقمة لأن ذلك أنفع لهم وأقرب إلى رضوان الله وغفرانه ورحمته، ولكن الناس لم يقبلوا بتوجيهات الرسول لهم، ولم يسلكوا نهجه فكُتب عليهم الهلاك.

وبعد هذه المقدمة الطويلة حول حقيقة حمد الله نأتي إلى حمد الزهراء لربها في مطلع خطبتها حيث قالت :الحمد لله على ما أنعم: والجدير بالذكر هنا هو أن الزهراء سلام الله عليها أطلقت عبارة الحمد وصبتها على ما أنعم ربها عليها، فلم تأت على ذكر البلاء، بل لم تقرن لفظاً يدل على البلاء بلفظ الحمد رغم شدة البلاء وكثرة المصائب التي نزلت عليها، وكأنها(ع) لم تبتلى بشيء، مع أن ما نزل بها لا تحتمله الجبال، وأنا أعتقد أنها أرادت أن توصل رسالة إلى الناس، مضمونها عدم فَقْد الصواب عند نزول البلاء، لأن فقد الصواب يوقع الإنسان في الأخطاء، فمهما كثرت عليك المحن وتتالت عليك المصائب فلا تستسلم لوسوسات الشيطان الرجيم الذي أراد أن يوقع بالإنسان في حفر النيران وخصوصاً في الحالات التي تكون فيها القابلية للخروج عن الطريق أيسر عليه وأسهل، وهي حالات البلاء.

أرادت(ع) أن تلفت انتباهنا إلى كون النعم الإلهية علينا أكثر بكثير من المصائب التي تعترضنا في حياتنا، فإذا شعرنا يوماً أننا سوف نفقد الصواب بسبب نزول البلاء فلنتذكر نعم الله علينا التي جم عن الإحصاء عددها ونأى عن الجزاء أمدها كما تقول الزهراء(ع) ففي هذه الحالة يبقى المرء متمالكاً نفسه ورشده فلا يخرج عن جادة الصراط المستقيم، ولنضع نصب أعيننا قوله تعالى(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) فلا ينبغي أن تسيطر علينا قلة المصائب مع وجود كثرة النعم فينا وحولنا وفوقنا وتحتنا.

لقد صبت على الزهراء مصائب جمة ورغم شدة المحنة ورداءة الظروف التي أحاطت بها بقيت قوية ومتماسكة لعلمها بأن نعم ربها عليها كثيرة وأعظمها نعمة الإيمان.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى