
القرآنُ الكَريْمُ بَقِيةُ الله
لقد استخلف عليهم بقية، ولكن ما هي هذه البقية التي تمثله وتحل مكانه بعد موته؟ هي ما أشارت إليه الزهراء بقولها(كتاب الله الناطق، والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللامع) إذاً البقية هي أهل البيت والقرآن الكريم.
وبهذه العبارات أرجعتهم الزهراء إلى أهم وصاياه(ص) التي أوصى بها الأمة قبل التحاقه بالرفيق الأعلى عز وجل، وهي قوله: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي: وهذا الحديث من أشهر الأحاديث وأصحها، فلا يمكن لأحد أن ينكر صدوره عن رسول الله، ولكنهم حرّفوه عندما لم يستطيعوا إنكاره، فلقد غيّروا في اللفظ بهدف صرف الأذهان عن المعنى المراد، وعملوا بكل طاقاتهم على تثبيت هذا التحريف الهادف إلى دفن الحق، ولكن إرادة الله سبحانه وتعالى هي الأقوى حيث أفشلت خطتهم وفضحت أمرهم وجعلتهم الأخسرين الخائبين لأنهم أرادوا أن يطفؤوا نور الله بكذبهم ونفسياتهم المنحطة ونواياهم السيئة، غير أن الإرادة الإلهية شاءت البقاء للحق المتمثل بآل النبي(ص) فهم نور الله في هذه الحياة، وهم السبب المتصل بين الأرض والسماء.
لقد استخلف النبي في الأمة الإسلامية كتاب الله الناطق وكتابه الصامت، أما الكتاب الناطق فهم آل النبي(ع) وأما الكتاب الصامت فهو المصحف الشريف الذي لا يمكن الوصول إلى أعماقه ومعانيه إلى عبر الدخول من باب الحق والعلم، وهم القرآن الناطق الذين حسدهم الناس على تلك الرتبة التي جعلهم الله عليها.
لقد غُرست هذه النبتة الخبيثة في يوم الغدير عندما أتم عليهم النعمة وأكمل لهم الدين بتعيين الخليفة الذي يحفظ الرسالة والأمة بعد موت النبي إذ ليس من المعقول أن يترك النبي الأمة في حيرة من أمرها بعد أن ذاق المرارات في سبيلها، ولا يعقل أن يتركهم من دون خليفة يرجعون إليه في أحكام الدين الذي لم يكن الجميع يعرفون التفاصيل الدقيقة عنه وبعض التفاصيل العامة، فهم بحاجة مستمرة إلى شخص يرجعون إليه في أمور دينهم، ولكن تنصيب الخليفة كان بمثابة صدمة لهم وصاعقة نزلت على رؤوسهم حيث لم يكن تعيين علي(ع) بالحسبان، فلقد كانوا طامعين بالرئاسة والزعامة، وهم على علم بأنهم فاقدوا أهلية تولي هذا المنصب الرباني الذي لم يكن لرسول الله أن يتصرف به من دون وحي إلهي خاص، لقد كان النبي خائفاً من كلامهم الجارح وظنهم السيء فأنزل الله عليه قوله(بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) وهؤلاء لم يكذّبوا رسول الله فقط وإنما كذّبوا القرآن الكريم رغم وضوح أمره.
ولذلك وصفت الزهراء هذا الأمر بقولها(والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللامع، بيّنةٌ بصائره، منكشفةٌ سرائره، منجلية ظواهره، مغتَبِطَةٌ به أشياعُه، قائدٌ إلى الرضوان اتّباعه، مؤدّ إلى النّجاة استماعُه)
القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة التي لا يستطيع أحد من الناس أن ينكرها أو يواجهها حيث تحدى به النبي(ص) العالم بأسره، فلم يستطع أعظم بلغاء العرب وفصحائهم وعلمائهم أن يأتوا بسورة مثل سوره.
وإلى هذا المعنى يشير القرآن بقوله(قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا)
وهذا الكتاب السماوي هو النور الساطع والضياء اللامع، وهو كما وصفه النبي(ص) :حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم: وهو كما وصفه علي(ع) :ظاهره أنيق وباطنه عميق: وهو الذي لا يشبع منه العلماء ولا يَخْلَقُ عن كثرة الرد.
وهو كما وصفه الله تعالى(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) وهو الكتاب الذي لا تخفى أنواره وبيناته وبصائره، وهو الذي نقل الله به العباد من الظلمات إلى النور، وهو الكتاب الذي يهدي للتي هي أقوم، ولكن المسلمين في زمن الزهراء تجاهلوا كل هذه المفاهيم القرآنية، وتجاوزوا جميع الحدود، بل نسوا ربهم من أجل تحقيق أهدافهم ومطامعهم.
ولأجل ذلك أحبت الزهراء أن تلقي الحجة عليهم وتصف هذا الكتاب العظيم بقولها (بيّنةٌ بصائره ، منكشفةٌ سرائره ، منجلية ظواهره ، مغتَبِطَةٌ به أشياعُه)
والبصائر هي التعاليم والأنوار التي أنزلها الله في هذا الكتاب، والسرائر هي الأسرار، وقد انكشفت أسراره بفضل النبي وآله الذين عملوا بجد في بيان تعاليمه.
وأما ظاهره فهو جلي وواضح، ولا ينبغي أن يختلف اثنان في ظاهره ومحكماته، وقد حاول أعداء آل محمد أن يخفوا هذه الظواهر بسبب المصالح الحاقدة.
الشيخ علي فقيه


